|
|
الكتابات المنشورة تعبر عن رأي اصحابها - الرقيب ضمير الكاتب |
||
|
27 آب 2008 |
|
الوقوف بعدَ الخطِ الأحمر ....
كتابات - قيس مجيد المولى
كنت أتمنى أن يطولَ ذلك الليل لأني كلما أبصر ساعتي وتشير لي باقتراب نهايتهِ ينتابني شئٌ من الجزع ولكن الذين على طاولتي كانوا يرددون (بعدهُ الليلُ بأوله ) لذلك طلبوا المزيد من النبيذ الأحمر ، وكان عليَ أن أرشفَ الفنجان الرابع من القهوةِ والذي لم أضع فوقه مسحوق التبييض لأني وددت أن أقرأ في قاعهِ سنيني القادمةَ التي بدأت تباشير ها الأوليةِ لا تبشر بخير ،كانوا يرفعون الكؤوس ويتندرون عليَ (في صحةِ قهوتك المرةِ ) ولكنهم حين أدركوا بأني بلغت الوادي البعيد ولم أعد معهم إلا جسداً تركوني لتأملاتي َبل كانوا يوصون بعضهم البعض أن لا يشركوني في أحاديثهم ولا يقرعوا الطاولةَ حين يسكرون ، وهكذا رأيت من المساحة الضيقة التي لاتتعدى البضع من السنتمترات ماكان قد خطط لي وكان لابد ومرغماً من تَقَبُلهِ حيث لا وجود لمسرات فيه ولا أمل بنزهة بين الجنان أو وقفة على ينابيع ماء أو نهراً صغيراً يجري فيه العسل أما الذين رأيتهم في ذلك السحيق فهم جلادون مهره يلوحون بأدواتهم النارية ومقاصلهم المسننة وسريعاً وكمذعور وثبتُ من ذلك البعد وعدت أعلى الفنجان ووددتُ أن أنظم روحياً لزمرتي لكني لمحتهم وقد ناموا على الطاولةِ وأنا أصيحُ بهم (بَعدهُ الليلُ بأوله ) تندراً بما كانوا يرددونه وهم يحتسون نبيذهم الأحمر ، في هذه الأثناء انتابني الفزعُ لا لقرب انتهاء الليل بل لتأخر بزوغ الفجر وقبل أن يوقظَ النادل النائمين سمى على رأسي وأستبدلَ الفنجان بقدح شاي وأخبرني أن تحريك الملعقة سيحرك الليل ويأتي بالفجر وقصَ عليَ فصلاً من ألف ليلة وليلة . وبشكل مفاجئ تحركت الملعقة وتحرك الليل وعلت أصوات ألديكه وطليت السماء باللون الرمادي ثم الأبيض ، تنفستُ وانتهى شخير الذين رقدت رؤوسهم على الطاولة وأخذتهم اتجاهاتهم إلى حيث يبتغون وسلموا ببطء منهم من صافحني ومنهم من مسح باطن كفه في أعلى ظهري ومنهم من مسَدَ على ساعدي ومضى في حين أخذ النادلُ يعيدُ ترتيب موائده ويبتعد بها عن أشعة الشمس لكني رجوته أن يبقي قدحَ الشايّ الفارغِ أمامي لأني سأبدأ بقراءةٍ أخرى عليه ولربما أجد شيئاً فيه :
في الطريق الخاص بالثلوج وما أن شرعت أبحث من جديد عن الأزقة القديمةِ حتى ذرفت عينايَ الدموع عندما تسلل إلى أنفي أول أريج لوردةٍ بعيدة
وأمامَ اللوح الزجاجي الصغير لم أستطع من قراءة ماكتب عليه ولا التركيز على الصور التي حشرتها الزوايا ورأيت العشب الذي نما بين بقايا الشاي في قعر القدح وتأكدت من لونه ومن جذوره الصغيرة التي اخترقت الزجاج وثبتت في مساحة الطاولة ثم شاهدت مدخل الغابة ولائحةَ أماكن وأسماءَ الحيوانات المفترسة والأليفة وأسماء الجلادين المهرة الذين سبق لي ورايتهم في قاع الفنجان وكنت أعلم أنها هنا في نقطة على الشاشة وأجبرتها أن تقول (أحبك ) سَلَمّت بمجنونيتي وأرادت أن أتفهم وأن أعيد انطلاقي وسألتني عن البحر وهي الإشارة التي ترمز لي بها أن أقف عند الخط الأحمر، كانت مقدمات العام الجديد قد أصابتني بالذعر وكان اللون الأصفر قد ملأ الفضاء للطائرة التي ستتوجه إلى مصر وأنا أعيد الأغنية التي أرسلتها لها قبل عام حين مرقت طائرتها إلى لندن :
شايف البحر شو كبير
وإلى الأن ، إلى الأن لم تُكمل ليَ الأغنية
شاعر عراقي – مقيم في قطر
|