الصفحة الرئيسية

كلمة كتابات

الكتابات المنشورة  تعبر عن رأي اصحابها - الرقيب ضمير الكاتب

زوايـــــا

دراسات

 kitabat@kitabat.com <<<  webmaster@kitabat.com

الارشيف

كتب

27  آب  2008

ابحث في كتابات

 

الجواهري لم يعد الى وطنه يا درويش!

 

كتابات - سعد تركي

 

مؤلم رحيل المبدعين الذين يملأون سماواتنا ضوءاً ودهشةً وألقاً..مؤلم هذا الغياب الذي يفجع القلب ويدميه ويعصره ويترك فيه لوعةً وغصةً..مؤلم غيابهم على الرغم من أنه ليس غياباً نهائياً لأن المبدع يترك خلفه ما يعوض جزئياً عن هذا الغياب فتبقى آثاره وابداعاته حاضرةً بيننا طالما بقي انسان يقرأ ويسمع ويرى متذوقاً الجمال والابداع الذي تركوه خلفهم ورحلوا.

لعل الرحيل الذي قد نراه مبكراً للشاعر الكبير المبدع محمود درويش ليس الرحيل الأخير لقائمة المبدعين فقد سبقته قائمة طويلة منهم وستتبعه(مع الأسف) قائمة ربما ستكون أطول من سابقتها..هل بامكاننا الا أن نعد غياب ورحيل المبدع مهما امتد عمره سوى أنه مبكر وسريع وأن عمره(مهما طال) هو عمر الزهرة القصير!؟

كرم الفلسطينيون محمود درويش في حياته وفي موته فقد كانت له مكانته المرموقة لدى جميع أبناء وطنه شعباً وقادةً سياسيين ولم نرهم يجمعوا على شيء قدر اجماعهم على مكانة هذا الشاعر الجميل وأثره الكبير في مقاومة الاحتلال والنضال من أجل التحرر على الرغم من أنه غالباً ما يكون مختلفاً معهم في أشياء كثيرة, شأنه في ذلك كشأن أي شاعر كبير مبدع حصان بري حر يرفض اللجام والرسن..فلم يمنعه انتسابه الى الحزب الشيوعي أن ينادي بالوحدة العربية والتغني بالامجاد القومية,ولم يمنعه احتلال بلاده من عشق ابنة العدو الذي قضى عمره يطالب برحيله عن الارض التي اغتصبها..لم يمنعه نضاله بالكلمة(وهو سيد الكلام) أن يحمل البندقية يدافع عن مبادئه وحقه في الحياة..لم يمنعه الواقع الكئيب والبائس من التغني بالحب والجمال حيثما وجده واقتنصته عيناه.لم يمنعه عشقه لفلسطين أن يهاجمها بلوعة لأنها(تخاصرت والآخرين في حلبة الرقص الطويلة)!

كرم الفلسطينيون شاعرهم الكبير في حياته وفي موته كما لم نكرم يوماً شاعراً أو مبدعاً من شعرائنا ومبدعينا وما أكثرهم ونحن بلد الشعراء والمبدعين..بلد الحضارة الأولى والحرف الأول الذين لولانا لم يكن هناك شعر ولم تكن هناك حضارة..

عدد المبدعين لدينا بعدد حبات الرمل وقاماتهم تعلو على قامات الآخرين لكنهم في حياتهم مطاردين مقصيين منفيين يعيشون أغراباً بيننا ويموتون غرباء فقراء ويدفنون أحياناً في أرض غريبة بعيداً عن الوطن الذي حملوه بين أضلاعهم وكأن هذه الأرض الواسعة الرحيبة لم نجد عليها متراً وبضعة سنتمترات نواري فيها من حمل بين ضلوعه همومنا وآلامنا وذاق ألم التشرد والغربة والنفي والسجن والفاقة والبعد عن الأحباب..

دُفن السياب في ليلة شتائية ممطرة شيعه فيها بضعة أفراد كان أحدهم يلعن الزمن الذي ساقه الى قبر بن سياب!

عاش الجواهري منفياً منبوذاً من الحكام ومات في الغربة ليدفن بمقبرة الغرباء في سوريا كم لو أن الوطن( الذي كان الهواء الذي يتنفس والماء الذي يشرب وحمله أعواماً بين أضلاعه التي ظلت تفيض بحب الوطن الى آخر نبضة فيه)لم يجد في أرضه الواسعة الرحيبة مكاناً صغيراً لقبر يضم جسده المتعب,ومثله لم يجد شاعرنا الكبير عبدالوهاب البياتي كما لم تجد الشاعرة الكبيرة المبدعة نازك الملائكة قبراً في الوطن يضم رفاتهما!

مؤلم أن يعيش مبدعونا ويموتون في البلاد الغريبة التي تتمنى(تتوسل أحياناً)أن يكونوا من مواطنيها فتوفر لهم المجد في حياتهم وتحتفي بهم بما يستحقونه..هل يستطيع مظفر النواب (مثالاً لا حصراً) أن يتجول في شوارع الوطن دون أن يخشى الخطف أو رصاصة يطلقها ملثم يمقت كل شيء جميل؟لماذا كان درويش يستطيع أن يحيا في وطنه المحتل ويتجول في كل شوارعه وأزقته دون أن يخاف أو يخشى شيئاً سوى رصاصة المحتل التي لم تتجرأ يوماً على قتل كلماته؟

هنيئاً لك درويش حياً مبجلاً مكرماً عزيزاً على قومك,وميتاً خرج الفلسطينيون عن بكرة أبيهم لتشييعك وبكوك دماً مراً وأعلنوا عليك الحداد حكومةً ومواطنين. ما أتعس حالكم(في حياتكم وموتكم) أيها المبدعون العراقيون تعيشون منفيين وتموتون غرباء.

 

saadturke@yahoo.com