|
|
الكتابات المنشورة تعبر عن رأي اصحابها - الرقيب ضمير الكاتب |
||
|
27 آب 2008 |
|
مزحة قاتلة
كتابات - ضياء الجبيلي
قصة قصيرة
الساعة العاشرة صباحاً، حيث يبلغ الزحام في مثل هذا الوقت ذروته في سوق الجمعة، كنت أتجول هناك بحثاً عن دراجة هوائية بسعر مناسب، لكي أشتريها لحفيدي الذي ما زال يجهش بالبكاء منذ أن خرجنا من المنزل. وكانت هذه عادته كلما اصطحبته معي إلى السوق، لذا لم أسأله عن السرّ وراء بكائه، لأني أعرف جيداً انه سيسكت حالما تزول الأسباب الحقيقية، وذلك بحصوله على الدراجة الهوائية. وحتى ذلك الحين ربما يتحول بكائه إلى صراخ، ويظلّ ينتحب بصوت عالٍ ما دمنا نتجول في السوق المزدحم. كنت ممسكاً بيده اليسرى كي لا يفلت مني ويتيه بين المارة والمتبضعين الذين غصَّ بهم السوق إلى درجة بلغت من السوء أني ما عدت قادراً على التنفس بسهولة، ففكرت بالعودة إلى المنزل، لكني تذكرت حفيدي والغاية التي جئت من أجلها إلى السوق. فحملته على كتفي ورحت أشقّ طريقي بصعوبة، حتى وصلت إلى مكانٍ لا يقل اختناقاً عن غيره في هذه البقعة المليئة بالناس والحاجيات المختلفة، إذ رأيت أحد الباعة يعرض دراجة هوائية على الرصيف. وكان ثمة رجل يصطحب معه فتىً نحيلاً ومحدودباً، بوجه أسمر ورأس حليق، يرتدي دشداشة رمادية متسخة، لكنه كان هادئاً كصنم، لا يكاد يتحرك منه سوى عينيه الصغيرتين. ولا يبدو هذا الفتى عابئاً بما حوله من الفوضى والضجيج.على العكس من حفيدي المتمرد الذي أنزلته من على كتفي، وقبضت على معصم يده بقوة ازداد في إثرها بكائه المزعج الذي لم أعد أطيقه. كان الرجل يساوم على سعر الدراجة، أما أنا فقد وجدته مناسباً جداً، فأبديت رغبتي بالشراء، ما جعل الرجل يحنق عليَّ، إذ بان ذلك من ملامح وجهه التي تشنجت، وعيناه اللتين تجهمتا وراحتا تشزراني بحقد. لكني لم أكترث لذلك، إنما أعتقت يد حفيدي البكّاء، أخرجت حافظة نقودي ودفعت للبائع ثمن الدراجة. عندئذ، أحسست بالندم وأني كنت لئيماً وانتهازياً إزاء ما فعلته، إذ فوّتُ الفرصة على ذلك الرجل وخطفت منه الدراجة التي بدا راغباً أكثر مني في شراءها. سمعته يهذي ورائي، شاتماً إياي قبل أن يغادر مع ولده الذي شرع يبكي بكاء شديداً حزَّ في نفسي وحزنت لأجله أشدّ الحزن حتى تلاشى صوته وسط الزحام. أما حفيدي فلم أسمع له صوت قطّ، فقد زال سبب بكائه بعد أن حصل على الدراجة الهوائية. وبينما كنت أعظّ أصابع الندم لما سببته لذلك الرجل المسكين، دوى في المكان صوت مرعب ارتعدت بسماعه فرائصي، وكاد الشعر على رأسي أن يُنتف ويُسلخ الجلد بسبب القشعريرة التي راحت تأكل أوصالي عندما شرع شخص ما بتكرار نداءه محذراً : " أهربوا!..." كان صوتاً مقززاً تناهى إلى آذاننا بقسوة : " أيها الناس... أهربوا ... قنبلة!!...." لُجمت الأفواه، واصفرّت الوجوه، وساد الصمت على نحوٍ جعلني ابحث عن أكثر اللحظات صفاء في حياتي لكي أتذكرها قبل أن تنفجر القنبلة، إلا أن شيئاً من ذلك القبيل لم يخطر في ذهني، فقد كانت ذاكرتي مليئة بكل ما هو بائس، ولا يمكن أن يشكل عائقاً أمام تسليمي للأمر الواقع. في حينها، حملت الدراجة بيد، وأمسكت بالأخرى يد حفيدي الذي لم يعي من خطورة الوضع شيئاً، وأن غبطته بالدراجة ستُمحى إلى الأبد عندما ستفجر العبوة اللعينة، وتحيلنا إلى أشلاء. لذا لم أدخر جهدي في الهروب من المحذور الذي يكاد أن يقع ويأخذ نصيبه منّا. حدث تدافع مميت، وفي كل مرة أكاد أسقط فيها على الأرض، تدفعني موجة بشرية نحو الاتجاه المعاكس. وفي كل موجة عاتية تضربني اسمع هديرها المخيف : صراخ النسوة وبكاء الأطفال الذين كانوا يستغيثون، إلا حفيدي لم يصدر منه شيئاً عدا صوت يشبه صوت الدجاجة وهي تنفق خنقاً، ما جعلني أظنّ انه صار في عداد الأموات، فشرعت بالبكاء وأنا أسحب جثته تحت أقدام الناس المتشابكين، والذين كانوا يتماوجون كالسكارى ساعة الحشر! فكرت بالانتحار، أسقط نفسي فتدوسني الأقدام. ذلك أفضل من أن أعود حاملاً حفيدي الميت إلى أمه المسكينة، إذ لا أمل في أن تعود الحياة إلى الجثة التي ما زلت أجرها خلفي. إلا أن أحداً ما، شخصاً بدا وجهه مألوفاً سحبني إلى ضفة الحياة، عند نقطة تحتم على المرء امتلاك قوة إضافية لكي يستطيع عبور السور الحديدي الذي يفصل الشارع عن الرصيف. شعرت وقتها كأني أسقط من على قمة البؤس إلى حضيض الموت، فيرتطم رأسي بالأرض المكسوة بالإسفلت الذي أحسست بسخونته تتسلل إلى جسدي المنهك. ثم لم اعد أشعر بعدها بشيء، إذ أُغمى عليَّ دقائق أفقت بعدها على صوت حفيدي وهو يبكي. أمعنت النظر إليه، احتضنته، رحت أتفحص وجهه. كان ما يزال خائفاً مرتعشاً من هول ما حصل، إلا أن شيئاً من آثار السحق لم تبدو عليه. " يا إلهي!... ما الذي حصل؟!" كان يبكي كمن لم يبكِ طوال حياته. بينما كان الرجل الذي انتشلني من ضفة الموت يوبّخ ابنه الذي ما زال صامتاً. يفعل معه ذلك بالإشارات كما لو كان يتحدث بلغة الصم والبكم. في حين كان الفتى يحاول استعادة أنفاسه ويهزّ رأسه بصمت، وآثار الكدمات تملأ وجهه الأسمر.
|