الصفحة الرئيسية

كلمة كتابات

الكتابات المنشورة  تعبر عن رأي اصحابها - الرقيب ضمير الكاتب

زوايـــــا

دراسات

 kitabat@kitabat.com <<<  webmaster@kitabat.com

الارشيف

كتب

27  آب  2008

ابحث في كتابات

 

حروف القاتل المزورة

 

كتابات - عبد الكريم كاظم

 

القاتل هو القاتل، أياً كان شكله وأسمه، وأية كانت المساحة التي يتحرك فيها، حتى لو وسعت هذه المساحة العراق كله بل الدنيا كلها، فالقاتل هو قيد على الحياة لا يطيقها، وتوقه الطبيعي والدائم إلى القتل لا يوقفه شرط أو أي اعتبار آخر .

لا ينبغي أن تخدعنا الوجوه (الثقافية) البراقة بقدرتها على الفتك والإبادة، فمن النزعات النفسية التي تحطم المثقف النزيه حسن ظنّه بالقاتل والثقافة بعد أن أساء القاتل والثقافة معاً الظن به .

مثقفو الاحتلال ووزارتهم، نبدأ بالجابري ولا ننتهي بأصغر دليل، هم في زعمهم لا يعرفون سوى المقايضة بدم المثقف ولم تنفد الرحمة إلى قلوبهم الصلدة ففي هذا التشخيص، وكل قاتل أو مثقف بزي قاتل يشخص ويقتل عشوائياً، الكثير من إشارات الاتهام الواضحة وفي هذه العجالة المستفيضة لن نستفيض في تحليل الكثير من ظواهر (المثقفين) القتلة والإدلاء، ربما ستؤدي هذه الصدمة إلى خلق هواجس عديدة في رؤوس البعض، عما يمكن أن يأتي من هذا القاتل أو ذاك، وربما تكون هواجسهم هذه أقرب إلى نبوءة ستتحقق عبر القتل أو الجريمة وهذه الأخيرة تحمل في ثناياها بصمات القاتل الذي يرتدي جلباباً ثقافياً كما أسلفنا .. والذي يقيم مهرجاناً ثقافياً ثنائياً يبدأ من طهران ولا ندري، أين سينتهي؟

الإحساس بالدونية، بالنسبة للقتلة، مصدر عزاء من جهة ومصدر مضاعفة للدونية من جهة أخرى، وإذا كنت أكتب اليوم ثانية عن دماء المثقف العراقي المهدورة فإنما أكتب، بالتحديد، عن ثقافة الإقصاء وجدليتها المغلقة أكثر مما أكتب عن المفكر الراحل كامل شياع وسواه، ولذلك فإنني متحرر، هنا، من ممارسة فعل النقد المخاتل أو المجامل الذي لم أمارسه في حياتي .

لا نريد أن نصطنع المراثي، فما ينطق به القاتل، الذي يجب أن يخضع للمساءلة، واضحاً وإلا سيستمر القتل ولا تنقطع المراثي ودبلوماسية رسائل النعي الرسمي، أتمنى أن يتوقف الكتاب عن الرثاء لننقذ الحياة والثقافة والجمال من الأثر الإقصائي للقتلة، وبهذا سنحمي الثقافة والمثقف، في آن، لنشير إلى جهة (المثقف) القاتل والمؤسسة الثقافية القاتلة والمستشار الثقافي للقتل لكي نتجاوز حالة الخرس إلى الصراخ .

في الحياة، وفي الأدب والثقافة عموماً، فإن هاجسنا الأكبر هو الحرية، أولاً والإبداع في ظل الحرية، ومقاومة كل أشكال القمع والقتل والإقصاء التي تواجه المثقف المختلف، وتواجه نتاجه الإبداعي وسلوكه ونظرته المضيئة للحياة، وهي القضية التي أعتبرها كامل شياع، ومن على شاكلته، في كتاباته ومواقفه وفي مجمل نشاطاته، القضية الأولى/الحرية، ونشاركه فيها مثلما يشاركه فيا جمْع المثقفين الكبير في ثقافتنا العراقية التي تتعرض للقمع بصيغ مختلفة .

وبعد، فما أكثر الأشياء والأفكار والمشاعر التي يمكن أن تدخل في سياق هذه التداعيات، في معرض الحديث عن دماء المثقف المهدورة، ذلك أن عالم هذا المثقف العراقي وسواه، هو عالم واسع شديد الغنى وهو في الجانب الإنساني منه، بخاصة، مضافة إليه الجوانب الأخرى، يشكل المادة الخصبة للثقافة العراقية المستقبلية المتحررة التي نكتب عنها دائماً وفي كل الظروف، ليس وفاء لمثقف تنويري أو لصديق، فليس لما أكتبه علاقة بهذا الأمر، ولكن إحساساً مجرداً مني بالحاجة إلى الكتابة عن الثقافة الناصعة أو الأسماء النزيهة، عن شيء منّي حميم وصادق وعميق، في علاقتي مع الثقافة وبعض المثقفين، إذ هكذا اعتدتُ أن أكتب عن الثقافة أو عن الآخرين من أصدقائي المثقفين، أكتب عنهم وعني، في آن، أكتب ن المشترك وغير المشترك بيني وبين كل منهم، في سياق علاقة أزعم أنها تشكل، بالنسبة لكل منا، جزءاً من مواقفه ونظرته الحياتية وانطباعاته .

لم يعد القتل، في العراق الجديد، مجرد وسيلة لإسكات الصوت المغاير، لا بل أنه غدا، ولا سيما مع ما انطوت عليه الأحداث من دلالات، علامة دالة على رحلة عذاب دائرية يقوم بها المثقف العراقي بكل ما يرافق هذه الرحلة من تهميش وقهر وغدر، وبقدر ما يمثل القتل، كإطار للجريمة أو كمدخل للقاتل للهروب من ذكريات الماضي القريب ولإشكاليات العلاقة بين المثقف والسلطة من جهة، وبين ثقافة الصوت الواحد وتلك المتحررة من جهة أخرى، وإذا بثقافتين متشابهتين تسيطران على فضاء المثقف الحر: هما ثقافة الماضي وثقافة الحاضر المتلفعة برداء الماضي، فتعاقبتا في سياق حركة دائرية تشير إلى استحالة التخلص من الإرث الثقافي المأساوي الذي تجسده تلك العلاقة .

هذه العلاقة الدائرية هي التي تحكم عالم أو واقع الثقافة اليوم، بمعنى آخر ارتبط هذا الدوران برؤية مثقف مختلف يحاول فهم الواقع تاركاً للقارئ حرية اكتشاف الدلائل انطلاقاً من قناعته بأن هذا الواقع ليس معطى مباشراً ولا يمكن أن يكون كذلك، لذا كان من المستحيل أن يجري إضفاء سمات أسطورية على شخصيات ثقافية، لأنها لا تمثل هذا الواقع بالذات .. أي الواقع العصي على فهم مبسّط وسطحي .

المثقف المغاير دفع وسيدفع ثمن مواقفه الإنسانية الفكرية الواضحة، وسيخرج من الحياة بتوقيعه تعهداً بعدم ترك الكلمة الصادقة الأمر الذي يتطابق مع قناعاته، فعاش، وهو حر طليق، وسيموت كذلك .