الصفحة الرئيسية

كلمة كتابات

الكتابات المنشورة  تعبر عن رأي اصحابها - الرقيب ضمير الكاتب

زوايـــــا

دراسات

 kitabat@kitabat.com <<<  webmaster@kitabat.com

الارشيف

كتب

27  آب  2008

ابحث في كتابات

 

أبو عراق بانتومايم

 

كتابات - د.رياض الأسدي

 

كان عنوان مسرحية عراقية قديمة لم يمثل فيها يوسف العاني ولا إبراهيم جلال ولا محمد وهيب ولا سليمة خضير ولا (كارين)؛ وليس فيها إلا ممثل واحد كبير يدعى (أبو عراق السكوتي) الذي فقد ولده عراق في واحدة من الحروب الرعناء الكبيرة والكثيرة التي خضناها بلا مبررات معقولة فبقي يندب حظه العاثر على ضياع تموز كلما فكر بالمسرح والمسرحيين، وربما تكون تلك المسرحية المزعومة من نوع (البانتومايم) قبل أن يتطور المسرح العراقي ثم يتحول إلى الهاوية أخيرا: طور المسرح التجاري. وهي كلّ ما تبقى لأبي عراق فقد كانت تجربة لشبان قضوا في الحروب ولم يتبق منهم إلا السيد أبو عراق السكوتي: صاحب ألذع عبارة يكررها بعد أن فشل في عرض (خلوها سكته) منذ عام 1958 وحتى يومنا المسكوت عنه هذا!

ربما يكون العراقيون منذ الاحتلال المغولي لبغداد عام 1258 وما أعقبه من احتلالات فارسية تركية وتركية فارسية بالتناوب وانكليزية ثم أميركية أخيرا- وما سيأتي أدهى وأمرّ- هم من أكثر شعوب منطقة الشرق الأوسط تقديسا (للسكته!) حيث يكون السكوت علامة الرضا القسري. لذلك تجد الشعب العراقي يميل إلى الشعر بكل ألوانه والأدب بكل أنواعه والفن بكل أشكاله والغناء بكل أطواره من اجل هذه السيدة السكتة وحدها للتعبير عن الحزن الطاغي والملازم له منذ عهد جدنا (اوركاجينا) كظل دائم للشخصية العراقية؛ هذا ما تظهره بوضوح أغاني النواح العراقية الطويلة من اجل الحفاظ على السيدة الرقبة فقط. وما أدراك بطرق الحفاظ على الرقبة حيث كان وما يزال العراقيون من أكثر شعوب الأرض خبرة في ذلك.

فالعراقيون يعبرون عن ذواتهم الغارقة بالأسى بتلك الطريقة وذلك الشجن المتواصل العميق المتمظهر بالبكاء السريع: دمعته على خده حتى في الفرح: تجد ذلك في الهور بين أعواد القصب أو وسط الصحراء حيث تتناثر أقبية البدو أو في بيوت الطين وسط المدن الخربة: هذا شأن جميع الشعوب المكبوتة والمقموعة والمسكونة بالخوف والرهبة.

والبغداديون لا يستعملون كلمة (السكتة) كثيرا، هذا ما يفعله أهل الجنوب عادة فيستعملون بدلا عنها كلمة "صنطه" وهي تصحيف أو تحريف أو تخفيف للإنصات، لذلك يقولون دائما حينما تصبح الأمور حرجة" خلوها صنطة!" والحال واحدة أيضا وإن تغيرت المفردات وتعددت الصنطات. وهم يخافون من الرجل (ألسكوتي) كثيرا ويعدونه خبيثا ما عدا السيد أبو عراق حيث كانت (سكوتيته) مفروضة عليه. وهو القائل: أنا أتعلم السكوت منذ ستة ألاف عام لكني لم أتعلم كيفية التعبير عنه! يمكننا أن نسأل في تلك (المتفلسفات) احد علماء الاجتماع العراقيين القلة- ولمن حتى هؤلاء لم يعد لهم حضور أبدا منذ رحيل العلامة الدكتور علي الوردي.

وبين السكتة والصنطه ضاعت حياتك الطويلة الممتدة ستة ألاف عام يا (أبا عراق) فقد دخلت عصر (اللادولة واللاحولة واللاقوة واللاقدرة واللامستقبل واللاشيء) وخلوها (سكنه) كما تود في هذه الأيام أن (تتقندل) بعد أن خطّ الشيب مفرقيك. وسكنه هذي محاولتك الأولى للمضاجعه.. تذكر (سكينه بحوال) وكلّ ما بقي لديك أيها المسرحي البانتومايم العتيق الذي لم يقدم مسرحية واحدة في حياته: هو أن تدخل عصر (اللانخوة) التي جبلت عليها لتتحول إلى هشيم أسود تذروه الريح فتمحى عن خارطة العالم وتستبدل بقوم آخرين يحبون الكلام ويحبهم ويعملون بالإرادة الجماعية وتعمل بهم ولا يكتب بعضهم على بعض تقارير سود في كلّ العصور الكالحة؟

يا أبا عراق أصبحت حدودك مفتوحة ومعاملك معطلة ومزارعك خاوية وما بقي من معامل بدائية منها يراد له أن تغلق حفاظا على البيئة!! – عبالك حقيقة لدينا بيئة نظيفة!!- فالأمر لا يخلو من رغبة (البعض) و( البعيض) في توريد المنتج الأجنبي بعد أن أصبحت المنتجات العراقية لا تنافس أحدا بسبب تكاليف العم الملعون (الكاز) و(الخالة) المقطوعة الكهرباء و...المشغل لمولدات الكهرباء وارتفاع أسعاره.. وخلوها سكته.. وأما أبناؤك يا أبا عراق فهم عاطلون عن العمل دائما يذرعون الشوارع كلّ يوم بحثا عن عمل - أي عمل يسد غائلة الجوع ولسان الزوجة ودمعة الأب الكسيح والأم التي فقدت أثناء واحدة من الزيارات المليونية بعبوة.. أما خريجوك فيذهبون زرافات ووحدانا لطلب (اللجؤ الإنساني) بعد أن ضاقت بهم أرض العراق بما وسعت في هذه الدولة الأوربية أو تلك فيطردون أو يقبلون يركلون او يأتون أذلاء: سواء يا أبا عراق ومثلك القديم من عاف داره قلّ مقداره..

أشششششش وعلماؤك يا أيها الممثل الصامت أضحوا قتلا وتشريدا وتنكيلا.. لم تبق الدار إلا لمطيره وطارت به فرد طيره!! و(مطيره) هذه يا أبا عراق غير (سكنه) طبعا! تعرفها جيدا كانت راقصة ملهى قديمة (الفارابي) وكانت تبيع جسدها بربع دينار أيام زمان، ثم عملت وكيلة امن ومخابرات و.. و.. و.. وخليها سكته! وما زالت تمارس دعارتها الأمنية بطريقة مختلفة، الآن، أيضا رغم عمرها الطويل، وكما تعلن أنت أنها عدوتك اللدودة و(تابعتك) اللئيمة ومخرستك العظيمة، فما أن تراها حتى تصاب بالتخشب ويصبح لسانك شفرة حادة لا تلوت ولا تتحرك.. وكيف يتحرك لسانك وأنت تتوقع بامتلائه دما: أشششششششش!!!

حيل بيك أبو عراق لأنك أطلت (السكته والصنطه وأششش وأصصص!) أكثر مما يجب.. وها أنت تتلفع بعباءة جدتك الصوف السوداء الخشنة المتهرئة المحاكة يدويا كلما هبت ريح سوداء، ادفع يا أبا عراق ثمن (خلوها سكته) او خلوها صنطه وأششششششششششش! لا تولول ولا تهول ولا تتطير فأنت تتحمل (القسط الأكبر) مما جرى لك .. وما سيجري ألعن وأكثر وحشية لو كنت تعلم.. و(أني شبديه!؟) عبارتك اللازمة الدائمة كمذ ان نزلت اول معتقل في سجن العشار عام 1959. لعنة الله عليك يا أبا عراق!! لعد أبق (صنطاوي) إلى الأبد وكذلك ولدك الثاني أنكيدو وأبنتك رافدين والأخرى فرات وحفيدتك عشتار: كلهم دعهم يخرجون من جلدك أو من معطفك الغوغلي سكوتيون أصليون: حط ونخله وفسفوره.      

بيد أن المثل الدائم في طلب الزيجات" السكوت علامة الرضا" لا ينطبق على الشعوب بأية حال من الأحوال. فالسكوت يعني أن ثمة رجالا جاهزين للعمل في أية لحظة للقيام بواجباتهم (التسكيتيه): بنايات مدججة بأعتى أدوات الموت والتعذيب والتغييب والتذويب لاستمرار الصمت العام، وهي تكون جاهزة لأولئك المتكلمين من حملة ألسنة المعارضة المعلقة على صدورهم كأنواط متدلية دائما بسبب عدم القبول بالوهن والخور والضعف والذلة.

وعلى الرغم من إن الشعوب الحية استطاعت أن تكسب لنفسها مكانة سواء بالثورات الحمر أو البرتقالية أو الصفراء القادمة! إلا أنها لم تصبح إلى حدّ بعيد مثالا للتحرر قياسا إلى شعوب ال(خلوها سكته القلبية) التي يمكن أن تفقد نفسها بعد ذلك ولن تعود شعوبا على خارطة العالم لأن السكتة أسكتتها إلى الأبد.

ولمن يسأل عن نمط تلك الثورات (الصفر القادمة) التي ستحطم الصمت إلى الأبد؛ عليه أن يقرأ مؤشرات الاقتصاد العالمي الجديدة ومستوى فجوة التكنولوجيا وعصر الاتصالات والعصف المالي بدول جنوب الكرة الأرضية الفقيرة ويقظة شعوب أميركا اللاتينية، وما يمكن للبشرية أن تدخله في أعتاب تحولات مفاجئة كبرى قد تكون من السرعة بمكان مما يتيح للعالم فرصة جديدة في التحرر بقوة من سيطرة عسكرة الرأسمال العالمية الجديدة التي تريد للعالم كلّه أن يكون مستعمرة دائمة يتبع مركزها حيث تدار السياسات ويجري العبث بقوت الناس وحياتهم من اجل حفنة من الأسر التي تمتلك الشركات الكبرى التي يراد لها أن تكون: دولنا القادمة أيضا! وهذه (الحقائق) الجديدة هي التي تصيّر الحروب وتذكي نزعات الإرهاب وتفقر البلدان وتهجر الشعوب وتقسم العالم إلى قسمين في النهاية: من يستحقون البقاء، ومن لا يستحقون، ومن عليهم مغادرة الكرة الأرضية إلى جوفها طبعا.

وإذا كان الكلام - أي كلام - في أي شأن عام ليس من فضة - كما هو المثل الدارج - حيث يدفع ثمنه باهظا جدا" فالسكوت من ذهب"! وهو الأولى وهو الدائم.. أليس كذلك يا أبا عراق بانتومايم؟ هكذا تصبح الامثال مدرسة سياسية للتدرب على مواجهة مجمل الأحداث التي تعصف بالبلدان المنكوبة بالسكوت. ويقول لك احد أعضاء فرقتك البانتومايم التي أسستها عام 1958أصبح المثل هكذا: إذا كان الكلام كسر عظم فإن السكوت أهراق دم.