الصفحة الرئيسية

كلمة كتابات

الكتابات المنشورة  تعبر عن رأي اصحابها - الرقيب ضمير الكاتب

زوايـــــا

دراسات

 kitabat@kitabat.com <<<  webmaster@kitabat.com

الارشيف

كتب

27  آب  2008

ابحث في كتابات

 

إلى من نلجأ

 

كتابات - سهيل سامي نادر

 

لماذا اغتالوا هذه الحمامة ؟ كل من عرفه حقا شبّهه بحمامة . لكن ما الذي تفعله حمامة في ارض يتجادل فيها الناس بالمسدسات ؟ ما الذي يفعله مهذب في ارض الكذب والنفاق هذه ؟ ما الذي جعله يعمل في وزارة كان أدعياء الثقافة يقودونها من يوم ولدت ؟

كنا نتجادل دائما بشأن عمله . كنت انصحه ان يغادر . فما الذي يفعله مثقف متعدد المواهب في هذا الركن الغبي الذي استولت عليه المحاصصات الغبية وبات دكانا للمتحاصصين وتجار الدجاج والسجاد والاسلحة ؟

لسبب لا افهمه بدا عليه انه قدم وعدا . انني اتفهم : العمل في الجرائد الصفر ! حذلقة لينينية قديمة انقضى زمانها وولى .

 

هل هذا يشبه ذاك؟ العمر انقضى بالقصور الذاتي . هذه اللعبة لم تنجح دائما ، فهي متصلة بحالة غامضة يتوصل لها الحدس السياسي ويعاملها كرهان. هنا في العراق لا ينجح غير المنتحرين بالانتحار ، لا ينجح غير المتزلفين والمرضى النفسيين والسياسيين الذين يضعون (البازبند) ، والمتظاهرين بالفكر ، وقردة السلطة وشعرائها ، والخونة ، والعملاء ، والجهلة الذين لا يجيدون غير ضرب الناس واغتيالهم ، ورافعي الشعارات والهتافين ، والقوميين الذين يتكرمون بأراضي الامة للاعداء ، والمجاهدين الذين يذبحون الفقراء ويقبضون ثمن جهادهم. أما كنت تعرف هذا أيها الصديق العزيز وأنت الذكي اللبيب؟

كنت تحب ان تجادل الرجال الاحرار . تصمت اذا ما كنت مع جهلة . ابدا لا تجلس مع الحمقى والاقوياء واصحاب العضلات والمسدسات والرشاشات ، بلا حقد ، بلا تعصب ، بلا عروض ارادة ، بلا صخب ، خجول خجل عذراء ، خجول من اي طموح ظاهر ، وبالطبع كنت تخجل من طموحات الاخرين الغريبة . فلماذا لم تفهم انك الشخص النموذجي لكاتم الاصوات والانفاس؟

هل اغتيل لأنه شيوعي ؟ كنت صديقه ، ولم اعرف إن كان شيوعيا حقا . وما كان يعنيني لكي يكون صديقي وعزيزي لو كان بعثيا او قوميا او اسلاميا . ما تعني هذه الكلمات ازاء روح جميلة وأخلاق كريمة ؟ وما يعني أن يكون المرء شيوعيا في هذا الزمان؟ هو يعرف إن هذا لم يعد يعني الكثير . لم يكن يجادلني عندما كنت اهاجم السياسة الشيوعية ، والاخطاء التي ما زالت ماكثة بسبب قصور ذاتي مخيف . كان يهز رأسه كما لو انه يقول : نعم .. نعم .. هذا صحيح . لكن ! واحتج أنا على هذه (اللكن) التي لا تقول شيئا فيوافقني . كان دائما يمتلك فكرتين في آن : فكرته هو التي تكاد تشبه اقتراحا من الاقتراحات ، وفكرة خصمه التي يجب ان يعيد انتاجها في خبرته وحياته . كنت أحب هذا منه . وكان هو من يذكرني بالمفكر الفرنسي بول ريكور وكتابه اليوتوبيا والاديولوجيا ، حيث يؤسس ريكور من قراءات متعددة رأيه التركيبي ، من دون مواجهات مضحكة ولا شتائم ولا العاب ذكاء . ونتحدث عن الكتاب ويذكرني وأذكره ، وننهي ما بيننا من جدل حين اقول له انه بات من جماعتي (الفينومينولوجيون ) . يضحك وأضحك وينتهي كل شيء .

من اغتاله عرف هذه القوة التي يمتلكها . وحده من يمتلك هذه القوة يستحق صاحبها الموت في عراقنا هذا . هذه القوة التي لا يمتلكها السياسيون العراقيون ، ولا الحزبيون، ولا اصحاب المبادئ القتلة الذين يعج بهم العراق. قوة نعم ، وأفضل انواع القوى . القوة التي تشيع الدفء والاحساس بالجمال ، قوة الترفع على الصغائر ، قوة الاخلاق ، المسامحة ، الكرم ، الشرف ، الحب ، الوطنية العراقية الحقة ، الثقافة المتعددة المفتوحة ، الموهبة.

من نخاطب بأخذ حق هذا الدم المهدور ؟ الى من نلجأ ؟ المثقفون بلا ميليشيات ، ولا اخوان في الشرطة ، ولا أحباب في الحكومة ، ولا اصدقاء في جيش الاحتلال .. ولا اقرباء في الغرب ، ولا خلان في الشرق . اللعنة !