الصفحة الرئيسية

كلمة كتابات

الكتابات المنشورة  تعبر عن رأي اصحابها - الرقيب ضمير الكاتب

زوايـــــا

دراسات

 kitabat@kitabat.com <<<  webmaster@kitabat.com

الارشيف

كتب

26  آب  2008

ابحث في كتابات

 

وهج الشعر : قراءة في مجموعة أرخبيل الحدائق للشاعر كريم ناصر

 

كتابات - هادي الحسيني

 

أتابع منذ سنوات المنفى التي تجاوزت العقد من الزمان بحرص شديد ما ينشره الشاعر العراقي كريم ناصر من قصائد ونصوص في بعض المواقع الثقافية، وكلّما قرأت له قصيدة بين حين وآخر، أجده قد قدّم نصاً جديداً لا يشبه سابقه. وتمتاز لغة كريم ناصر داخل القصيدة بعذوبة خاصة وخلوها من الشوائب والجمل المتعددة التي تجمّد النص بطريقة أو بأخرى، كما نجد في نصوص كثيرة انجماد القصيدة واسترسالها البارد الذي يجعل من القارئ أن يدخل في دوامة الغثيان إذا جاز التعبير، فقصيدة كريم تحيلني في أحايين كثيرة إلى انتقاء الجمل ذات الطابع المنشط لذهن الإنسان حين يقرأ مثل هكذا نصوص.. لغة متزنة، جملة مكثفة، استرسال خال من المطبات والوقفات التي ما برحت لتقسم القصيدة إلى شطرين وتشتت المتتبع.

ما أشاهده في قصيدة كريم ناصر، هو صفاء في الشعر، وهذا الصفاء نابع من إحساس الشاعر وإخلاصه غير المتناهي للشعر أولاً.. إنه فحوى الأشياء واندماج بعضها في مخاض القصيدة التي يكتبها الشاعر بصدق مع روحه، الأمر الذي ينتج عنه هذا الجمال الشعري..

وكريم ناصر المولود في مدينة الكوت العراقية، عاش المنفى ويعيشه منذ ربع قرن من الزمان، رسم مساره الشعري بهدوء تام وبعيداً عن الأضواء وبعيداً عن التسابق في أولويات الشعر واكتشافاته، كما يتصارع فيها بعض الشعراء، وكأنهم في حلبة صراع الثيران الاسبانية!، وهو شاعر لا يتحدث عن بطولاته هنا وهناك كما يفعل بعض الكتاب ، يكتب القصيدة ويمضي إلى عوالمه التي يتمعن بها ليؤسس لقصدية جديدة.

نحن إزاء شاعر من طراز خاص في سلوكه الشعري النادر في زحمة عدد الشعراء الذين يكثرون  هذه الأيام من نشر نتاجاتهم وطبعها بطريقة فريدة وغير مسبوقة..

لقد نشر الشاعر كريم ناصر في دمشق عام 1988 مجموعة شعرية بعنوان (بين حدود النفي) ثم انتظر سنواتٍ طوالاً لينشر مجموعته الشعرية الثانية (برادة الحديد) في العاصمة عمّان، وقد حققت (برادة الحديد) حضوراً شعرياً لافتاً للنظر وبخاصة ما تناوله النقد العربي لهذه المجموعة التي صدرت في العام 2000.

 

وها هو كريم ناصر ينتظر ستة أعوام ليصدر مجموعته الشعرية الثالثة والتي هي بعنوان (أرخبيل الحدائق) عن دار أزمنة  2006، ليؤرخ لمرحلة شعرية جديدة، وإن كان الشاعر مقلاً في نشره لمجاميعه إلاّ أنه يتعمد ذلك، لحكمة الشاعر في تناوله للأشياء وطرحها في المواعيد التي يحددها هو، ولديه العديد من المخطوطات الجاهزة تماماً للنشر، لكنها مشاريع مؤجلة سوف يأتي يوم نشرها حين يقرر الشاعر ذلك، فثمّة العديد من الشعراء نشروا العشرات من المجاميع الشعرية، وفي دور نشر راقية إلاّ أنهم لم يحققوا ما حققه الشاعر كريم ناصر في مجموعته (برادة الحديد) أو ما حققه الشاعر السبعيني (سلام كاظم) في مجموعته اليتيمة (دخان المنزل) والتي صدرت عام 1980 في بغداد وتوارى عن النشر لأسباب خاصة، وأمثلة كثيرة في هذا الصدد.

تتألف مجموعة (أرخبيل الحدائق) من أربعة أبواب، وفي كل باب من هذه الأبواب نجد مجموعة من القصائد. فالباب الأول المعنون: (فكما تعرف أنك صرت مطالباً مراراً) يحوي أربع قصائد متداخلة في بناءها الشعري الرامز للعنوان الذي ما بين القوسين والقصائد هي: شمس الشموس، ومحنة الحمام، والقمر البري، والستائر الزهرية..

ففي قصيدة شمس الشموس ص11 يقول كريم ناصر:

تعال انظر

كلّما زاد صراخ الأطفال، انكسر زجاج نوافذنا

وغرزت الصواعق صنانيرها في ظهر الشجرة.

يا شمس الشموس

متى نلحق بالفرسان؟

اللعنة أن الفردوس ليس لنا.

وفي قصيدة محنة الحمام ص13 يقول ناصر:

لهذا

سأعبر الطريق المعقود بالحجارة، لأعدّ محاسنك

كيف لا تعرف ذلك؟

تعال معي انظر

كلّما بصقت العواصف على المدينة فجراً،

هجع الوشق على سجادة أنيقة.

نرى هنا خلال قراءتنا لمقاطع القصيدتين أنّ الشاعر منكسر لما تعانيه البلاد من دمار وحروب وويلات، ومدن البلاد التي بدأت تتناثر وتبتعد الواحدة عن الأخرى بسبب الطائفية وعنفها الذي يزداد يوماً بعد آخر، المدينة التي كان يراها الشاعر في طفولته وصباه والتي عاد إليها بعد سقوط النظام عام 2003 ليجتمع بأهله وأحبته بعد غياب طويل، لم تعد تلك المدينة التي كانت في ذاكرته، فقد وجدها خالية تماماً من أبسط مستلزمات الحياة وخدماتها التي تلاشت واضمحلّت، لذلك لم ير حياة أو عيشاَ هنياً لكل إنسان يسكن هذه المدينة أو تلك، الأمر الذي انعكس على الشاعر وجعل ترميزه العالي داخل النصوص يتضح في أحايين، فمن جملة أو كلمة يستطيع القارئ أن يعرف ما قصده الشاعر كريم ناصر، ولكن في جمل أخرى والتي تتعالى فيها الرمزية يصعب التكهن لما يأتي بعد، إلاّ إذا أعطينا بعض الافتراضات التي قد يكون الشاعر يقصدها..

وتصاحب كلّ قصيدة من مجموعة أرخبيل الحدائق غزارة في الألم واللوعة واليأس من الحياة، بسبب معاناة الإنسان العراقي الذي كان يرزح وظل وما زال تحت سوط الجلاد، وحقارات الحروب والدمار وصولا إلى المآسي الكبرى التي عصفت بالعراق بعد سقوط النظام العراقي، وما نشاهده بالمشهد اليومي للوطن من قتل وخراب قد لخصه الشاعر بطريقة فنية عالية داخل كلّ نص من النصوص في    (أرخبيل الحدائق) وينطبق هذا على قصائد القمر البريّ، والستائر الزهرية..

أمّا الباب الثاني والذي جاء تحت عنوان (أرأيت؟ بهذه البلطة ذبحت الوردة). فهذا الباب اشتمل أيضاً على أربع قصائد جاءت على التوالي، الحدأة تقطع أصابع الضيف، وما بقي من الإبريز، والعنقاء لا ترى سوى بصيص، ووردة المنفى..

وفي قصيدة الحدأة تقطع أصابع الضيف يقول الشاعر:

قل: يا نخل ألم يجرفك دم القتلى؟

في كلّ حرب ترثي تلال فجرك، مسافراً في ثمالة الجثث

تباً لك

هذه الطفلة تتلوى مصفرة كليمونة،

مجرّد أن تخرّ الدماء.

لماذا جردوك من المناهضة،

واستعصى عليك أن تقشّر جلد التمساح؟

وفي مقطع من قصيدة ما بقي من الإبريز ص 30 يقول ناصر:

كلّما تهدّم الجسر في الحرب

ابتسم من شدة الألم

رأساً على عقب انفلقت الطائرات

كرتل حلت عليه اللعنة.

يؤسّس الشاعر كريم ناصر في هذه القصائد ويؤرخ لتاريخ الألم العراقي، ألم الإنسان وألم النخلة، وألم الجسر، وألم الأنهار والأشجار، وحتى ألم السماء التي هي بالتالي أيضاً تعاني من دخان الحروب المستمر والذي لم يتوقف يوماً من الأيام في بلاد الرافدين.

 الشاعر مفجوع بما يحصل من دمار وخراب في وطنه، ولهذا نجد آثار الدهشة في جملته الشعرية التي أخذت تبلور المأساة بطريقة أقرب ما تكون لتراجيديا الحزن المعشّش داخل كلّ النفوس لما أصابها من ويلات ودمار..

ونطالع في الباب الثالث لمجموعة (أرخبيل الحدائق) والذي عنوانه هو (الجذاذات تتناثر في طريقنا) يتضمّن هذا الباب ثلاث عشرة قصيدة هي: الصواعق تحرق قلوب الفتيان، وحدائق الكرم، وضيف المرآة، وورد البنفسج، وإليك أصغي، والحدأة، ويد الأميرة، ومغزى، وثعابين الماء، والافتراس، والفتن النارية، والقناديل، وليس الوهاد ما نخشى.

وفي تلك القصائد التي يتضمّنها الباب الثالث يحاول الشاعر استعمال الرمزية العالية بوصف الأشياء والمسميات، وباختلاف واضح عن القصائد التي احتواها الباب الأول والثاني..

فرمزية الأشياء باتت تأخذ طابعاً مختلفاً عما جاء في قصائد الأبواب التي سبقت، لكنّ المقصود والمضمون واحد تماماً، وهنا تتضح المهارة لدى الشاعر في اللعب على اللغة، حيث إن الشاعر هنا هو الذي يتحكم باللغة كيفما شاء، ليتخذ من قصيدته بوابة تطل على مساحات واسعة، ومتناولاً الفجيعة والألم بطريقة تختلف الواحدة عن الأخرى، كما وأنّ حَبكْ الجملة الشعرية وترابطها القوي أصبح يسيّر قصائد المجموعة في تدفقها الشعري الوهاج، فما أن يصطدم القارئ بجملة تتطاير منها رائحة الشعر وشذراته اللاهبة، حتى ينتقل إلى جملة أخرى هي أشدّ  تماسكاً ومعنىً من التي سبقتها، وبهذا يكون على القارئ لزاماً إكمال النص المشتعل بالشعر..

ونرى ما ورد أعلاه واضحاً في قصيدة ضيف المرآة ص48

حينما يقطع النسر العجوز غصن الملوكية

وتنشق الكوات في الداخل (بمنتهى اليسر)

يهبط الظلام قاطعاً الطريق على الشمس

لم يكن أمام الحمائم الخيار سوى أن تمضي

تمضي في قنوات مهجورة

لكنها ستقرع البيبان بجلال ضوئها المنير.

وكما في قصيدة (ورد البنفسج) ص52 يقول الشاعر:

على أرخبيل الحدائق، أمام مرعى البقر

فقدَ الطالب رزمة الكتب

حيث هرع غاضبا إلى الأفق الشاسع

قلقاً كعصفور هلعاً كأيّل..

وفي الباب الأخير للمجموعة الذي حمل عنوان (نخاريب النحل) فقد احتوى على ثماني قصائد هي: زهرة العمر، تعال لنغرس شجرة، سأغسل وجه البلبل بالزيت والعسل، قمر الفرسان، كتاب الشمس، المحنة الأخيرة، عنادل الضوء، وكم الخبرية وهي آخر قصائد المجموعة والتي يقول الشاعر في أحد مقاطعها في ص 101:

كم أغارت الطائرات الحربية

على القرية التي لا تحتاج إلى الموتى

كلما هربت الطفلة إلى الفلوات

انسكبت في البئر قطرات وردية..

لقد جاءت قصائد مجموعة (أرخبيل الحدائق) محتفية بشكل واضح بالموت والخراب والحروب في وقت يعاني وطن الشاعر من أزمات كبيرة على الصعد كافة، وهذه المجموعة إذ تؤرخ لتلك المرحلة التي هي من أصعب وأشدّ المراحل على وطن الشاعر الذي يعيش المنفى منذ سنوات طوال، فهو يحمل وطنه بين قصائده ونصوصه المكتظة بالألم واللوعة والحسرة على كلّ شيء جميل قد دمّر في تلك البلاد التي ترزح تحت الخراب منذ أمد بعيد، وقد كان الشاعر كريم ناصر موفقاً بأرخبيل الحدائق التي أثبتت حضورها الإبداعي في الساحة الشعرية العربية لِما فيها من إبداع شعري وإضاءات قلّما نجدها في إصدارات الشعراء الكثيرة، (أرخبيل الحدائق) يمكن القول عنها أنها  توهجات الشعر.

وهكذا يكون الحضور الإبداعي للشاعر في الساحة الشعرية المكتظة بالشعراء والمتلاطمة في كثرة نصوصها التي تنشر في دور النشر، ومواقع الانترنيت، وفي الصحافة المطبوعة والمجلات وغيرها..

أن تكتب نصاً تتلألأ فيه الجمل الشعرية داخل القصيدة لتحيله إلى نصٍّ مكتمل بأدواته اللغوية، وحرفته التي يبدو فيها الشاعر حين كتابة نصه مثل النحات الذي ينحت في الحجر حتى يخرج منه شكلا فنياً.

* أرخبيل الحدائق صدرت عن دار أزمنة بعمّان ب 105  صفحة ، وبغلاف أنيق جدا وهو من القطع المتوسط ، وصمم لوحة  غلاف المجموعة الفنان الايطالي : Giuseppe Zigaina  ..