|
|
الكتابات المنشورة تعبر عن رأي اصحابها - الرقيب ضمير الكاتب |
||
|
25 آب 2008 |
|
في وداع الشهيد كامل شياع : عندما تنتصر الكلمة على كاتم الصوت
كتابات - د.طاهر علوان
ترى من اين تراني ابدأ وكيف ابدأ ؟ واية كلمات يمكن لها ان توازي ماكان ؟
يدوي خبر الموت هكذا في العراق الجريح في اية لحظة واي زمن ، ارض جبلت على هذا الحداء اليومي للثكالى ، سيمفونية لاحد لها ولا عدد لعازفيها ولا حد ولا عدد لشياطين الأنس الذين يتناسلون حاصدين الجمال والحياة وكل ماهو نبيل ومسالم وراق في عراقنا الجريح الحزين . يدوي خبر الموت ضاجا صاخبا ..لقد صرعوا كامل .. ومن مثله مستعد لكي يصرع فهو بلا حراس ولا حمايات يقابل القتلة والسفاحين بقميصه ولا يجاوره غير سائقه الشاب الذي يصارع الموت الآن هو الآخر .. هم بعدتهم وعتادهم ورصاصهم وشياطينهم واعوانهم ونيرانهم وعوائهم وآثامهم وخرابهم واسلحتهم الكاتمة والناطقة ...وانت حيث انت ، عائد للتو بسلام من شارع المتنبي ممارسا طقسك المعتاد حاملا كتبا ملونة واقلاما تسطر بها شيئا من الأمل في الغد ..لم تؤذ احدا ولم تنافس احدا ولم تعتد على حق احد ... لم انت هكذا ؟؟ لم يسمع منك احد صراخا ولا جعجعة ولا ادعاءا ولا غرورا ولا تعاليا ؟ لم تعاقب عليك الوزراء الساسة في اروقة الثقافة وانت كما انت ..كنت تعمل بصمت ومحبة ...وتتطلع عبر نافذتك ..ترنو للعراق وهو ينهض مكابرا رغم جراحاته وترى نهوضه البطيء في وعيك ولا وعيك .. في عهد وزير ..احد الوزراء ...وكان رجلا قادما من بطون الجاهلية حقا دون منازع ..وجدته قد رماك بعيدا في حجرة لايفصل مكتبك عن مكاتب موظفيك سوى حاجز خشبي هش ،تسمهم ويسمعونك وانت في حجرنك الضيقة غير المكيفة الا من مروحة كسلى .. كان الجو حارا في احد اصياف بغداد القائضة ... ووجدتك كما انت راض وسعيد واكوام الكتب تتكدس على طاولتك والبريد والمشاكل وانت كما انت ..ناولتني بضعة كتب من آخر اصدارات دار الشؤون الثقافية وكنت مشرفا عليها لمدة وجيزة وكنت فخورا بثمرات المطابع ..ورددت كلماتك : الكتاب يبقى والكلمة خالدة رغم كل شيء . عشت معك اياما وليال وبغداد ترعف وتنزف وضججيج الصراع يصم الآذان والقتل والفجيعة في كل مكان ..تهجير واختطاف ..وابادات جماعية وانتقامات وحشية بربرية بكل معنى الكلمة .. سواك يزداد تخمة وبدانة يتضخم وهو في مواقع الحكم ..وانت تزداد شحوبا مع محن العراق اليومية ..دون ان تفارقك ابتسامة الثقة بالغد.. كان حبك للعراق اكبر بكثير من ان يوصف .. كنت اسمعك بين الحين والآخر وانت تتغزل بمشاهد صغيرة من بغداد ، ازقة وشوارع محطمة ، مقاه مهجورة ، دور سينما ومسرح مقفلة وغيرها ، مشاهد شبعنا نحن منها ممن عشنا فصول المأساة وشاركنا كل حجارة الألم والظلم .. كنا في العديد من اللقاءات سواء في اروقة وزارة الثقافة او في أي نشاط ثقافي آخر نبحث عنك وعن تعليقاتك الهادئة ورنة صوتك العذبة ..فنجدها في اللحظة المناسبة .. هاانت ياكامل تصنع المشهد الذي طالما رسمه الرسامون وجسده الفنانون والأدباء وهو : الكلمة عندما تتحدى كاتم الصوت .. اجل ياكامل ...لقد كنت تجسيدا لكلمة حرة مضمخة بمحن العراق والامه ومكابدات ناسه الطيبين ، كنت تجسيدا لثقافة لن تندرس ووعي سيبقى حيا .. تمر بك جموع الجهلة والأميين والمرضى شتامين ولعانين ومتخرصين ويطعن بعضهم بعضا ويضرب بعضهم رقاب بعض وهو ديدن سواد كبير من ارباب الخصال الشيطانية والغارقين في التخلف وفيهم من هو متلبس بلبوس الثقافة ومن ارباب الكلام في هذا الزمن ..فما رف لك جفن ..فلا شاتمت ولا خاصمت ولا حقدت ..وماشكوت يوما الا شكوى صامتة .. هم لم يتركونك بسلام ..فلطالما اساؤا اليك في اروقة تلك الوزارة العجيبة ..الثقافة ..بتتابع من استوزر فيها ، فهي حقيبة من سقط متاع الحقائب يتقاذفها القوم ربما لأن ليس فيها مالا وفيرا ولا جاها ولا صولجانا ولاسطوة ... ربما لاادري .. فهي ليست سيادية مع ان لاسيادة لأمة بلا ثقافة ومثقفين ... لقد عاصرتك اياما طوالا تقاسمنا فيها الوجع اليومي المرير في ذروة الخراب والمذابح اليومية عامي 2005 و 2006 وكنت كما انت ماض في انسانيتك وصفائك ..حاملا احزان وطنك ..مع انك كنت على يقين دوما من ان الغد الجميل آت ..وستحتفي بعراق بلا اوجاع ولا احزان ولافواجع ولا مآس وهكذا مضيت .. كلمة ( صدمة ) كبيرة حقا ولكنها لاتتناسب مع فقدك ..فقد دارت الأرض بي لحظة قرأت الخبر النازلة وسمعته ..وصورتك مبتسما حييا تلاحقني ..لا ادري بمن اتصل ومن اعزي ومن ارثي ؟ فالأرض والأماكن ترثيك كلها ويعزي بعضها بعضا وكذلك بالطبع اصدقاؤك ومحبوك وكل من عرفك .. واسرتك ..ايضا ..تلك الأسرة الطيبة التي عدت اليها بعد سنوات مرة من الهجرة والشقاء .. يوما ما بعدما اشتقت لك كثيرا ..كنت في القاهرة واذا برجل لايشبهك ابدا في الظاهر ولكن تلك السحنة وذلك الهدوء وتلك الطيبة قاسم مشترك لاأكاد ان اخطؤه ..كان شقيقك فيصل قادما من لندن وتعارفنا سريعا وتجاذبنا اطراف الحديث وجئنا على سيرتك الطيبة ... واما كريم ابراهيم الفنان والأنسان النبيل ، صنوك وشقيق روحك فلا مرة التقيته في تلك البلاد الغائمة الا وتحادثنا عنك ..اسأله او يسألني ...وعندما اتصلت به بالأمس لم اجد مااخبره عنك لكنني وجدته قد سمع بالخبر الفاجعة حاملا احزانه مكفكفا الما طويلا عميقا بفقدك ياكامل ... واما الياس ..نجلك ..فلكم اتمنى ان اراه كي ارى صورتك وسيماءك فيه في الأقل ويكفيه فخرا انك ابوه .. ادري ان امانيك لم تكتمل واحلامك الكبرى لم تتحقق بعد ولا كل ازهارك اينعت في خمائل الوطن ..ولكن ..يكفيك فخرا وشرفا ياكامل انك رويت بدمك الطهور ارض وطنك ..يكفيك فخرا وشرفا انك عانقت بغداد التي عشقتها وسقطت على ترابها صريعا لتسقيها دمك وهو اغلى ماتملك ... يكفيك فخرا وشرفا انك..والله قد هزمتهم و قهرتهم ..وفزت عليهم ..هم جاؤوك بكاتم الصوت وانت جئتهم بالكلمة والكتاب والقلم ..وحب العراق ....وهل من شرف اعظم من ذلك ... الوداع ياكامل ..الوداع ياكامل ..الوداع ياكامل ... والحمد لله على قضاءه وقدره ..وانا لله وانا اليه راجعون ..
|