الصفحة الرئيسية

كلمة كتابات

الكتابات المنشورة  تعبر عن رأي اصحابها - الرقيب ضمير الكاتب

زوايـــــا

دراسات

 kitabat@kitabat.com <<<  webmaster@kitabat.com

الارشيف

كتب

25  آب  2008

ابحث في كتابات

 

كامل شياع : دماء المثقف المهدورة في التراب

 

كتابات - عبد الكريم كاظم

 

لا يحصل المثقف العراقي إلا على كف مخضّبة بالدم يطبعها على باب المجهول لتكون علامة فارقة، غير أن ثمة افتراقاً لهذه العلامة: كامل شياع العائد من المنفى يخطفه الوطن، والوطن المقيم في ووجدانه يخطفه الرعاع .. وما كان من هذا بدّ لمواصلة الموت .

كامل شياع مثقف عراقي اكتوت كفاه بالجمر الذي يقبض عليه منذ عقود النفي الأولى والقابضون على الجمر، بين المثقفين العراقيين، هم قلة يرفضون أن يكونوا أدوات تبرير وتمرير لمؤسسات الثقافة العراقية القائمة الآن تمسكاً بوعيهم ومعارفهم المتنوعة . إنسان حداثي، في الفكر والموقف، باحث متميز في ميدان الكتابة الفلسفية، شمولي النظرة، يتميز بدقته التأملية واتساع آفاقه المعرفية وبالعمق الإنساني . على أن هذا الباحث المتميز، كان مُقلاً جداً، مترفعاً ومتواضعاً إلى حد ظلم الذات، لهذا ربما لم يكن لاسمه ذلك الرنين ولا الضجيج، كان زاهداً وحاجباً نفسه في ظلال الحضور وربما بقصدٍ منه . وفي يقيني، أنه، عندما تُتاح للقراء قراءة متأنية لكتاباته "بعد أن تُجمع في كتاب" سيأخذ أسمه الحجم الذي يستحقه، والمكان الذي هو له .

صديق العمر .. سواء بالمدى الزمني أم بالعمق الروحي للعلاقة، فمنذ أوائل الثمانينات انعقدت صداقتنا في مدينة فلورنسا الايطالية في غرفة الفنان التشكيلي عبد الرحمن الجابري، ترافقنا على مدى هذه السنوات الطويلة عبر رسائله التي كان يكتبها من مدينة بسكرة الجزائرية، منفاه الأول وصولاً إلى مدينة لوفن البلجيكية، ورسائلي التي كنت أبعثها إليه بعد عودتي إلى بغداد وخروجي منها ثانية . وعلى مدى هذه السنوات الثلاثين، لا أتذكر أبداً أننا اختلفنا على الإطلاق أو انقطعنا عن المكاتبة، بالعكس كنا نتواصل إنسانياً وثقافياً وفكرياً . كان في علاقاته الثقافية ميالاً إلى الحسم وإلى نوع من الحكم الصارم ودائماً كان يرى إلى الجانب المستقبلي/التفاؤلي، الجانب المشرق والجوانب الإنسانية القابلة للحياة في الأشخاص والأفكار معاً . ولعل هذه الصفات بالذات، مع غيرها من صفات كامل شياع الإنسانية/الفكرية هي التي جعلت مختلف الأصدقاء الذين عرفوه يحترمون رأيه الصريح ويهابونه أيضاً .

أبرز ما في (ثقافة اليوم) جسدته طريقة الاغتيالات، فماذا تقول هذه الطريقة في مشروعها الإقصائي المتجدد؟ إنها تقول بالعودة بالثقافة إلى كهوف العصر الحجري وتنادي بالموت وبإنكار المواقف المغايرة وبغلق باب النقد الحقيقي والدعوة إلى طمر معالم الثقافة العراقية .

وبعد، لكي نخرج من هذا المشهد الثقافي الذي يبدو في ظاهره كاريكاتورياً تارة ومأساوياً تارة أخرى، والذي لا يعبر عن تقديرنا الفعلي للثقافة، نرى الصواب، في ما يتعلق بأولوية التطابق بين الماضي والحاضر أو الداخل والخارج، هو في ما يقوله المثقف المختلف في أكثر من مكان وزمان إذ ليس هناك ثقافة يمكن فرضها من الأحزاب والمؤسسات القذرة أو المحتل فرضاً، إذا لم تجد في الرؤية التحليلية أو البنية المعرفية ما يتيح استقبالها وتقبّلها بل واستنباتها وتوظيفها نقدياً، فسيادة الثقافة أو المثقف الحقيقي لا تستجيب للإحتياجات الأيديولوجية بل هي، في أغلب الأحيان، تُستنبت استنباتاً معرفياً خالصاً وحراً .

علينا أن نعترف بالأمر الواقع وإن كنّا ميالين إلى عدم الموافقة عليه، الإعتراف بأن سياسة الاغتيالات نجحت في إسكات البعض، وهذا كلام واقعي تماماً لأن أحد شروط قيام ثقافة الإقصاء هو الاغتيال، أو هو إزالة كل الحدود والقيود والأصوات التي يمكن أن تعرقل حركتها، لا سيما الأصوات التنويرية المضادة للاحتلال والتجهيل المنظم الذي تمارسه الأحزاب الدينية والميليشيات والمؤسسات الثقافية الرسمية المدعومة من هذا وذاك .

لا شك أن هذه الشروط مذلّة، بالمعنى الثقافي والأخلاقي للكلمة، إلا إنها شروط تفرضها، إضافة لثقافة الإقصاء، موازين الاحتلال والفوضى والغدر ولا يجدي نفعاً رجمها بالشتائم من بعيد، ولن تتغيّر إلا بتغيير الموازين التي أنتجتها .

الموقف من ثقافة اليوم أمر ينبغي إعادة النظر فيه، لأن الثقافة حاجة فردية ومجتمعية في آن واحد، ولأن استنباتها، في التصور النقدي المغاير، صيرورة معرفية وليست مهمة آنية شعبية يستعجل تنفيذها المستعجلون، فالفاعلية النقدية للكتابة في مواجهة الإقصاء تبدأ من النزعة الفردية الساعية إلى التغيير حتى وإن كان، أعني التغيير، محفوفاً بمخاطر الموت والانهيار والاغتيال .

خلاصة القول في هذه النقطة هي: كيف يكون المثقف العراقي جزءاً من الثقافة الناصعة؟ كيف تكون الثقافة جزءاً من المثقف التنويري؟ وكيف يختار المثقف صيغة جديدة للتغيير لا يحرم فيها من أن يكون جزءاً عضوياً من البنية المجتمعية الثقافية التي ينتمي إليها؟ هذا هو التحدي الثقافي المطروح علينا، حتى وإن تمادت سياسية الاغتيالات، لذلك كله آثرت ألا أخوض في التفصيلات وألا أقدم مقالاً مستفيضاً لسياسة الاغتيالات، وإنما أن أسترشد بروحية الراحل كامل شياع وما قاله ذات مرة: (علينا أن نستوعب المغزى الحقيقي للثقافة لنقدم قراءة نقدية للتصورات المعرفية التي ترى الثقافة بعين مجردة وتثبت أسسها الجوهرية) وما أكثر ما نصاب بالحسرة إزاء هؤلاء المثقفين الذين تجرفهم سياسة الاغتيالات .