الصفحة الرئيسية

كلمة كتابات

الكتابات المنشورة  تعبر عن رأي اصحابها - الرقيب ضمير الكاتب

زوايـــــا

دراسات

 kitabat@kitabat.com <<<  webmaster@kitabat.com

الارشيف

كتب

13  تموز  2008

ابحث في كتابات

 

عراق الغرباء - 14

غرباء الحدود

 

كتابات - د.علي التميمي

 

كل الشعوب تتحصن بدولها و بحكوماتها إلا الشعب العراقي فإنه الغريب الوحيد على كل حدود الدول وفي كل أقطار العالم لأن حكومته لم تكن

حاضرة معه في تلك الحدود .

و العقد الذي كتب على جواز السفر العراقي من قبل وزارة الخارجية العراقية لا تجد له أثرا في كل حدود العالم , فيبقى العراقي لقمة سائغة للمرتشين وللنصابين ولأصحاب المطامع وللنفوس المريضة .

فالعراقي غريب في الحدود الأردنية و الأردن هو البلد الوحيد المستفيد من الأسعار التفضيلية للنفط العراقي , وأكثر البلدان المستفيدة من ترانزيت التجارة و النقل الى العراق .

والأموال العراقية في الأردن بالمليارات و هي التي جعلت العقارات الأردنية تزدهر و الحركة السياحية في الأردن تزدهر بسبب وجود العراقيين لأن الشريحة الكبرى منهم هي من التجار و الاختصاصيين . وأصبحت غربة العراقي في الحدود الأردنية عارا جديدا يضاف للعراق و للحكومة العراقية .

والزيارات المتعاقبة للمسؤولين العراقيين هي الإدانة الكبرى للحكومة العراقية لأن أحدا منهم لم يغير شيئا من معاناة العراقي على الحدود الأردنية, والتأشيرة الجديدة التي فرضتها الحكومة الأردنية هي ضريبة جديدة للعراق المحاصر في الداخل و الخارج وهي مؤشر من مؤشرات ضعف الحكومة العراقية بشخص وزارتها الخارجية .

و العراقي غريب على الحدود السعودية و هذه الغربة أصبحت مزمنة و دائمية  وهي استهزاء بالشاعر العربي الذي قال :

 

بلاد العرب أوطاني               من  الشام    لبغدان

ومن نجد الى   يمن                الى مصر فططوان

 

وهي رد على الشاعر المتنبي الكبير الذي عشق أرض العرب فقال شعرا :

 

ولقد سألنا ونحن أدرى بنجد                     أطويل طريقنا أم يطول

وكثير من السؤال اشتياق                        وكثير من رده تقليل

 

ولقد صدق الشاعر المتنبي فنحن اليوم ينطبق علينا عجز البيت الشعري للمتنبي, فسؤالنا عن الأخوة والجيران هو تقليل من قيمتنا و ردهم يحمل هذا التقليل .

و العراقي غريب في الحدود السورية و عبر المعابر الثلاث بين البلدين يجد العراقي نفسه مهانا مفترسا من قبل المرتشين و السماسرة وما التأشيرة التي فرضت أخيرا ب50 دولارا إلا دليل على الضعف و الهوان الدبلوماسي الذي تتمتع به السلطة في العراق . و التي أعرضت عن شعبها فتركته فريسة للمرتشين و المرابين و النصابين ناسين أن الحكومة القوية هي التي تقف مع شعبها ومع مواطنه أينما حل و ارتحل .

عجيب هذه البدائية و المحدودية التي يتعامل بها العاملون في السلك الدبلوماسي و في أجهزة الدولة التنفيذية , فحتى النواب العراقيين بدأوا يهانون في مطارات الدول المجاورة فضلا عن الدول البعيدة .

ولقد اقترح الرئيس بشار الأسد على رئيس البرلمان العراقي الدكتور محمود المشهداني كما أخبرني بذلك شخصيا , حيث اقترح الرئيس السوري أن تقوم الحكومة العراقية بمؤازرة الحكومة السورية على تحمل أعباء المهاجرين العراقيين في سوريا بمبلغ نصف مليار دولار من الميزانية العراقية التي بلغت في بداية السنة 48 مليار دولار . وأضيفت لها 21 مليار دولار و أسموها بالتكميلية .

وعلى أثر ذلك الاقتراح قامت الحكومة العراقية بإرسال 8 ملايين دولار الى الحكومة السورية و 15 مليون دولار الى الحكومة الأردنية !

ولا ندري مصير تلك الأموال و لكننا ندري أن الحكومة السورية فرضت 50 دولارا على تأشيرة كل عراقي يدخل الحدود السورية ويبدو أن ذلك قد حصل بسبب العرض العراقي البائس .

و العراقيون في الحدود التركية غرباء تحاصرهم اللغة و يحاصرهم آثار الضعف الدبلوماسي لحكومة العراق , و العراقيون في الحدود الكويتية أشد غربة وكأن صفوان هي صحراء نيفادا  و  العبدلي هي نيوجرسي .

أما مطار الإمارات العربية المتحدة وقطر ومسقط و البحرين فالحال لا تختلف عن سابقاتها , وتبقى داهية الدواهي عندما يتوجه البغدادي أو الحلي أو الكربلائي أو البصري الى المحافظات الشمالية التي أسموها بإقليم كردستان .

فكأنك أمام أغرب العجائب التي لا يستحي منها أهل البرلمان ولا يفكر بها الجالسون في الرئاسة لأنهم لا يفكرون بهموم العراقي الإنسان ولا يدرون ماذا يجري في حدود أربيل و سيطرات السليمانية و دهوك , حيث شرطة البشمركة كأنهم قادمين من أوزبكستان أو الشيشان أو طاجاكستان .

فهم لا يعرفون اللغة العربية ويستنكرون الراية العراقية (العلم) و يشترطون الكفالة الكردية وكل ذلك يجري بتجهم واضح و عبوس فاضح و كلام جارح , وكل من يزور أربيل أو السليمانية يندم على زيارته ولا يفكر بالرجوع ثانية إلا عند الاضطرار .

هذه هي الفدرالية التي يريدونها غريبة الأطوار , فرئيس وزراء إقليم كوردستان يريد لنفسه خصوصية مثلما يأتي أي رئيس دولة . حدث هذا في زيارته لبغداد و تصريحاته ذات العناد التي أدخلت الألم في قلوب العباد , لم يرد عليها أحد من الساكنين في المنطقة الخضراء من أهل الضاد .

وعقود الشركات النفطية ضلت على ما عليه في طريقها ماضية وفي ملفاتها ذات الصفة الأمنية عالية السرية .

وزيارة رئيس اقليم كردستان الى الجماهيرية الليبية لم يطلع عليها أحد من أصحاب حكومة الوحدة الوطنية , وحزب العمال الكردستاني التركي هو الذي يتحرك في شمال العراق بحرية .

والجناسي قد وزعت في كركوك على العوائل الكردية القادمة من إيران و البلاد التركية ولا أحد يستطيع إثبات عكس هذه القضية .

هل هناك أقسى من هذه الغربة الحدودية , فإذا كانت تقع في الحدود الخارجية مسألة فيها نظر لمن يريد أن يدرس القضية و ينسى الحنكة الدبلوماسية و يكون أميا في الأبجدية السياسية و لكنه لا يستطيع أن يتحمل صناعة حدود داخلية في بلد التعددية و الفدرالية التي شوهتها الأحزاب الكردية ولا يفهم الديمقراطية التي شوهتها الأحزاب الطائفية من الذين جاؤوا بشعارات الفيالق العسكرية من أيام القدس المنسية و تحولوا الى منظمات سياسية ولكن قوائم رواتبهم كانت تأتي باللغة الكسروية ذات المطامح بالأراضي الفراتية .

هذه هي قصة الغربة المنسية في الحدود العراقية و المستجدة بالسيطرات الكردستانية التي تسكت عما يجري من قصف في جبل قنديل و تهجير للعوائل الكردية و تزمجر في وجه القادمين بالسيارات البغدادية وذات الأرقام الفراتية أو الجنوبية .

إنها محنة على الفهم عصية , فلا أهل الحكم يتدبرون القضية ولا أهل الإقليم يراعون الفدرالية ولا أصحاب الكراسي الجديدة و المكاتب الفخمة و الحواشي المزمجرة بالبنادق الأمريكية يرسمون صورة جديدة للديمقراطية .

فالزيارات و المناسبات الدينية هي صيد ثمين وصناعة للصنمية , و الغطاء سهل يسير من المرجعية التي لا تدري محنة العراق و العراقية في الحدود البرية ناهيك عن المطارات التي تسيطر عليها العسكرية الأمريكية .

غربة متداخلة من فوقها غربة و من تحتها غربة ومن أمامها غربة .

هذه هي غربة العراقيين الغرباء في بلد الموصل الحدباء و البصرة الفيحاء وبابل ذات الجنائن المعلقة وبغداد مدينة السلام , زرعوا في أحشائها طاعون الخصام و إرهاب الأنام .

والى اللقاء في حلقة قادمة .

 

Dr_tamimi5@yahoo.com