|
|
الكتابات المنشورة تعبر عن رأي اصحابها - الرقيب ضمير الكاتب |
||
|
13 تموز 2008 |
|
النساء في حياة الأدباء - 8 شاكر نوري : أمي صديقتي وزوجتي هندستْ حياتي
كتابات - وارد بدر السالم
* لن أسميكِ امرأة، سأسميك كل شيء ( محمود درويش )
* ليس في العالم وِسَادَةٌ أنعم من حضن الأم ( شكسبير )
* من روائع خلق الله قلب الأم ( أندريه غريتري )
على عكس الكثيرين الذين اغتربوا لسبب أو آخر وهاجروا الى الغرب ؛ ظل الصحفي والقاص والروائي ( شاكر نوري ) لصيقاً ببيئته وتراثه الشخصي ، وما كانت (باريس) غير محطة طويلة الأمد لبقائه بعيداً عن وطنه العراق ؛ وربما لم يعرف الكثيرون أن ( شاكر نوري ) ظل وريث عقدته الأمومية ، فالأم ظلت تشكل محوراً بارزاً في حياته الشخصية والروائية ، وكانت زياراته الى بغداد لا تتم إلا بمرافقة أمه ؛ لاسيما في المهرجانات الأدبية ، فصارت ( أم شاكر ) علامة فارقة بوجوده . وتعرف عليها أدباء عرب كثيرون وصاروا لا يميزون هذا الرجل إلا بوجود والدته معه .. عُرف شاكر نوري مراسلاً صحفياً لأكثر من صحيفة عربية كــ ( القدس العربي ) و ( البيان ) و ( الإتحاد ) كما أصدر عدداً من المجموعات القصصية وكتباً في أدب الرحلات عن المغرب وروايات ( نزوة الموتى ) و( نافذة العنكبوت ) و(كلاب جلجامش)
يقول شاكر نوري:
• علاقة الإبن بالأم علاقة معقدة ومتناقضة . كما علاقة الإبن بالأب ؛ لكن هذه العلاقة تنتهي عندما يقتل الإبن أباه ( والقتل هنا رمزي ) لينتهي (الإبن) من هذا الإرث الثقيل ليبدأ ( هو ) ..ولكن الإبن لا يستطيع أن يقتل أمه ، لأنه لا يستطيع ان يقتل حبل السرّة أبداً ؛ فهو الحلقة المتواصلة في الكينونة والصيرورة …وفي حالتي فإني إرتبطتُ بأمي بعلاقة حميمة جداً وجميلة جداً …وربما كان وراء ذلك عدة أسباب ؛ إذ كان والدي يعمل مقاولاً في الثكنات العسكرية في العهد الملكي وكان دائم الغياب عن البيت ودائم الترحال في المدن العراقية حسب ما يقتضيه عمله ، فلم أكن أرَ سوى أمي وجدتي ( أم أبي ) منذ طفولتي ..فكنتُ أسمع الأقاصيص العجيبة عن هذا الوالد الرحّال وعن حياته الخاصة لاسيما عن زيجاته في الزواج من ثلاث نساء ، آخرهن أمي وأولهنّ طلقها لأنها لم تكن عذراء !! لكنه تصرف معها بشهامة رجل ريفي وأبقاها معه شهراً حتى لا تُقتل . والثانية تزوجها في بغداد لكنها خانته ، فشعر بكراهية شديدة للمدينة وطلّقها مهاجراً الى جلولاء عام 1945 وهذه كانت منطقة ريفية عشائرية أسماها الخليفة المستوفي ( رباط جلولاء ) لأنها تربط بين بلاد فارس والعراق ..وهنا تزوج ( أمــي ) التي أنجبتني مع عدد من الأخوة ..
** ولكنك وأنت بعد الخمسين من العمر متعلق بها كإنك طفل!!
* هذا صحيح ..أمي تعذبت كثيراً في حياتها ..وأنا في السابعة من العمر غرق أخوها الذي كانت تأخذه الى النهر عندما كانت تغسل الملابس ؛ فجُنّ جنون جدي وفقد عقله وأُتهمت أمي بهذه الحادثة التي شكّلت لها عقدة ذنب كبيرة ؛ وأخذت تشعر بالإضطهاد سنوات طويلة من قبل الجميع لاسيما من زوجة أبيها..كما عاشت الألم الممض بفقدان ولدها ؛ أخي ؛ في الحرب العراقية الإيرانية الذي ما يزال مفقوداً …ولم أكن وقتها في جلولاء ، إنما كنت في باريس ؛ وكنت أشعر بعقدة ذنب إزاءها لأني لم أكن على تماس مباشر معها …أريد أن أخلص من هذا إن حبي لأمي مزدوج ؛ حب المرأة المضطهدة كل حياتها.. والتخلص من سلطة الأب حتى وإن كان رمزياً. وأنا أعرف إن السلطة الأبوية موجودة في المجتمعات كلها ؛ لكنها في الشرق تترجم بهيمنة وعنف ؛ بعكس الإبن في الغرب الذي ينفصل عن أسرته مبكراً بسبب دعائم معينة في مجتمعه تدعمه للإنفصال..
** كيف إحتملتَ غياب الأم المضطهدة سنوات طويلة في باريس ؟ وكيف كنت تنظر إليها ؟
• لم أرَ أمي منذ عام 1977 وحتى عام 1987 ..أعترف إني إفتقدتها كثيراً وأنا أعيش أجواء باريس الغريبة عليّ ؛ لكني كنت أشغل نفسي بالدراسة والعلاقات العابرة ، ومع سنوات الثمانينيات وفي إندلاع الحرب العراقية ـ الإيرانية تحولت أمي في ذاكرتي الى وطني ؛ وكنت وقتها شديد القلق في الغربة المريرة ؛ أشعر بقساوة العالَم وعنفه ؛ وكنت أتمنى لو إن العالم برمته يتحول الى كائن أنثوي، لكانت الحياة أقل قساوة ، فالعالم الأنثوي يضفي على الحياة الكثير من الرقة والأمومة . ولولا هذه الوالدة التي أحبها كثيراً وأشعر بمعاناتها لربما كان حبل الحياة منقطعاً بيني وبين الآخرين !
** أعرف أن لأمك دوراً في كتابة روايتيك ( نزوة الموتى ) و ( نافذة العنكبوت )..!
• في زياراتي اللاحقة الى بغداد عدت الى أمي ؛ الى رحمي الأول ؛ بعد غياب سنوات عشر ، فكانت تأتي الى بغداد وتحضر معي المؤتمرات! وتبقى معي في الفندق طيلة إقامتي ، ثم إنني كنت أزور حاضنة طفولتي ( جلولاء ) فكانت الوالدة تحكي لي ما حصل في سنوات غيابي عن هذه الجلولاء الصغيرة وما حلّ بأهلها ..وكانت تستعيد ذكريات قديمة عن الأب ونزواته النسائية وظروف العيش المريرة .. فكانت الدافع الأساسي لرواية ( نزوة الموتى ) وكانت هي إحدى شخصياتي في الرواية الثانية ولدي المزيد من حكاياتها في روايات قادمة.
** في روايتيك وبعض قصصك تطرح المرأة ـ ألأم السلبية دائماً..؟
* نعم . أطرح هذا النموذج وبإصرار . فالنساء في رواياتي وقصصي نساء محبطات من الرجل والمجتمع والظروف التي جاءت بها الحروب ..هؤلاء النساء كنّ يطمحن أن يصبحن نساء عظيمات ؛ لكن القدر والظروف الضاغطة حوّلهنّ الى نساء سلبيات ؛ فهنّ نساء قدريات واجهن الواقع وتحملن مسؤولياته الكبيرة..ولكن حتى هذه المرأة السلبية التي شخّصت ملامحها في العقدين الأخيرين ورسمت مكانها على خارطة الوطن كانت إمرأة إيجابية بمعنى من المعاني ، لأنها تواصلت مع الحياة ولم تستسلم الى الواقع القاسي ..فالأم في رواية ( نافذة العنكبوت ) كانت تبحث في الماديات والروحانيات لخلاص ابنها العاجز جنسياً..والأم في (نزوة الموتى ) تستقبل ابنها الآتي من الغرب لينقل رفاة أبيه من مقبرة الى مقبرة ؛ ليجد مجتمعاً معطوباً جراء الحرب . والمرأة الإيجابية هي التي ستتمخض من هذه المرأة السلبية ، من هذه الولادة العسيرة ، ومن رماد الحروب ستظهر المرأة التي تضمد الجراح العميقة.
* ولماذا التركيز على الأم في رواياتك …؟
• الأم رمز العذابات التي وجدناها في عقدين من الزمان مرا على الوطن ..فهي المضطهدة تاريخياً وهي أم الشهيد . وهي المسؤولة عن أسرتها في سنوات الحصار ..وإنها الرديف المساعد للرجل .وهي الميراث التاريخي الشخصي لنا . كما إنها الترمومتر لقياس المجتمعات ؛ فبقدر تحررها يكون المجتمع صحياً ..وكلما زاد الضغط عليها من مشاكل إجتماعية وحروب زادت مشاكل المجتمع..
* والآن كيف ( تفسّر ) أمك بوصفها راوية لرواياتك ؟
• أمي صديقتي ..لديها وعي غريزي بالعلاقات الإجتماعية ..وهي راوية ومفسّرة للكثير مما ترويه لي . فطرتها مجبولة على الإخلاص لمحيطها وبيئتها ..وسنوياً تفاجئني بالكثير من خزين ذاكرتها الذي لا ينضب .
* ألم تجد لك ( أماً ) مفترضة في باريس ؟
** لدي أم مؤكدة في جلولاء وليس أماً مفترضة . وليس لي أب محتمل.
* المجتمع الآخر قد يوفّر حاضنة إنسانية بصيغة الأم…!
• يوصف المجتمع الشرقي بأنه ذكوري أبوي ؛ بينما هو في واقع الحال مجتمع أمومي ، إذ أن منطق الأم هو الذي يشكل التاريخ عند الإنسان الشرقي وعلى أساس ذلك فإن الإنسان هنا لا يستطيع التخلص من هذا التاريخ بصيغة الأم ..وفي المجتمع الغربي لا توجد مثل هذه الفرضيات ؛ إذ أن الإنسان الغربي ممكن أن يشكل له أي شيء التاريخ… باعتبار ان عقدة الإنسان الغربي هو الأب الذي يريد أن ينتسب إليه ولكنه لا يتوصل إليه …وهكذا لم أجد الأم ( المفترضة ) في باريس .
* أعتقد إنك لعبت (لعبة) مقلوبة في حياتك الباريسية وفي مجمل ما كتبته من روايات صدرت أو تلك التي لم تصدر بعد ؟؟
* حاولت أن أجعل علاقة الشخصية مع الذات مرموزاً لها ليس عبر التاريخ الذكوري ؛ لأنه ليس لدينا عقدة أب بالمعنى الحرفي ؛ ولكن لدينا عقدة الإنتماء أكثر مما لدينا من عقدة الرفض …مشكلتنا كيف ننتمي …الغربي ينوّع الرفض ونحن نبحث عن إنتماء بأي شكل من الأشكال ..هناك فقدان للإنتماء يتشكل بعقدة الأم لدينا ، بعكس الغربي الذي تتفاقم لديه عقدة الإنتماء للأب كلما تحرر ..ونحن كلما نتحرر تزداد لدينا عقدة الأم !
* أعتقد إنك فككت هذه العقدة في زوجتك المغربية ؟
• ليس الى هذا الحد .. ولكن أرجو أن تعرف إن الجالية المغربية في باريس كبيرة جداً . وبحياة ربع قرن في هذه العاصمة الساحرة وجدت إن المرأة المغربية ؛ الشرقية ، المسلمة ، العربية ، الفرانكفونية ؛ وحدها التي يمكن أن تسد ثغرات كبيرة في داخلك إضافة الى دور المصادفات التي تلعب دوراً كبيراً في إختيار شريكة الحياة .
* وما هو دورها في كتاباتك الصحفية والأدبية ؟
* زوجتي مهندسة معمارية ..فتحت عينيّ على أشياء كثيرة لم اكن أعرفها وأنتبه لها في السابق ..نبهتني الى البناء والمعمار والمعارض الفنية ؛ فوجدت إن المعمار هو الأساس في الحياة الفنية والحضارية ، وانتبهت الى أن العمارة هي بُنية نص المكان وعرفت أن الرواية أو أي عمل أدبي ينبغي ان ينبني على معمار مسبق وهندسة فنية مطلوبة وساعدتني في مجال التعرف على الأشكال الهندسية المختلفة في باريس .
دبي
|