الصفحة الرئيسية

كلمة كتابات

الكتابات المنشورة  تعبر عن رأي اصحابها - الرقيب ضمير الكاتب

زوايـــــا

دراسات

 kitabat@kitabat.com <<<  webmaster@kitabat.com

الارشيف

كتب

13  تموز  2008

ابحث في كتابات

 

قراءة في طقوس الحزن

كلمات عن الشاعر خالد الخفاجي ويومه العاق

 

كتابات - علي حسين عبيد

 

ثمة سؤال يتكرر في الحوارات الفردية والجمعية الرسمية والخاصة بين الادباء والكتاب وندماؤهم يتساءل عن سبب الكتابة او دوافعها ويبحث في جدواها ولطالما قرأت وسمعت أجوبة تتوحد في جوهرها لتقول: (إننا نكتب لكي نهزم الموت !!!) إن في جوهر هذا الجواب كثير من المغالاة والاستعراض غير المبرر بل والتقليد الأعمى للغير، ذلك ان الموت لاشيء يهزمه قط كما هو متفق عليه بين الشعراء والمفكرين والفلاسفة على وجه العموم.

لقد سألتُ مثل هذا السؤال لعدد من الادباء كل على انفراد ومن العجيب حقا أن كثيرا منهم أجابوني بأنهم يحاولون دحر الموت من خلال الكتابة أو عدم الاستسلام له، وكان هذا هو جواب خالد الخفاجي أيضا وهو يتذكر الآن كيف ثرت عليه ووسمته بصفات هو أشجع منها قطعا، ذلك ان هذا الشاعر الذي ظل طيلة عمره يركض وراء الشعر كما لو انه أبوه يعرف تماما لماذا يكتب الشعر ويعي إشكالياته (هو) مع الحياة بصورة دقيقة، لقد كان صادقا حين قال لي ذات يوم أن الشعر هو النافذة الحقيقية الوحيدة التي أهرِّبُ منها حزني.

إذن ثمة حزن قائم وراسخ من الصعب التخلي عنه او التخلص منه كلية، وثمة طقوس لمطالسة هذا الحزن، نعم طقوس يعرفها الشعراء أفضل من غيرهم، وهذه الطقوس لها أدواتها ومن بينها اللغة وتعذيب الذات وتحفيزها أو تحريضها على التمرد وعدم السبات أو الخضوع المريب لمشارط الحزن التي لا تكف عن محاصرة الانسان بآلامها وثقلها ولا منطقيتها.

قبل سنوات كنت مع الخفاجي في بغداد، كان حزينا وهو يحمل ديوانه الجديد كمولود بكر، وحين التقينا الشاعر البصري كاظم الحجاج مصادفة في اتحاد الادباء سارع خالد فأهدى له نسخته، فما كان من الحجاج إلاّ أن يضع كلمته الساحرة في قصاصة صغيرة ويسلمها حالا لخالد الخفاجي الذي طلب منه رأيا خاطفا، لحظتها قلت لنفسي إن كاظم الحجاج ربما اختصر عشرات الكلمات والإهداءات والقراءات بتعليقه المقتضب والسريع هذا، ولا زلت أتذكر ذلك التعليق الخاطف الذي يقول: (يومك العاق _ لا يعقّ الشعر .. بل إبنه البار) في تلك اللحظات تلاشت غمامة الحزن وشع فرح باسل في عينيّ خالد الخفاجي بفعل تلك القصاصة وتعليقها القصير.

إن قصائد الخفاجي يمكن ان نطلق عليها صفة او تسمية قصائد من النوع العاري، ذلك لإنها لا تتلفع بأغطية تحجبها او بعضها عن الغير، وهي غالبا ما تقدم نفسها بوضوح سافر للعيون التي تنسجم معها في اللحظة الاولى حين تقع عليها، وسيكون للحزن دائما مساحته الراسخة فيها، ان الشاعر مكتظ بحزنه حتى يكاد يكون موبوءً بهذا القدر الذي لا مهرب منه، لذا ليس امامه من علاج سوى الشعر، إنه طالما صرّح للآخرين بصوت جهوري (إنَّ نافذته لتهريب الحزن هو الشعر) ولا ملاذ عنده غير هذا الملاذ، من هنا صار يكد ليل نهار من أجل أن يخلَّقَ طقوسه الخاصة في قراءة الحزن بهدف تخفيفه او القضاء عليه ولو وقتياً، وفي تصريح تصدَّر يومه العاق يقول :

 

هذا أنا كالصبح

نظيف ..

كالليل حزين ؛

ظلمتني اليقظة

وخدعتني الاحلام ؛ ص17

 

إذن هو واضح كنجمة عارية في سماء صافية، حزنه الليل وغريمه اليقظة أما الحلم فهو سرابه المميت، لقد ترددت مفردة الحزن في مساحة هذه القصائد لدرجة إن القارئ صار يصادفها في كل الصفحات الصارخة بالأوجاع التي تحفر نفسها في اسراره وتفاصيل ايامه وحياته برمتها، حتى ان الزمن الشخصي لم يعد كافيا لاستيعاب مسوغات الحياة او قبولها كالحب مثلا، إنه يطالبُ بزمن مضاف كي يستوعب او يتواءم مع نوع من المشاعر الانسانية إسمه الحب:

 

حتى ..

أختصر جفاف العمر ..

إمنحيني،

زمنا آخر

لأحبك أكثر. ص24

 

لقد جفف الحزن نداوة الأيام واخضرار الحياة، لهذا دأب الشاعر على تكريس الطقوس القادرة على مراودة الحزن وإلهائه عن العبث بأيام الفرح، انه نوع من الحروب الخفية اذا جاز القول بين الشاعر وأفراحه وأشعاره من جهة وبين الحزن من جهة أخرى، لقد أصرَّ على أن تكون أشعاره مادة مذيبة او مسرِّبة لهذا الحزن وتوابعه، انها عملية تنفيس إذاً، تماما كما نفعل شيئا ما لكي نحد من حالة الغضب التي تجتاحنا لسبب ما، ولكن هذا يتطلب طقوسا محددة لقراءة الحزن وترويضه، ربما تشبه الى حد ما عملية التدريب على اتقان شيء مدرك او ملموس، وسنقرأ في قصيدة (بدعة):

 

السُبلُ ..

تضيق بي

في زوايا الحزن

ابحث عنك

يشتمني .. اليأس .. ص38

 

إن القصائد هنا متخمة بهذه الأجواء التي تلبّسَت شاعرها لحظات الكتابة او التخليد، فهو يحوِّل أحزانه الى كائنات شعرية، وستظل هذه الكائنات على قيد الحياة طالما بقي فعل القراءة على قيد الحياة ايضا في المقابل ثمة طاقة للحزن ستتضاءل رويدا، من هنا ستصبّ هذه الخطوة في مصلحة المخلِّق الذي هرَّب أحزانه من نافذة الشعر:

 

كان الزمن ..

في حالة انتقال ..

نظر الى ساعته،

إختبأ بين أحزانه ..

هربا من الممنوعات ص69

 

وفي قصيدة الصمت يقول:

 

الكأس المتمرد

ينشرُ هذيانه في دمي

الحزن المتعطش للدمع

يسقي الكون

بالألم... ص73

 

إن هذه الجولة السريعة مع أحزان خالد الخفاجي جاءت لنبذ ما يمكن أن نسميه بالتبجح الشعري، فليس هناك سوى الموت أكثر حضورا في مثوله أمامنا، وليس امامنا سوى الإحتماء بدريئة الشعر، أما ما تبقى كمقارعة الحزن او استنهاض الفرح او البحث عن الحب او الزمن المفقود وما شابه ذلك، فكل هذا وربما غيره يمكن ان يكون حقا من اختصاص الشعر.