الصفحة الرئيسية

كلمة كتابات

الكتابات المنشورة  تعبر عن رأي اصحابها - الرقيب ضمير الكاتب

زوايـــــا

دراسات

 kitabat@kitabat.com <<<  webmaster@kitabat.com

الارشيف

كتب

13  تموز  2008

ابحث في كتابات

 

على أبواب حسن عجمي - 7

 

كتابات - حميد قاسم

 

في السنوات الأخيرة، صار شغل زاهر الشاغل أن يجلس على التخت القريب من النافذة العريضة المفتوحة دوما التي تطل على شارع الرشيد في الزاوية الأقرب إلى "شربت حجي زبالة" الملاصق للمقهى، كان يجئ محملا بعشرات الأخبار والتحليلات السياسية عن الوضع السياسي والآفاق المحتملة بعد ليلة مضنية من الاستماع لمحطات مثل مونت كارلو وصوت اميركا وبي بي سي وسواها، كل همه أن يعرف ما الذي سيحدث بعد أن ابتلعت "الجارة" ايران حلم العراقيين واجهضت الانتفاضة بتدخلها الفج والوقح.. كان يطوي ساقيه على التخت ويمسك بطرف شاربه ويسأل: تالي؟ شتگول؟ ماراح يشلعوه؟ شلون يعني.. انت شتتوقع؟ كل يوم كان يسألني عن توقعاتي التي سمعها يوم أمس، وأصابع يده تروح صعودا ونزولا حتى خشيت على شاربه من هذه العادة المتوترة المقلقة. من جانبه كان عبدالزهرة زكي يلوذ بالصمت وطيف ابتسامة يائسة يلوح على ملامحه الساكنة، ثم ينضم رعد عبدالقادر متأبطا اوراق بحثه وقصائده ليرخي قامته المديدة تماما إلى جوار زاهر هاتفا بابتسامته المضيئة: هلو أبو سجاح.. شلونكم عيوني، وإذ يسأله زاهر السؤال نفسه يرد رعد هامساً: ما اعتقد راح نشوف هذا اليوم.. ما اعتقد، فيجيبه زاهر: سمعت أخبار "قوية" أنه أمريكا بعد متريده.. شتگول انت؟ فيجيب رعد: ياريت، بس ما اعتقد.. ثم يطلق كلمته الأثيرة "تتراهن؟".. وإذ يسمع كفاح طرفا من الحديث الهامس يقفز كمن لسعته أفعى إلى أبعد كرويت وهو يتمتم: يمعودين استروا علينا.. شحاطين گوركم وگور الرجّال؟ فيناديه زاهر ضاحكا: تعال بشرفك بس أريد أعرف شنو توقعاتك، فينخرط الجميع بالضحك حتى زاهر نفسه.. هكذا كانت أيامنا تمضي في حسن عجمي وسواها من جغرافيا المكان البغدادي، بدءا من الانهيار الفاجع والمتوقع للانتفاضة عام 1991.

في تلك الايام وجدت عددا كبيرا من الادباء يبيع السگائر او الشاي او الثياب وسواها منهم هادي ياسين علي وعادل عبدالله وداود سالم فيما أقمت بسطية صغيرة في مدخل السوق العربي لبيع ملابس الاطفال كان يساعدني فيها ابني مجد بعد عودته من مدرسته "مدرسة الموسيقى والبالية"..  يومها كنا انا وحميد المختار نناقش ماجرى –وكان كل شئ مازال طازجا مثل دم المدن المستباحة توا- وأذكر غنا خلصنا إلى ان انتفاضة عفوية مثل هذه كانت تفتقد قيادة مجربة، وانها حدثت بفعل عفوي بعد ان لم يعد الصمت ممكنا بعد الهزيمة المنكرة التي كسرت العراقيين وبعد سنوات الكبت والضغط، لقد رأى الناس كيف انهارت الإكذوبة وكيف توارى القتلة.. اسد علي وفي الحروب نعامة.. فثاروا بعد ان انكسر الحاجز النفسي، وهذا لم يحدث منذ وثبة كانون، لكن الكارثة حين تلقف البعض المر واحالوا الانتفاضة إلى هبة طائفية وكان مقتلها هنا حيث تراجعت المدن الأخرى –وكان بعضها ثار بالفعل كالموصل وديالى وحتى الرمادي- بعد ان روجت الاجهزة الامنية فكرة ان الشيعة قادمون وسيذبحونكم، وكان دخول ايران أكبر طعنة توجه للعراقيين لتقتل الأمل في مهدة، هكذا كنت أقول للمختار ونحن نعبر جسر الشهداء صوب المقهى، لنكمل حوارنا مع زاهر الرابض على تخته بهدوء اسطوري.

أذكر انني عدت إلى بغداد من الديوانية يوم 5-آذار حيث توجهت إلى المقهى فلم أجد احدا فذهبت الى اتحاد الادباء ظهرا، عند باب الاتحاد احتضنني بغتة أحد الشعراء الشعبيين وراح يقبلني قائلاً: الحمد لله ابو مجودي.. الله جابك. فقلت له مستغربا: خيرا؟ ليرد علي بالحرف الواحد: البارحة مانمت.. اجو الغوغاء السفلة على بيتنا رادوا يقتلوني.. وما خلصت إلا وأني أطفر من سطح لسطح. بلا تمهل قلت له: شنو المطلوب مني؟ قال: أريد أبات عنك كم ليلة.. منطقتكم زينة وما بيها هاي المشاكل، فاجبته بلا تردد: وليش ما يجون الغوغاء علينا حتى يقتلوني؟ لم يستطع الرد، وان يقول بأن الناس لم تطارده لولا تفاهاته وقصائده واغنياته "الوطنية" كما يزعمون..... كنت استعيد لحظتها أنه لقاني يوما أرش الماء في باب محلنا في الصالحية –وكان لبيع الاثاث- فاطلق ضحكة هستيرية ولوح لي بمفتاح سيارة برازيلي "مكرمة" حصل عليها توا، وصاح: أبقى.. تبقى تبيع أخشاب؟

كان بصحبته الشاعر كريم العراقي، فقلت له بهدوء وانا اواصل الرش: أحسن ما ابيع شعر مثلك. ودخلت المحل، الأمر الذي أوقع العراقي في حرج شديد كما أوضح لي في ما بعد.

أذكر انني حضرت انتخابات نقابة الصحفيين عام 1992 في مسرح الرشيد فوجدت "صاحبنا" غاضبا، تقدم نحوي وقال: شوف هذا "فلان" مرشح نفسه على منصب النقيب..! عندها تصورته مشفقا على صاحبنا بعد ان علمنا في القاعة ان عدي سيرشح لمنصب النقيب، مع اني كنت اعرف انها نكتة سمجة من باب الديمقراطية –مثل ديمقراطية العمائم طبعا- لكن شاعرنا الشعبي انتفض قائلا: لا أستاذ أكو واحد يحط راسه براس الاستاذ..؟ ثم رفع صوته قائلا: الله واكبر هذا استاذ عدي ياناس.. عند هذا الاسفاف لم اجد مهربا سوى ان انسحب بهدوء من المشهد كله.

هذا الشاعر لا أعرف احدا مثله اليوم ضجيجا وصخبا عن الظلم والاضطهاد الذي لحق به، وانا اترفع عن ذكر اسمه ولستم بحاجة لذكر قصائده عن "العزيز القائد" فكلكم تعرفون من هو كما أظن، مع ان سجنه كان بسبب تزوير توقيع عدي على كتاب تجهيزات كهربائية وبيعها.. اي تزوير وسرقة..! الأغرب ان البعض يكتب عنه ويصفه بالمناضل الوطني الشريف، ولا أعرف إن كان ثمة مناضل وطني مـ..... مو شريف؟

 

hameedqassim@yahoo.com