|
|
الكتابات المنشورة تعبر عن رأي اصحابها - الرقيب ضمير الكاتب |
||
|
12 تموز 2008 |
|
فرح خالتي وحزنها
كتابات - حسين عبد الخضر
كانت فتاة شابة تملأ الأحلام حياتها ، وتتدفق في شرايين براءتها ، فتنطلق إلى العالم بكل عنفوانها ، مداعبة خصلات الريح بأطراف أمانيها . تعابث الزمن بكركراتها ، لاشيء أمامها غير أفق مفتوح يدعوها إلى التوغل أكثر . لم تكن الحياة لتسع ولعها ، فاحتجزت زاوية صغيرة في خزانة ملابسها للروايات ، حيث تسد الحكايات ثغرات الحياة بمشاعر ملتهبة وتفتح أفاق النفس في فضاءات بعيدة . كانت سعيدة تجري مع الأيام بسهولة انسدال شعرها على كتفيها ، لاهية عن مخاتلات الزمن لفرض قوانينه القاسية عبر جريه بمكر لا محسوس . يوما ما قابلت الشابة عيني خالي تترصدانها ، وهي راجعة من المدرسة ، تمشي بتبختر المتفوقة بين زميلاتها . حركت في داخلها النظرات شعورا كامنا وأخذتها من أحلامها إلى مغامرات فك لغز الشعور الجديد . دخلت بروح المغامرة إلى مساحة اللعب مع خالي . . لعب مثير ، فتح في نفس الشابة نوافذ مغلقة ، واستفز مشاعر جديدة ، فلم تعد تأنس برواياتها ، وأخذت تجري وراء ذلك الهيام المجهول الذي يتوقد في ثنايا الروح ، ليبحث عن شيء غامض مفقود . لاحقت حلمها الغامض إلى بيت خالي ، وأصبحت منذ ذلك الوقت خالتي . بدت سعيدة تمارس دورا جديدا في أحداث رواية حياتها ، وتعبر فصولا ماضية . انتقلت من حالة الأحلام المتوهجة في زوايا غرفتها الباردة إلى أحلام اكبر ، لروحين تبحثان عن نافذة أوسع لعبور أسوار الزمن الشاهقة . وكانت فرحة بدورها ذاك ، حتى داهمتها حقيقة جديدة ، قاسية ، كانهيار سد على قرية لم تفكر يوما في الطوفان . لقد أصبحت أما وربة بيت ، يعدوا أطفالها أمامها ويغتصبون مساحات أحلامها بهموم مداراتهم . وتساقطت الأحلام في رأس خالي وتحجرت ملامحه . بعد الطفل الثاني ، فاجأتها المرآة بخبر انضوائها تحت لواء جوقة النساء في عائلتنا لتمارس دورا جديدا ينوء بقتامة أجوائه . وجدت نفسها تبكي في أحزان لا تعنيها ، وتزغرد في أفراح غريبة . لقد أصبحت خالتي امرأة تحرم عليها قوانين العائلة فتح رواية والسفر فيها ، وكبلتها بمسؤوليات مزيفة ، وكان عليها أن تمارس دور المراقب لحركة أطفال نزقين لا يكفون عن رفس الأرض مطالبين بانتهاك لحظات استرخائها . دخلت بيتها يوما ، وكنت مراهقا خاملا ، أبدد بؤسي بضحكات ميتة ، اختلف عن كل أقراني من الأقارب بخمولي الدائم وبحثي عن سبب وجودي في الحياة . . الحياة التي ترمي الناس في أتون الحرب ، فتودعهم مزقا وأشلاء محترقة ، مشوهة ، بلا ملامح ، قد ضاعت هوياتهم في دثار الدم والتراب . مدت يدها إلى الخزانة . أخرجت كتابا ، وقالت : هاك ، اقرأ هذه الرواية . سلمتني إياه كما يسلم محارب قديم الراية إلى آخر . أخذت الكتاب منها . فتحت الرواية بعد العشاء وأغلقتها صباحا ، ثم أعدتها في اليوم التالي . شاهدت طيفا لحلم بعيد يتورد على وجهها وهي تسلمني الرواية الأخرى . تولد في داخلي شغف كبير ، أشبه بالإدمان على الإبحار في سطور هذه القصص التي ترسم لي خطوطا متنوعة الألوان في طريق بحثي عن سر الوجود . أصبحت أيامي إبحارا صامتا في عالم الورق يشعل براكينا طازجة في رأسي ، ويفتح في أصابعي طريقا إلى القلم . اخط أوراقا خجولة أخفيها في خزانتي كما يخفى خاتم غير ذي قيمة . وراحت خالتي تنجب الأبناء ، ويتماها ظلها مع ظلال تقلبات الزمن المر . كبر أبناؤها ، وأصبحت كبراهم زوجتي ، ملأت خواء حياتي بأصوات الأطفال وتفكير الهروب بهم من وحشة العالم . ارتدت خالتي ثيابها السود كما تفعل جميع النساء ، الجدات عندنا ، ولم تعد تأبه لتجاعيد في وجهها أو تفكر في استخدام غطاءا زائفا من مسحوق ما لإخفائها . صارت تتقدم النساء في مجالس الفرح والحزن ، لتشعل جذوة الرثاء على أشباح أحلامها الماضية ، وكأنها رفعت رايتها البيضاء في وجه زمن لا يكف عن الدوران . تلاشى ترف طفولتها البغدادي ، وأصبح غبار ذكرى غائمة ، واندثرت أثار شبابها تحت الغبار الذي دثر الناصرية . وقبعت أخيرا في بيتها القروي تعد أحفادها . ظننت أنها أصبحت كواحدة من تلك النخلات لواقفة بصمت أمام بيتها القروي . تجف عروقها في الأرض بينما يرتفع رأسها إلى السماء . . ظننت أنها نسيت لذة الإبحار على زورق الخيال ، ومداعبة المعاني بين السطور ، ربما يكون قد مر عشرون عاما على آخر رواية قرأتها ، ربما أصبحت الروايات الآن من شأن الفتيات المراهقات والكتاب الثملين . لن تقرأ خالتي روايتي التي احملها بفرح مبتور بين يدي ، وأوزعها على كتاب لا يملكون زوارقا تعبر بهم من ضفة الكلمة إلى عمق المعنى . هضمت خيبة أملي كلمات متراخية ، عندما جاءني احدهم يحمل قصاصة صغيرة ألقى القبض فيها على أربعة أخطاء مطبعية ، وعبارة لم يستطع فهمها . كانت روايتي تضيع في سخافة الأفهام . ولدي الأول تتلاقفه أيد لا تفقه لغة الأطفال ، حتى حنت عليه خالتي . طلبت أن ترى أول رواياتي المنشورة . قالت أنها سمعت خبرا لا تعرف لماذا أخفيته عنها . رأيت في جلستها على الأريكة متلفعة ثيابها السود ، ولافة رأسها الأشيب بقماشة سوداء ، صورة جدتي المتوارية تحت التراب عندما كنت في السابعة من عمري . وعدتها أن اجلب لها مولودي الأول في سرير الغربة . بعد ثلاثة أيام . كانت خالتي تجلس على أريكتها ، بنفس ثيابها السود ، إلا أن ريحا حنونة ألقت بقشور وجهها العجوز في واحة النسيان . ناقشت أسلوب رواتي وحبكتها ، توقفت عند بعض الأحداث وتمنت لو أنني كنت اقل تشاؤما ، ثم اغرورقت عيناها بالدمع ، وتلوت روحها ألما ، وهي تقول كما لو أنها تكلم نفسها : لقد كان مصير أبي رباب قاسيا . . قاسيا جدا . كلنا حلمنا نفس الحلم ، وتوهمنا في الاحتلال الأمريكي يوم خلاصنا .
|