الصفحة الرئيسية

كلمة كتابات

الكتابات المنشورة  تعبر عن رأي اصحابها - الرقيب ضمير الكاتب

زوايـــــا

دراسات

 kitabat@kitabat.com <<<  webmaster@kitabat.com

الارشيف

كتب

12  تموز  2008

ابحث في كتابات

 

على أبواب حسن عجمي - 6

رباح أنا بشاربك

 

كتابات - حميد قاسم

 

1

يخطئ كل من يظن أن وظيفة مقهى –مثل حسن عجمي- تقتصر على الجانب الاجتماعي، وان لا مهمة إبداعية له.. أزعم ان هذا المكان تحديداً أدى مهمة كبيرة جليلة للأدب العراقي والشعر خاصة، ففي جنبات هذا المقهى نمت أهم حركة تجديد في الشعر العراقي، خلال أخطر مرحلة من تاريخ العراق الحديث وأكثرها تشابكاً واحتداماً، مقارنة بما سبقها- القمع الاستبدادي، الحرب العراقية الايرانية، غزو الكويت، الحصار، الاحتلال-.. في هذا المكان تواشجت عرى التيارات التي كونت جيل مابعد الستينيات، من سبعينيين وثمانينيين وتسعينيين، وهنا قرأت أفضل نصوص ابناء الجيل بموجاته الثلاث، وهنا دارت حوارات معرفية وتجارب جديدة ومتوثبة باستمرار، نعم.. في المقهى ثمة من يلعب الدومينو والطاولي، ومن يمتهن نظم المدائح وانتظار "المكرمة"، لكنني أقول ان ثمة جانبا آخر للمقهى هو الأهم والأبرز..اعترف ان النشاط الابداعي –بل أؤكد- هو منجز فردي، لكنه يبقى بحاجة إلى حاضنة او "بيئة مكملة" وكان حسن عجمي واتحاد الأدباء –بناديه- حاضنة مهمة ومؤثرة لا يمكن الاستغناء عنها.

لقد حفظ المكان الذي لمّنا، ألفتنا.. ولم يجعل منا جزرا متزحزحة مثل رغوة الصابون، فيه تبادلنا الأفكار والكتب والقصائد والقروض الصغيرة والنكات المشاكسة، وفيه تحاورنا.. في المكان كانت السخرية الكبرى من اوجاعنا ومنه انطلقنا إلى غرباتنا الكبرى بعد أن كنا ننطلق منه إلى غرباتنا الصغرى في بيوتنا وأحيائنا وشوارعنا.. وفيه استمع الاصدقاء لأول مرة إلى: كآبة إبراهيم، وشاحنة البطيخ، وحية ودرج، وسهول في قفص، ولقد تسممت حياته، وأوبرا الاميرة النائمة، والماء، وغيرها من نصوص "القصيدة الجديدة"، وبهذا المكان لاذت أرواحنا هاربة من نيران الجبهات والحجابات والوحشات الطويلة والكآبات الكبرى. وفي المكان وجنباته العتيقة دارت الحوارات العميقة والاحتجاجات المتكتمة او الهامسة. وفيه كذلك نشأ نمط آخر كان في جانبه الكبر احتجاجاً ورفضا لكل ما كان يجري: في الكتابة وفي السلوك.. تلك النصوص التي اشرت اليها وعشرات غيرها، وفي نمط "الصعلكة" التي تمثلت في عصابة الأربعة التي قادها جان دمو وانخرط فيها كزار حنتوش ونصيف الناصري وحسن النواب، واقترب منها جمال حافظ واعي وعقيل علي وهادي السيد حرز وصباح العزاوي وعبداللطيف الراشد – وبشكل أقل- رباح نوري، وسواهم.. وإذ كنت لست في صدد تقييم الظاهرة والبحث في اسبابها بعمق، فهذا لا يمنع من الاشارة إلى المغزى العميق في وجودها اللافت ايامها، قبل ان ينتهي ابطالها غربة وموتا وتشردا.

2

من هؤلاء يظل رباح نوري شيئا غريبا متناقضا –مثل أي شئ في حياتنا تلك- فهو في ساعة "عمايرجي" من بني لام، وفي اخرى "فلوجي" من آل بوعيسى، وهو مرة ثري يقيم في عشتار شيراتون، وأخرى ينام في حديقة الاتحاد، وهو مدير أعمال المطرب الشعبي علي العيساوي مرة، وهو ذاته الشاعر العمودي مرة أخرى، تراه في بدلة أنيقة لا يشرب سوى البيرة المستوردة و"يسلت" الرزم النقدية من جيب سترته بتعال واضح، وفي يوم لاحق لايملك ثمن ربع عرق مع ماعون لبن، يكتب العمودي والنثر، ويبيع السكائر في المقهى ويحدثك بترفع قبل أن يشيح بوجهه بعيدا عنك..

أذكر انه عاتب أحد اصدقائه الذي استلم مبلغا "محترما" مكافآت مقالاته من صحيفة عربية قدر حينها بنصف مليون دينار مطالبا اياه ان يقرضه مبلغا بسيطا ليكون رأسمالا له في بيع السكاير داخل المقهى على الأدباء.. لم يكذب الرجل خبرا فسلمه مبلغ 50 ألف دينار فورا، في اليوم نفسه اشترى رباح عددا من قناني العرق وسمكة كبيرة من عدنان ابو السمك وعزم اصدقاءه الخلص في بيت صباح العزاوي بشارع فلسطين ثم منحهم اجور التاكسيات في نهاية السهرة وحين سألوه عن مصدر هذه الثروة، قال لهم كنت أطلب "...." مبلغا من المال وردّه اليوم إلي.. في اليوم الثاني بلغ الأمر مسامع صاحبنا فكانت حكاية أخرى خرج منها رباح سالما بعد ان قبّل صاحبنا وحكى له نكتة جديدة..!

دخلت ذات مساء إلى حديقة اتحاد الادباء صيف 1990 صحبة الفنان التشكيلي ستار كاووش، فوجدناه في أقصى الحديقة وحيدا، حيّيته فرد باقتضاب، جلسنا ووضعنا كتبنا وأوراقنا على الكرسي الثالث بيننا تحت النخلة المنفردة في نهاية الحديقة، بانتظار مجئ النادل "أبو مايكل"، ومن هناك كنا نراقب الحوار الخفي بين رباح والنادل الآخر "بطرس" والاشارات التي تصلنا من بعيد بدلالاتها الموحية، تفاقم الأمر مع مجئ المتعهد بنفسه "نوح".. ومن بعيد كنا نراقب تداعي أنفة رباح وترفعه الذي جعله يرد علينا بفتور.. بغتة انفلت رباح من الحشد المحيط به وركض صوبنا هاتفا: أنا بشاربك. غني عن القول انني وكاووش لايملك أي منا شاربا، فكان ردنا الأول –بخبث ولؤم-: رباح لعد إحنا ليش نزين شواربنا؟ غير نخلص منك ومن مصايبك؟ فصرخ وهو يزيح كتبنا ويجلس على الكرسي: معودين هسه مو وقت شقا.. اريدكم تكفلوني.. معودين اريد اتزقنب ربع عرك وأولي.. شني السالفة؟ اتضح لاحقا ان رباح كان مدينا للبار باكثر من عشرين دينارا، وان المتعهد رفض ان "ينزل" الشرب ما لم يسدد الدين أو يكفله أحد رواد النادي.. ومنذ تلك الساعة صار لقب رباح "انا بشاربك".

ظل رباح هكذا حتى انبثق في الوسط الأدبي شخص يدعى خسرو الجاف يقال انه كان مغتربا في المانيا، وهو مهندس ثري -بل مليونير- يكتب القصة والرواية والشعر، كان يقيم الولائم في النادي ويدعو الجميع إليها، التقيته مرة عن قرب فوجدته دمث الاخلاق مهذبا، وفي فترة وجيزة، قرات كتابات عدد كبير من النقاد عنه وعن رواياته وشعره وقصصه ومنجزه المعماري.. إلخ..-وهو اليوم عضو في مجلس النواب العراقي- حتى جاء يوم وجدت فيه رباح نوري –وكان نحيلا مثل قلم الرصاص- يتململ في المقهى قبل ان يقول لي: البارحة شفت كاكا خسرو ضايج لأنه ما ربح بصفقته الجديدة بس 150 مليون دينار.. شايف بالله؟... وفجأة وجدت رباح يلتفت صوب الجالسين ليهتف بصوت عال: بشرفكم هاي هم صايرة.. آني الحافي اسمي رباح وهذا اسمه خسرو؟ الله يقبل؟

 

hameedqassim@yahoo.com