الصفحة الرئيسية

كلمة كتابات

الكتابات المنشورة  تعبر عن رأي اصحابها - الرقيب ضمير الكاتب

زوايـــــا

دراسات

 kitabat@kitabat.com <<<  webmaster@kitabat.com

الارشيف

كتب

11  تموز  2008

ابحث في كتابات

 

مندل وماركس والبطاقة الصحية ...

 

كتابات - قيس مجيد المولى

 

بعثرت السحابَةُ البريّةَ حين إنقضت عليها بمطرٍ لم تألفهُ من قبل ، إنسدت المساماتُ وتقوسَ ظهرُ الأرض ، فأسترجعت ذاكرتي لما قبل سنتين وسألت نفسي من هو الذي تمنى لي الصحة والسلامة والموفقية في الأيام الأولى التي وطأت بها قدماي أرض الدوحة وتذكرت السيدة الفاضلة في المركز الصحي وقالت لي بعد أن سلمت لي بطاقتي الصحية : من أنها تدعو الله أن لا أكون أنا بحاجة إليها ولا أستخدمها أبدا .وقررت أن أذهب إليها بعد هذا التذكر المفاجئ لأني على وشك التمتع بإجازتي السنوية ومن فتحة شباك التذاكر مددت رأسي وشكرتها لكنها أشارت إلي بالدخول كي تتفهم أمري. وعندما أخبرتها بفعلي  تمتمت وعقبت وأختلط على كلانا معرفة مانريد . وفي الجهةِ الأخرى تجمعت الفراغاتُ لتشكلَ أنهراً فوق الطبقاتِ المنظورة . وبعد ساعاتٍ نما العشبُ وغنى الرعويونَ وركضوا في ذلك الفضاء الواسع كي يقبضوا على أقواس قزحهم التي تدلت من السماء ، وسرعانَ ماأسرعت النسوةُ وحزّت الصوفَ الأسودَ من ظهورِ الأغنام ن بعد ذلك بدأت الطبيعةُ وكأنها تترشدُ في إستهلاكها حيث إتضحت معالمُ السماء وهدأت الريحُ ونشفت الأرضُ ومن هذه الحدود القصوى أراد الإنسانُ  معاينة مَنبَتهِ وفق إيقافٍ مؤقتٍ لتأثير مجمل البنى النفسية علية وحتى تلك التي تَظهرُ للحظاتٍ وتختفي ولاشك إن إدراكه لقوى تتحكم خارج الإرادات تتحكم بالمسبب التاريخي ليريح نفسه حتى لو لسويعةٍ على مابناهُ  لمفهوم العلةِ والمعلول وجوار ذلك كان الإتجاه التحديثي  في قبول مايحدث على أساس أن يكون هناك سبباً ومسبباً ولاشك بأني وإلى اليوم لم أكن راغبا في معرفة اتجاهات القوانين التي فسر بها (أنجلز) تكون الطبقات وأسباب الثورات والأشياء في الكون وعلاقاتها بالفناء والعدم إلى أن شاهدت أكثر من صورة (لكارل ماركس ) في كتبه التي رميت على الرصيف في شارع المتنبي وهو ينادي باعةَ الشاي وباعةَ الفاكهة بالعربات وباعة اللبن من أن يهضموا نظامهم الطبقي ويحملوا الرايات الحمر وهو في لحيتهِ الكضةِ التي لصقت على مختاراته ، ولم أكن راغبا في معرفة أمميتهِ العالمية لأني أريد معرفة متى فضُ الإشتباك بين أممي العربيةِ وبالمصادفة ركزتُ على علبة الأدوات الهندسية لتلك الدول التي تجمعت مابين المحيط الأطلسي والخليج العربي وسألت أستاذ التاريخ الأوربي عن فَرق تَسد والإحتلالات ونظريةِ قولبة المؤامرة وأبتسم وهو يعدد الأسباب التي أدت إلى إنهيار إمبراطورية شارلمان ، وأمام المرآة وقفت أمام وجهي وتغيرت نسبياً وكدتُ أقتنع بسلالتي الفرديةُ وبحقبات التطور التي وضعها (دارون ) وعبثت بالصندوق كي أرى صورة جدي ، لذلك حين رأيتهُ بإبهتهِ وجمالهِ أدرت ظهري لدارون وقوانين (مندل ) الوراثية والتي قد يكون سرقها من القرأن الكريم (ولقد خلقناكم ثم صورناكم .. )وعندما حل الظلام إنطفأت الحواس ولم تعد أي منها بإختصاص وظائفها إذ إمحت قدراتها على تمييز الألوان أو الطعم أو الرائحة أو الأصوات وعاد الجسد إلى مخطوطاته في إنتظار مايُنبئ بهِ حال ظهور نصفُ القمر ونصفهُ الأخر في فمِ الضفدع وقلت قبل أن يختفي عليَ أن أقفز وأتمرجَ بهِ وعلى ذلك الإرتفاع سأراها وتراني وأنا في أرجوحة الضوء :

 

لم أكن غائبةً عندما جئتَ في ذلك اليوم ياسيدي

كنتُ في عزلةٍ أتجادلُ مع ضوء ظلك فيها

أجسُ بقاياك فوق سريري

أجسُ سريري

أحصي المناديل  . أحصي الوسائد

أحصي نبواءتنا الخائبه

لم أكن غائبه .

 

إذ ذاك عادت السحابةُ إلى البرية ولم تنقض عليها هذه المرةَ بمطرٍ أو رياح لتعيد الفراغات تجمعها في نطاقٍ محصورٍ مابين فتحة في الأثداء وفتحةٍ مابين الساقين ، عندها أصبح الظمأ قاتلاً  والهمسُ لايؤجل إلى أن يأتي الليل وأرتأيت أن أدعَ الأخطبوط يقودني بعد أن مسدتُ حبلي بالزيت كي يستقيم حين أضربُ بالمعول قفص السنونو المحاصر وقد كانت هي موعودةٌ بهِ منذ سيلان قطرات الينبوع وبلوغ الطرق عبر المماشي المبللةِ برائحةِ الأزال ودورة الدم التي تنبعث يومياً من رأس أدم ، تحريتُ ما خرج مني ربطتُ ذلك بنشيدي الأول حين رُفع علمُ الملك في وسط ساحة المدرسة ورسمنا بعد الدرسِ الأول الشجيرات الثلاث وكنت الوحيد الذي علّقَ فانوساً فوق إحداها في حين علّق الأطفالُ الأخرون الفاكهةَ التي يشتهونها ، أما في السنة الثانيةِ فقد تساوينا في رسم الأغنام وأشتكى بعضنا البعض نسياننا المتواصل للأشجار والأنهار والجبال وأدوات أخرى كانت تستخدمها الطبيعةُ مرةً لفرحنا ومرة لإخافتنا  إذ ذاكَ ضربَ بعصاه السبورةَ وقال : أريدُ جُمَلاً عن الطيور ؟ قال أحمد (غردَ البلبلُ )قال له أحسنت ،قالَ عبد اللة (طارت الحمامةُ ) قال لهُ أحسنت وقلتُ (عطسَ الحمارُ )ضحك الجالسون في الصف الأمامي ولم يقل أحسنت بل ضرب الرحلةَ التي أمامهُ بعصاه ،نظر إلى المصباح الذي علقتهُ فوق إحدى الشجيرات الثلاث وهو مضئ لكنه لم يضئ ورقة واحدة من أوراق تلك الأشجار إنتفضَ بصوت عالٍ وقال الأن فهمتُ اللغزَ وكرر أحسنت ، أحسنت ،بعد أن إغتلط رضاه وعدم رضاهُ حسبتُ أن الشتاء القادمَ سيكونُ معقداً عليَ ولم أختار بعد شكل عزاءٍ لي بإنتظارِ أن ينبتَ الصوفَ الأبيض في ظهور الأغنام وتكون للطبيعةِ ألحانٌ تشتهيها :

 

أنى كان اللقاء ،في كبد السماء

في لجةِ الماء ،في ضياء القمر الهادئ

أو في الرعب الكالح

حسبي أن أكون معه في كل ربيع

وكل شتاءٍ ، عقدةُ شوقٍ

تطوقُ جيّدهُ المُدَمى

 

حين وصلتُ دمشق وأختلطتُ مع الناس هناك لم يعد أحد بحاجة لبطاقةٍ صحية . رأيت المنارة وصلاح الدين والمنجنيق ورقية  قبلها كانت الطائرة تدور حول قاسيون لتشمم هيكلها النحاسي بما عنيته بتذكري لها بعد سنتين وقد هنأ بعضنا البعض بسلامة الوصول ولم نَشُد منذ ذلك الوقت على أيادي بعضنا البعض بعصبية  .

 

annmola@yahoo.com

 

شاعر عراقي - مقيم في قطر

 

هامش / مقطع لأدونيس وغبرييلا ميسترال