|
|
الكتابات المنشورة تعبر عن رأي اصحابها - الرقيب ضمير الكاتب |
||
|
10 تموز 2008 |
|
خدعة التحرير تحول دون الاستقلال وتصادر السيادة
كتابات - حمزة الكرعاوي
لما دبًّر الاتحاديون وسائل التنكيل بالعرب فساقوا رجالهم الى ميادين القتال في القفقاس ، وشنقوا عدداً من زعماء أحرارهم في سورية والعراق ، ونفوا أطفالهم ونساءهم الى مجاهيل الافاق ، وأعلنوا سياسة التتريك الصريحة ، تأجج الشعور العربي ، فعزمت بريطانية أن تستفيد من الهوة السحيقة التي ولدتها هذه الاضطهادات بين الامبراطورية العثمانية والاقوام التابعة لها ، فتفاهمت مع الحسين بن علي شريف مكة المكرمة ، وسعت الى دعوة ضباط العرب الذين كانوا في الجيش العثماني فوقعوا في الاسر البريطاني ، وبعد محاولات كثيرة استطاعت بريطانية أن تقنع هؤلاء الضباط بسلامة دعوتها من الخديعة ، وعدم وجود نية لاستخدامهم في مصالحها الخاصة ، أو خيانة رابطتهم السابقة بالدولة العثمانية ، قاصدة بذلك تقوية الشريف حسين بن علي الذي حالفته على أساس تحرير العرب وضمان وحدة بلادهم ، وامدته بالمال والعتاد فقبل الدعوة من قبلها ، ورفضها من لم يؤمن باخلاصها ، فكان يوم 9 شعبان سنة 1334 للهجرة و10 حزيران سنة 1916 للميلاد ، يوماً مشهوداً تفككت فيه أواصر الجامعة الاسلامية ، وتزعزعت أركان الامبراطورية العثمانية ، وامتزج الدمان العربي والافرنجي في ساحات ا لقتال للتغلب على الترك في عقر دارهم ( وما ظلمناهم ولكن كانوا انفسهم يظلمون ) سورة النحل الاية 118 .
ونادى الشريف حسين بن علي بنفسه ملكا على العرب فلم يقر نداءه زعماء العرب الاخرون ، فالملك ابن سعود يقول انه إحتج على إعلان الملك حسين نفسه ملكاً على العرب ، فتدخل الانكليز في الامر ، وفي الوقت نفسه إضطروا الملك حسيناً الى إلغاء اللقب الجديد مكتفياً بملكية الحجاز .
وكان في من إنضم الى الملك حسين من رجالات العرب ، عزيز علي المصري ، والمعروف عن عزيز علي أنه كان يرى وجوب تنظيم علاقات العرب بالانكليز وحلفاءهم على أسس متينة ، وأن تكون مساعداتهم للجيش العربي مساعدة حقيقية فيلعب دوراً رئيسياً فيما يعهد إليه في الحرب ، فكان نصيبه أن نُحِّي من الخدمة ، وأن العلاقات بين العرب والحلفاء بقيت مضطربة .
وكان الامير فيصل ، ثالث أنجال الملك حسين ، الرجل الوحيد الذي استطاع أن يفرض شخصيته على من إتصل به من رجال العرب والحلفاء ، وقد وفق في التفاهم مع قيادة الحلفاء على أن يكون للجيش العربي دوره الخاص في فتح سوريا ، وإضطلاع رجاله بادارتها ، وكان فيما ساعده على ذلك الوعي العربي في سقي بردى ، وشموله كافة طبقاته وطوائفه ، وميل الحكام الترك أنفسهم الى تسليم البلاد السورية عند انسحابهم عنها الى العرب .
وكان فيصل شاعراً بصعوبة حمل والده على مقابلة مكر الحلفاء بمثله ، أو إرجاعه عن آراءه لصلابة عوده ، فأراد ان يوجه السياسة السورية بحكمته ، ولكن دسائس الفرنسيين وتهوراتهم احرجت وضعه فلجأ الى مجابهتهم بفرض الامر الواقع ، فقرر المؤتمر السوري في جلسته المنعقدة في 8 آذار سنة 1920 م ، المناداة بفيصل بن الحسين ملكاً على سورية ، وبأخيه عبد الله ملكاً على العراق ، فتنكر له الفرنسيون ، وأبى الانكليز أن يعاونه ، فانتهى الامر الى مأساة ميسلون في 25 تموز من هذه السنة ، وكان الملك حسين قد انزعج من المناداة بنجليه فيصل وعبدالله ملكين على سورية والعراق ، لانه ( وجد أن سلطته أخذت تتقلص بازدياد عن طريق أبناءه الطامحين ) .
فاضطر الامير ( الملك ) أن يغادر( دمشق ) الى ( درعا ) فانذرته القيادة الفرنسية بوجوب مغادرتها فوراً ، وهددته بقصف المدينة اذا بقي فيها ، كما ألقت طائراتها منشورات على ( درعا ) وقرى حوران تحث فيها على إخراج فيصل من ديارهم و إلا تعرضوا للقصف ، فسافر الى حيفا فبور سعيد فميلانو ، أحد الثغور الايطالية على البحر المتوسط .
وكان العراق يموج بثورة هائلة في تلك الشهور ، ويطالب سلطات الاحتلال البريطانية بالاستقلال ، وتأليف حكومة عربية ، محتجاً بالوعود التي قطعتها بريطانية للملك حسين ، وبشروط الرئيس ولسن المختصة بتقرير المصير ، وبتصريحات الحلفاء حول تحرير الشعوب المظلومة ( التي طالما رزحت تحت أعباء استعباد الترك تحريراً تاماً نهائياً ، وتأسيس حكومات وادارات وطنية تستمد سلطتها من رغبة السكان الوطنيين أنفسهم ، ومحض اختيارهم ) .
وكان وجه الحق ساطعا متلألأً خلال هذه الاحتجاجات التي تتلألأ كأشعة الشمس ، وتزداد لمعاناً ووضوحاً كلما إزدادت التضخيات ، وتأججت نيران الحماس والجهاد في ربوع الرافدين للثورة المعروفة ( ثورة العشرين ) واذا بالانكليز يتجهون الى الامير فيصل ، مطمئنين الى أن خيبته في سوريا ضمان لاتئاده في سياسته ، وحذره من الاندفاع في التصادم معهم ، وله من شخصيته التي برزت في الحجاز وسوريا ما يطمنهم على نجاحه في توجيه السياسة العراقية ، توجيهاً يضمن مصالحهم الرئيسية في العراق ، ويُرضي العراقيين في الوقت نفسه ، أو يكفل على الاقل السيطرة على هذا البركان المتأجج الذي كبدهم خسائر جسيمة في الاموال والارواح .
واُستُدعي الامير العربي الى لندن فبلغها في 2 كانون الاول سنة 1920 م . فتم الاتفاق بينه وبين الجهة البريطانية على أن يوسد عرش العراق ، فيؤلف فيه حكومة عربية مستقلة تحت الانتداب البريطاني ، وفقاً للقرار الذي إتخذه مجلس الحلفاء الاعلى في جلسته المنعقدة في ( سان ريمو ) في 25 نيسان سنة 1920 م . وكان جلياً أن العراقيين يابون التسليم بفرض الانتداب عليهم ، فتوصل الطرفان الى حل أخر ، هو أن تعقد معاهدة بين العراق وبريطانية تصاغ فيها بنود الانتداب صوغاً ( كان المستر مونتاكو أول من إقترح مشروع معاهدة تعقد بين بريطانية وحكومة عربية تشكل في العراق ، وكان تأريخ إقتراحه 17 مايس 1920م بعد فرض الانتداب البريطاني في العراق بأقل من شهر ومما جاء في إقتراحه أنه : إذا أريد إجتثاث التحريكات الوطنية من عروقها ، واذا أريد تأسيس حكومة صديقة تتعاون مع بريطانية في العراق فإن إتخاذ خطوة أخرى في تحديد العلاقات بين البلدين قد يكون ضرورياً فتجري محاولة تطمين أماني البلاد الوطنية بجعل العلاقات المصادق عليها بشروط الانتداب مقنعة بكل معاهدة تحالفية ) ولم يكن من اليسير على بريطانية إسكات العراقيين لو لا لباقة الملك فيصل ، وما اثارته شخصيته من آمال في تطور العلاقات البريطانية - العراقية عن طريق التفاهم السياسي بين حكومة صاحب العرش والحكومة البريطانية ، غير أننا سنرى الملك فيصلا لم تفقده نكبة سورية جرءته الادبية ، ولم تثنه عن إقدامه السياسي . كما أن الشعب العراقي لم ينخدع بأساليب السياسة البريطانية ، ولم تنطلِ عليه حيلها ودسائسها .
فقد شعر فيصل من أول وهلة أن العراق بلد صعب المراس ، لايُكبح إندفاعه للتحرر من كل نفوذ اجنبي ، ولايتردد عن التضحية بكل عزيز لديه حتى يبلغ هدفه ، لهذا ابى فيصل أن يصبح آلة صماء بيد السياسة البريطانية تسيره كيفما شاءت مصالحها ، فلا يكون مقامه إلا كمقام أي مهراجاً هندي ، مهما عزَّ على بريطانية ، بل كان احيانا يعرض عرشه للخطر . وعندما يضيق ذرعا بين تقلب الانكليز وتصلب العراقيين ، وهو لاشك في جانب مصلحة العراق ، والتعرض للخطر أمر تأباه شخصيته القومية وينافي مطامحه ، لذلك كان لا ينفك يسعى بين ضمان المصالح الانكليزية وإسترضاء الشعب العراقي .
إختار فيصل طريقاً وسطى بين إندفاع العراقيين للظفر بالسيادة الكاملة ، ومحاولة البريطانيين فرض إرادتهم لحماية مصالحهم . وقد ساعده على سلوك هذه الطريق الوسطى مواهبه السياسية ، وخبرته بشؤونها ، وظروف العراق الخاصة بعد إنتهاء ثورته ، فقبض على زمام الاتجاه السياسي في البلاد بنجاح تام ، وإتصل بالمتطرفين من الوطنيين فتزعمهم ، وكان العامل الاكبر في تكوين الاحزاب السياسية ، والاحتجاج على السياسة البريطانية بين حين وآخر ، وأنه في الوقت نفسه كان يقنع الساسة البريطانيين بضرورة إنصاف العراقيين وتحقيق مطالبهم الوطنية ولو بصورة شكلية ، وبخطوات بطيئة ، مؤكداً لهم ضمان مصالحهم الامبراطورية الحيوية في العراق .
ولا بد من أن نثبت هنا صفحة خالدة من صفحات الكفاح القومي العربي . فقد ثار العرب في وجه الترك للحصول على إستقلالهم ووحدة بلادهم . ومهما يكن من معونة الحلفاء لهم ، أو من إستغلال الحلفاء إياهم ، فقد خرجوا من الحرب العالمية الاولى ولهم كيان ظاهر بين الشعوب المتطلعة الى الحرية ، فإذا كانت الثورة الحجازية قد فشلت في تحقيق أهدافها فقد ظهر الوعي القومي في سورية ، وقبل أن ينهار الحكم الفيصلي فيها ، تأججت نار الثورة العراقية الكبرى ، وأعقبتها الثورة السورية ، ولاتكاد تنقطع الثورات الفلسطينية ، وما التصادم المسلح بين الجيش العراقي والبريطاني في 2 مايس سنة 1941 م ، إلا صفحة من صفحات الكفاح العربي المستمر ، ناهيك عن الجهاد في شمال إفريقية ، وفي سائر أجزاء الوطن العربي ، والمعاهدات كانت ميداناً لنزاع شديد بين شعب طامح في سيادته الوطنية ، ودولة من اقوى الدول تريد تأمين مصالحها في بلاد هذا الشعب بالقوة ، فتتفن في صياغة العبارات المعسولة ، والمظاهر الخلابة تصوغها في المعاهدات والاتفاقيات على صور لاتقرها المصطلحات الدولية ، وليس فيها غير التسويف والمماطلة بالاعتراف بحقوق أبناء البلاد في بلوغ أهدافهم القومية .
خدعة التحرير تحول دون الاستقلال وتصادر السيادة ، وتنهب خيرات شعب لتجعله يلجأ الى البحث عن لقمة العيش ، وتتحول شعارات التحرير الى تدنيس القرآن وإنتهاك المقدسات والاعراض ، وديمقراطية الغزاة الجدد ليس فيها إلا مشاهد الدم ، خلفت وراءها أكثر من مليون شهيد غالبيتهم من الاطفال والنساء ، والالاف الايتام والارامل .
الفرق بين عراق الامس وبين عراق اليوم ، كان هناك رجال استعدوا للشهادة في سبيل الكرامة ، واستطاعوا ان يقنعوا المرجع أنهم قادرون على الجهاد لاخراج المحتل مع الحفاظ على الامن والممتلكات ، كان هناك سيد علوان الياسري محرك الثورة ، وشعلان أبو الجون أول من أطلق الرصاص ، وكانت رصاصته هي الاولى التي أشعلت الثورة ، وغثيث الحرجان و عبد الواحد الحاج سكر وغيرهم من الابطال الذين لم تخيفهم تهديدات الغزاة ، ولم يهابوا الموت من أجل الكرامة والتحرير ، وكل واحد منهم جعل من دمه شمعة تنير الطريق للاجيال .
أما عراق اليوم فأصبحت فيه كل الامور مخالفة لفطرة الانسان ودين الله وإرادة وكرامة الشعوب التي تريد الاستقلال ، حيث أصبح الاحتلال تحريراً ، ونهب الثروات طريقاً للديمقراطية ، والمقاومة عاراً وخزياً ، وفقهاء الامة صاموا عن الكلام ، وتخشى الامة على حياتهم ووضعت كل الامكانيات للحفاظ عليهم ، وعلى ابناءهم ، بخلاف مراجع الامس ( ثورة العشرين ) الذين قدموا أولادهم للتضحية والنفي ، وتقدموا الصفوف لقتال الغزاة ، ومنهم من مشى مسافات طويلة ليقف مع المقاتلين لينتزعوا إستقلالهم بقوة السلاح والارادة التي تسلح بها الابطال وكبدوا بريطانية الخسائر البشرية والمادية .
الغزاة جاؤوا مرة أخرى والوعود والخدع هي هي ، والذي تغييرهو الاسماء فقط ، العملاء هم أنفسهم في عراق الامس وعراق اليوم وإن تباينت أسماءهم ، وكذلك تباينت الالفاظ لكن المعنى واحد وهو تخدير الناس لغرض سرقة ثرواتهم ، وأصبح البحث عن أسلحة الدمار الشامل ، وتغيير النظام ، وبناء العراق والحرية وغيرها من الالفاظ بيعٌ للعراق .
من اليوم الاول بدأت شركات أمريكا وبريطانية بنهب ثروات العراق وخصوصاً النفط ، لماذا جاء رعاة البقر الذين لايملكون اي حضارة لتدمير حضارة وادي الرافدين ، لان تأريخهم الاسود معروف وحافل بالجرائم والابادات الجماعية بحق الشعوب .
ماذا لو خرج شعلان أبو الجون ورآى شيوخ عشائر الفرات الاوسط يحمون ظهر قوات الاحتلال ويؤمنون لها الطرق الخارجية ؟ وماذا لو خرج اليوم عبد الواحد الحاج سكر ورآى آل فتلة لايحركون ساكنا ، وهم ينظرون للاجانب يدنسون قرآن محمد ص ، وماذا لو خرج كل زعماء ثورة العشرين وشاهدوا بعض رجال العراق يهينون دماءهم بإحتفالية رخصية في الذكرى الثمانين لثورة ( المكوار ) وهم سجدا لمن استبد بهم ؟.
ماذا يقول العراقيون للمرحوم باقر الحلي صاحب هذه الابيات :
بني يعرب لا تأمنوا للعدى مكرا خذوا حذركم منهم فقد اخذوا الحذرا
يريدون فيكم بالوعود مكيدة ويبغون إن حانت بكم فرصة غدرا
فلا يخدعنكم لينهم وتذكروا أضاليلهم في الهند والكذب في مصرا
ومن مات دون الحق والحق واضح إذا لم ينل فخرا فقد ربح العذرا
ماذا لو خرج شيخ الشريعة وشاهد المحتلين يغتصبون الطفلة عبير قاسم الجنابي في ذكرى ثورة العشرين ويقتلونها ويحرقون جسدها الطاهر .
ماذا لو علم الشيرازي والخالصي والبغدادي والحبوبي أن قرآن محمد ص يبول عليه الامريكان ؟ وأين ( كرامتنا من الله الشهادة ، وهيهات منا الذلة ) ؟.
يتحدث مثقفونا عن انتخابات وكأن العراق في وضع طبيعي ، فنقول لا ولم ولن يتغير شئ بإنتخابات ، فاز أو خسر العملاء ، تغيرت وجوه بمجئ أخرى فإن النتجية هي سيطرة المحتل وإدارته دفة الامور في بلد خطط لاحتلاله منذ عدة عقود ، لايخرج المحتل الا اذا شعر أن الثمن باهض ومكلف ، والدماء التي سالت غدرا لو كانت موجهة ضد الغزاة لما بقي احد منهم .
المشكلة الكبيرة والخطيرة هي تضليل الناس وتثقيفهم ثقافة الخنوع والانهزام النفسي من قبل مراجع وضعوا كل إمكانيات الدين في خدمة المستمر .
المصدر : تاريخ العراق السياسي الحديث للسيد المرحوم عبد الرزاق الحسني ج 2 ص 5 .
|