|
|
الكتابات المنشورة تعبر عن رأي اصحابها - الرقيب ضمير الكاتب |
||
|
10 تموز 2008 |
|
النساء في حياة الأدباء - 5 جواد الحطاب : في زوجتي صورة أمي !
كتابات - وارد بدر السالم
* حفيف الحرير يسيل دموع بعض النساء شيلر
* المرأة كالإعلان يحقق غايته بالتكرار "دورانت"
* وحدها المرأة هي التي علمتني ما هي المرأة .. ؟ "رديارد كبلنج"
* المرأة آلة ألكترونية دقيقة الصنع . .؟ (....) * المرأة مخلوق مليء بالحنان والرقة عندما يشاء . .؟ "جوزي فيرر"
• كل مَن عاشر إمرأة ـ دون إذني ـ عدوّي بهذه النرجسية الشعرية يواجه ( جواد الحطاب ) الجمع الذكوري بطريقة الإستفزاز المباشر، وفي جل شعره يتعامل هذا الشاعر مع المرأة على أساس كينونتها الأنثوية التي يكتشفها هو دون غيره كعادة الشعراء المولعين في نمط معين من الكتابة الشعرية ولنا من الأمثلة ما نشاء في قديم الشعر وحديثه. الحطاب الذي ناهز العقد الخامس لما يزل طفلاً . فالأطفال لا يكبرون مهما تقادمت عليهم السنوات ..ولا تبدو علاقته بالمرأة شعرياً وحياتياً عابرة ؛ لأنها مرتبطة بخوف قديم أساسه الطفولة المتعلقة بين كلماته وصوره الشعرية التي تحفل بها كتبه الشعرية والنثرية. وهنا يكشف الحطاب أساس خوفه القديم الذي قاده الى مملكة النساء . أصدر الحطاب عدداً من المجموعات الشعرية أبرزها : ( يوم لإيواء الوقت ) و( شتاء عاطل ــ دار أزمنة في الأردن ) و ( إكليل موسيقى على جثة بيانو ) كما أصدر كتابين نثريين هما :( إنه الوطن..إنه القلب ) و( يوميات فندق ابن الهيثم ) وهما يومياته في الحرب . ولديه الكثير من الكتابات القصصية والشعرية للأطفال.. لم يكن هذا اللقاء جديداً بل مضت عليه أعوامٌ طويلة ، لكن الحطاب وهو يكبر تبقى عيناه مشدودتين الى الشعر والجمال والمرأة في هذه الثلاثية الراقية جمالياً وإنسانياً..
• يصفونك بأنك شاعر مغرور .. لاسيما في ما تكتبه عن المرأة ..الى أي حد ينطبق على شعرك هذا الوصف ؟
• أي شاعر عاشر القدر الكبير من النساء اللواتي عاشرتهنّ في مراحل عمري كلها ؛ لابد أن يكتب مثل ذلك ، لا بقصد الكتابة عن النساء وتعمد ذلك ، إنما التسرب اللاواعي واللاشعوري يدعوني للكتابة عن المرأة ؛ لأنها الرديف للخوف الذي زامنني طوال عمري ؛ ومنذ طفولتي كان الخوف متسرباً في داخلي لأننا كنا نسكن في منطقة قروية تدعى ( الفيصلية ) في محافظة البصرة . وهي عبارة عن أكواخ متباعدة وكانت منطقة لصوص وغزاة ليل . وكان أبي عسكرياً يتركنا ليالي طويلة ، أنا ووالدتي والليل والخوف والبيوت الساكنة على أحزانها… لكن إحساسي بالأمان بدأ مذ تعرفت على إبنة الجيران وأنا في سن الخامسة ! حيث كنا نلعب كطفلين بريئين وكنت ابكي عندما تأتي أمي لتأخذني منها ، ولن أسكت إلا بإرجاعي إليها .. وربما كانت هذه ( الحيلة ) إحدى نوازع الأمان الذي عرفته في المرأة مبكراً …
** ولكن ما تذكره كان مرحلة مبكرة جداً وأنت بعد لم تكن شيئاً !!
• لا بد من الوقوف عند هذه المحطة ، لأنها الأساس الأول الذي علّمني أن الخوف تدرأه المرأة عن الرجل ! ولعل حياتي القادمة تؤكد مصداقية هذا الرأي الأول الذي تعلمته من المرأة وأنا في سن صغيرة جداً وقبل أن أكون شاعراً..
** وماذا في المرحلة الآتية …؟ • تركنا (الفيصلية) بحكم عمل والدي كعسكري . وزرنا مدناً عراقية كثيرة . وكان إحساسي بالمرأة يتنامى مع الخوف الذي ظل يطاردني . وكانت ( المدن ) التي نسكن فيها تنظر إلينا كوافدين من الجنوب ؛ مكتظين بالأمراض الصدرية والتخلف والوساخات . وكنا ضيوفاً غير مرغوب فيهم . مما شكّل في داخلي مخاوف لا تحصـى ، فكنت وأنا صبي التجيء الى البنات فهنّ أكثر أماناً ؛ وهذا المحيط المديني قادني الى أن أحمي نفسي بالألعاب الرياضية التي لم تكن تناسبني كالملاكمة والمصارعة وكمال الأجسام ؛ ولكنني كنت أرمي الى هدفين : أولً أن أكون مهماً بنظر الآخرين . وثانياً أثير إعجاب الفتيات ..وهكذا كان المسلسل النسائي يبتدئ معي منذ مراحل مبكرة ؛ فتشكلت في داخلي آصرة حب للمرأة التي كنت أحتمي بها منذ طفولتي …ولحين الحرب التي كنت أشهد فيها موتي كل يوم طيلة ثماني سنوات . الحرب التي زرعت الخوف الأكبر في داخلي من أن تغادرني روحي فكان عليّ أن أمسك بتلابيبها جيداً ، وأحكِم قيدها بالنساء ؛ فتنامت النساء بقدر ما كان الخوف يتنامى طوال سنوات عسيرة من الحرب ..فكنت أكتب كثيراً عن المرأة ؛ إمرأة الطفولة وامرأة الصبا والشباب الأول ..وكما ترى فليس في الأمر ثمة غرور ، ولكنه خوف تكابر على خوفه فبلغ الشجاعة القصوى .
الخوف قادني الى الشعر
** أهذا الخوف هو الذي قادك الى الشعر أم المرأة ..؟
• الخوف أولاً ..وقد تستغرب من ذلك على أساس إن المرأة منذ عشتار وأفروديت وسلالات الآلهة القديمة والى الأغاني الهابطة في العصر الحديث هي التي تغذي نار الشعر ..خوفي الأول هو خلاصة خوف أمي وقد تسرب إليّ من خلال هدهداتها الليلية ، مما قادني لاحقاً أن أهدهد خوفي بأبيات الشعر القصيرة وبادعاء الشجاعة أحياناً ..وما زلت أتتذكر وأنا في المرحلة الإبتدائية إنني كتبت بعض الخربشات فكانت جائزة معلمي ( كفين ) على وجهي لأنه إعتقد إنني سرقتها من كتاب ما ؛ مما دعاني هذا التصرف أن أكتب ثانية لأردع المعلم ومن خلاله أردع الخوف المتأصل في داخلي..
** هل كانت تلك الكتابات الطفولية عن المرأة ؟
• المرأة جاءت لاحقاً ، حين اهتديت الى أن المرأة تحتاج الى مَن يربي شجاعتها بجمالها أو شخصيتها أو جسدها ..
في زوجتي صورة أمي
** ومَن هي إمرأة الشاعر ؟
• هي إمرأة مفترضة . ويكذب مَن يدعي أنها متحققة تحت هذا الإسم أو ذاك ، لأن المرأة التي تسكن روح الشاعر هي عادة فوق الصفات ؛ هي فكرة مفترضة كالجمال نفسه أو كالشعر ..لكن الشاعر يطارد شبيهتها في هذا الشكل أو ذاك … يستقر تحت هذا الظل أو يركض فوق رمال قرا عليها أثرا ما شبيهاً بالبصمات المتروكة على أجسادنا…
** كيف تسنى لك أن تختار زوجتك وأنت تكتب لنساء أخريات ؟!
• أعترف أني وجدت فيها صورة أمي ! فالشاعر يبقى طفلاً مهما كبر حتى تموت أمه فيكبر فجأة …والحمد لله لم تزل أمي على قيد الحياة ؛ لكن زمن الخيبات الذي يحيطنا من جهاتنا الأربع ويحتل أول ما يحتل أحلامنا ، يخيفني تماماً من أن أستيقظ ذات يوم فلا أجد تلك الطاهرة عند رأسي ، وكنت أهاجم هذا الهاجس وأنتصر عليه ببدائل مقترحة ، فاكتشفت المرأة التي أصبحت فيما بعد زوجتي ، فكانت وسيلة دفاع ناجحة لترميم داخلي فارتكبتُ المحبة عامداً متعمداً وتزوجت..
** في قصائدك لم تكن هناك صورة واضحة لأمك ؟
• الأمهات موجودات في قصائد ( ياسمين ) و( دعاء ) و ( شتاء عاطل ) . ولكن في كتابي النثري ( يوميات فندق ابن الهيثم ) ورد اسم أمي صريحاً… وفي هذا الكتاب كنت أخاطب الموت ، خوفي الأزلي ، وأقول له إن مَن إنتصرتْ عليك هي إمرأة صغيرة الحجم ، وادعة ..ليست مزنّرة بقنابل يدوية ولا تعرف ألأرض الحرام امرأة طيبة القلب اسمها : بدريه نعمه…..التي هي أمي..
** زوجتك متعلمة ومترجمة ولها صلة بالحياة الثقافية ..ما هو دورها في تعبئتك شعرياً وكيف تعاملتْ مع نزواتك ألـ……شعرية ؟!!
• لأستثمر هذه الفرصة وأنصف هذه المرأة التي تعبت معي وهيأت لي كل وسائل الإطمئنان ..تصوّر إن نساء كثيرات يتصلن ليلاً بها ويشكون من أن ( جواد الحطاب ) لم يعد يحبهنّ ! وبكل ما تملكه من روح ( أمومية ) كانت تطمئنهنّ وتقول لهنّ إن ( الحطاب ) نائم وهو بلا شك يتذكركنّ في نومه ! بمثل هذه الروح المتسامحة وغض النظر عن ( الحماقات ) المستمرة ، استطاعت زوجتي أن توفّر لي جو الكتابة لأنها تعرف إن أداة الكاتب والشاعر هي حماقاته النظيفة .
النساء أشجار الغابة
** إلى أين تريد أن تصل في مشوارك الشعري مع النساء ؟
* مرة كتبتُ : (( حمداً لله فقد خلق المرأة من أجلي )) لأن نِعَم الرب كثيرة ويحتاج تمجيدها الى أعمار متتالية. ولكني سأتناص مع لقبي ( الحطاب ) فأنا حطاب والنساء أشجار غابة . وكلما يتنامى غصن يحتاجني ..هناك أوراد وقطرات ندى وينابيع تحن الى لقاحات الحياة ..أستعين دائماً بالفراشات والطيور المهاجرة ، لكن روح الحطاب ؛ حارس نساء الغابة ؛ تستيقظ دائماً فتمنح الدفء للشجرة والغصن والعصفورة وقطرة الندى . والفصول التي تمر على الغابة في دورة أزلية تأخذني بدورانها ؛ لكني مدفوعاً بما لا أدريه أظل حارساً أبدياً لغابات النساء وموكولاً بالعناية بها .
دبي
|