الصفحة الرئيسية

كلمة كتابات

الكتابات المنشورة  تعبر عن رأي اصحابها - الرقيب ضمير الكاتب

زوايـــــا

دراسات

 kitabat@kitabat.com <<<  webmaster@kitabat.com

الارشيف

كتب

9  تموز  2008

ابحث في كتابات

 

اتفاقية الإذعان

كتابات - المحامي / سليمان الحكيم
 

بوش يفاوض بوش . هذه هي حقيقة مايجري اليوم بين السلطة العراقية والولايات المتحدة من محادثات للتوصل إلى الاتفاقية المزمع عقدها بين طرف أميركي سام - حسب مصطلحات القانون الدولي - وآخر عراقي في موقع أدنى بحكم أنه محتل . ومع أنه لم تتسرّب حتى اليوم أية معلومات قطعية تتعلق ببنود هذه الاتفاقية , إلا أن رفضها من قبل الغالبية العظمى من العراقيين ليس بسبب تفاصيل بنودها , ولكنه الرفض المبدئي لكل أشكال الوصاية والهيمنة على بلد عمره من عمر التاريخ , فُطر شعبه على الحرية والإباء والعزة الوطنية وكراهية الأجنبي الذي اقتحم الوطن بلا دعوة وعلى غير إرادة أهله . وفي ظني أن هذه الاتفاقية سوف تتمحورحول الشؤون العسكرية و الاقتصادية والسياسية والأمنية والنفطية . ومن المؤكد أنه ما من مفاوضات - بالمعنى الفني والحرفي للكلمة - تجري بين الطرف العراقي ونظيره الأميركي, ذلك أن أحداً من السلطة العراقية لا يملك رفض أو تعديل بند رئيسي مما وضعه الأميركيون , وكل جهد الطرف العراقي المفاوض - وهو طرف كردي بالدرجة الأولى - منصبّ على تجميل النصوص الفجة بما لا يمس جوهر المطالب الأميركية , كتلك المتعلقة على سبيل المثال بقوات المرتزقة العاملين في الشركات الأمنية . وعلى وجه اليقين فإن الاتفاقية لن تكون محددة بمدة زمنية قصيرة , وبكل بساطة فإن وزير خارجية العراق يكذب على العراقيين عندما يزعم أنها ستسري لمدة عام واحد أو عامين , بدليل العقود الأميركية المطروحة للتلزيم وبمداها الزمني . فعلى سبيل المثال تبحث سلطة الاحتلال الأميركي اليوم عن متعاقد لتزويد القوات الأميركية بالمواد الغذائية وبمياه الشرب , ومن شروط هذا العقد أن يتم استيراد اللحوم من شركة ساديا السعودية تحديدا , وتسري مدته لخمس سنوات بدءاً من شهر آب المقبل . وعلى سبيل المثال أيضاً فإن سلطة الاحتلال قد وقّعت عقداً مع مقاول خليجي مدته سبع سنوات لصيانة ألف شاحنة من طراز مرسيدس , ومنحته من أجل هذا الغرض أرضاً مساحتها عشرون ألف متر مربع في محيط مطار بغداد الدولي , وقد بنى الرجل حظيرة معدنية هائلة بكلفة نصف مليون دولار, وهو اليوم يعرض بيع العقد لمقاول من الباطن بقيمة خمسة ملايين دولار , لأنه على حد زعمه قد احتسب قيمة المنشآت التي أقامها وزاد عليها هامش ربحه مضافاً إليه نصف مليون دولار دفعها رشوة للعقيد الأميركي الذي منحه هذه المقاولة . وهذه الأمثلة تقطع بأن الولايات المتحدة ليست في وارد الإنسحاب من العراق على المدى المنظور إلا إذا كانت كلفة البقاء فيه - من أرواح جنودها ومن مصالحها - أعلى مما تطيقه , وهو أمر لم تلح بشائره حتى الآن .
ولسوء الحظ ليس أمام العراق ليتحرر من الاحتلال وأعوانه إلا طريق الدم والدموع , ولا يبدو حتى اليوم أن القوى الحية في العراق قد حددت ملامح هذا الطريق فضلا عن الإطلالة على مشارفه . وفي ظني أنه من العبث انتظار أي قبس من نور أو شذى من أمل , من السلطات العراقية سواء التنفيذية منها أو التشريعية . فالسلطة التنفيذية وعلى عكس كل ما تحاول إيهام الناس به عن قدرتها على اتخاذ قرار عراقي مستقل , فإنها لا تجرؤ على معارضة الإدارة الأميركية . وللأسف فإن جميع رجال هذه السلطة - وبلا استثناء - قد وقعوا في إسار السيطرة الأميركية عليهم من خلال مثالبهم التي وثقتها الأجهزة الأمنية الأميركية . بل أن بعض العاملين في موقع قريب من السيد نوري المالكي , متورط بفضائح أخلاقية من العيار الذي يقود صاحبه إلى الإنتحار, وقد سجلته تلك الأجهزة صوتاً وصورة وتحتفظ به ليوم حاجتها إليه . وبعض رجال الحكومة لن يكون أمامه إلا التواري عن أنظار القريب قبل البعيد , لو أفصحت تلك الأجهزة عن مدى انغماسه في الفساد والتجرد من أية قيمة وطنية أو حتى دينية .
وتملك السلطة التشريعية - نظريا - القدرة على رفض الاتفاقية مع الولايات المتحدة , ولكن المشكلة في ممثلي هذه السلطة , أن الذين يملكون القدرة لا يملكون الإرادة , والذين يملكون الإرادة لا يملكون القدرة ! فمجلس النواب منقسم في واقع الأمر حول هذه الاتفاقية بين أقلية وأكثرية :
- أقلية من النواب فيهم المقتدائيون والكتلة العربية , يرفضونها لأسباب تخص ارتباطاتهم الخارجية , ومصالحهم الداخلية, وهي جميعا أسباب لا تمت بصلة إلى وجه الله والعراق .
- أكثرية النواب وهم ينتمون إلى الأكراد وكتلتي الائتلاف والتوافق . والأكراد يزاودون على إدارة بوش في منافحتهم عن هذه الاتفاقية وحماسهم لها , فهم يعرفون تماما أن مصيرهم بات مرتبطاً باستمرار الاحتلال الأميركي , وأن لحظة استعادة العراق لإرادته , ستنهي الجيب السرطاني الذي أقاموه في شماله . وأما كتلة الإئتلاف فإنها في موقف محرج , فهي لا تحتمل لأسباب إيرانية أن تمرر هذه الاتفاقية كما صاغتها الإدارة الأميركية , ولا تقدر أيضاً لأسباب أميركية أن ترفضها كمبدأ , كما يطالبها الوليّ الفقيه في إيران . وهي بين موقفي عدم الاحتمال وعدم القدرة , مضطرة لتعريض الاتفاقية لعملية تجميل وقص ولصق , والخروج بصيغة لا تستفز الراعي الإيراني , ولا تغضب وليّ النعم الأميركي . ويتبقى جبهة التوافق التي يتسق موقفها مع إشارات وإملاءات الوصيّ الممول السعودي وتوابعه الخليجية , فهو يريدها شريكا فاعلا في القرار السياسي العراقي, بحيث أنها لو عجزت عن تثبيته باتجاه بوصلة المصالح والثوابت السعودية , فإنها على الأقل قادرة على توجيهه بما لا يتعارض معها . وفي كل الأحوال , فإن السعودية ليست في موقف يسمح لها بالطلب من الآخرين رفع بيارق الوطنية , ورفض التبعية الأميركية .
............................................
............................................
لا تخلو دولة عربية واحدة من دول الخليج العربي , من قاعدة عسكرية أميركية نتجت عن اتفاقية مع الولايات المتحدة . فالسعودية على سبيل المثال قد وقعت مثل هذه الاتفاقية منذ ستينات القرن الماضي , ولا زالت الولايات المتحدة حتى يومنا هذا - برغم النفي السعودي المتكرر - تمتلك قواعد بحرية وجوية في هذا البلد , فهي تمتلك قاعدة فهد البحرية على شاطيء مدينة جدة , وعدة قواعد جوية منتشرة في كل أرجاء المملكة كقاعدة سلمان في جنوب الرياض , والهفوف والدمام والخُبر وتبوك وينبع و الطائف , وقاعدة عبد العزيز في الظهران , والملك خالد في أبها . وللولايات المتحدة مع دولة الإمارات اتفاقية حازت بموجبها على قاعدة في جبل علي مخصصة لتخزين العتاد العسكري , و قاعدة الظافر الجوية في أبو ظبي وأخرى في مطار الفجيرة الدولي , بالإضافة إلى تسهيلات بحرية في موانيء الفجيرة ودبي . وللبحرين أيضا حصتها من الوجود العسكري الأميركي , فهي منذ سبعينات القرن الماضي قد منحت الولايات المتحدة قاعدة بحرية مساحتها 40 كلم2 في ميناء سلمان , وقواعد مماثلة في المحرّق والشيخ عيسى والجفير . وتحوز قطر منذ عام 1990 على قصب السبق في الرضا الأميركي , ففيها قاعدة السيلية , وقاعدة العديد التي تحتوي على أكبر مدرج للطائرات في الشرق الأوسط , وتتصل هذه القاعدة بخور العديد حيث مقر القيادة المركزية الأميركية , وهي أكبر قاعدة أميركية خارج أراضي الولايات المتحدة . والمدهش أن نهم الولايات المتحدة إلى اتفاقيات عسكرية وأخرى تمنح الحصانة لرعاياها وجنودها على الأرض العربية , تعود إلى عام 1816 عندما فرض الأسطول الأميركي على والي مدينة الجزائر بعد أيام من القصف المدمر للمدينة , توقيع اتفاقية تتضمن منح التجار الأميركيين تسهيلات خاصة وحصانة كاملة من طائلة القانون . وفي عام 1833 , فرض الأسطول الأميركي على سلطان عُمان توقيع اتفاقية صارت أميركا بموجبها الدولة الأولى بالرعاية في عُمان , وتمتع رعاياها بالحصانة من الملاحقة القضائية , وحصلت سفنها على عون السلطنة وإعالة طواقمها على نفقتها . وتواصل هذا الاستغلال في عهد عُمان الحديثة التي منحت الجيش الأميركي تسهيلات بحرية في ميناء صلالة , وقواعد جوية في مطارات قابوس والسيب والمثنى ومصيرة . وأخيرا يجب أن نذكر أن الكويت ومصر واليمن لم تغرّد خارج السرب العربي , بل ساهمت أيضا في المهرجان الأميركي ومنحت قواته تسهيلات وقواعد على أراضيها . والجميع هنا يتأسّى بما مجموعه 63 بلدا في أرجاء المعمورة , تنتشر فيها 737 قاعدة أميركية !
.......................................
.......................................
يجب أن نتذكر أن العراق لم ينل استقلاله الحقيقي إلا عندما طرد القواعد البريطانية من الشعيبة والحبانية بعد ثورة 14 تموز 1958 , وإلا عندما أمم نفطه في عام 1972 وباتت ثروته ملك يمينه بدءاً من مرحلة إنتاجها وحتى تسويقها . ولقد عقد العراق في تاريخه القريب اتفاقيات عسكرية وأمنية واقتصادية وسياسية مع العديد من الدول ولعل أهمها الاتحاد السوفييتي الذي كان أحد القوتين الأعظم في العالم , وبرغم التباين الهائل في الحجم والوزن بين الدولتين , فلم تكن هناك شبهة استغلال أو ارتهان سياسي في تلك الاتفاقيات التي أعطت العراق سدوداً ومصانع وقوات مسلحة حديثة وقادرة , في حين أن الاتفاقية المزمع توقيعها قبل الفاتح من آب المقبل مع الولايات المتحدة - إذا توخينا الدقة فإنها الاتفاقية التي ستفرضها علينا الامبراطورية - هي اتفاقية بين بلد فاقد للسيادة ولأهليته القانونية وعلى شفا الإنهيار كالعراق, وبين القوة الأعظم في عالم اليوم والتي تجثم بجيوشها على أرضه ومياهه وسمائه . إنها ليست اتفاقية بين طرفين سيدين يقفان معا على قدم المساواة من وجهة نظر القانون الدولي برغم كل ما يقوله ويدعيه بعضهم , ولكنها اتفاقية إذعان ترفضها على وجه اليقين الغالبية الصامتة والساحقة من الشعب العراقي - بدليل أن وسائل التعبير العراقية كافة قد خلت من صوت واحد مؤيد لها , بالضبط مثل المصافحة الكردية للجنرال إيهود باراك و التي لم يساندها صوت عراقي ذو قيمة - في حين أن من يتولى كبر هذه الاتفاقية من المحسوبين زورا على العراقيين , هم أشبه بمن يأخذ بيد طارق ليل ليقوده إلى حيث ينتهك حرمات الدار التي تأويه .

9 - 7 - 2008