|
اتفاقية الإذعان
كتابات
- المحامي / سليمان الحكيم
بوش يفاوض بوش
. هذه هي حقيقة مايجري اليوم بين السلطة العراقية والولايات المتحدة من
محادثات للتوصل إلى الاتفاقية المزمع عقدها بين طرف أميركي سام - حسب
مصطلحات القانون الدولي - وآخر عراقي في موقع أدنى بحكم أنه محتل . ومع أنه
لم تتسرّب حتى اليوم أية معلومات قطعية تتعلق ببنود هذه الاتفاقية , إلا أن
رفضها من قبل الغالبية العظمى من العراقيين ليس بسبب تفاصيل بنودها , ولكنه
الرفض المبدئي لكل أشكال الوصاية والهيمنة على بلد عمره من عمر التاريخ ,
فُطر شعبه على الحرية والإباء والعزة الوطنية وكراهية الأجنبي الذي اقتحم
الوطن بلا دعوة وعلى غير إرادة أهله . وفي ظني أن هذه الاتفاقية سوف
تتمحورحول الشؤون العسكرية و الاقتصادية والسياسية والأمنية والنفطية . ومن
المؤكد أنه ما من مفاوضات - بالمعنى الفني والحرفي للكلمة - تجري بين الطرف
العراقي ونظيره الأميركي, ذلك أن أحداً من السلطة العراقية لا يملك رفض أو
تعديل بند رئيسي مما وضعه الأميركيون , وكل جهد الطرف العراقي المفاوض -
وهو طرف كردي بالدرجة الأولى - منصبّ على تجميل النصوص الفجة بما لا يمس
جوهر المطالب الأميركية , كتلك المتعلقة على سبيل المثال بقوات المرتزقة
العاملين في الشركات الأمنية . وعلى وجه اليقين فإن الاتفاقية لن تكون
محددة بمدة زمنية قصيرة , وبكل بساطة فإن وزير خارجية العراق يكذب على
العراقيين عندما يزعم أنها ستسري لمدة عام واحد أو عامين , بدليل العقود
الأميركية المطروحة للتلزيم وبمداها الزمني . فعلى سبيل المثال تبحث سلطة
الاحتلال الأميركي اليوم عن متعاقد لتزويد القوات الأميركية بالمواد
الغذائية وبمياه الشرب , ومن شروط هذا العقد أن يتم استيراد اللحوم من شركة
ساديا السعودية تحديدا , وتسري مدته لخمس سنوات بدءاً من شهر آب المقبل .
وعلى سبيل المثال أيضاً فإن سلطة الاحتلال قد وقّعت عقداً مع مقاول خليجي
مدته سبع سنوات لصيانة ألف شاحنة من طراز مرسيدس , ومنحته من أجل هذا الغرض
أرضاً مساحتها عشرون ألف متر مربع في محيط مطار بغداد الدولي , وقد بنى
الرجل حظيرة معدنية هائلة بكلفة نصف مليون دولار, وهو اليوم يعرض بيع العقد
لمقاول من الباطن بقيمة خمسة ملايين دولار , لأنه على حد زعمه قد احتسب
قيمة المنشآت التي أقامها وزاد عليها هامش ربحه مضافاً إليه نصف مليون
دولار دفعها رشوة للعقيد الأميركي الذي منحه هذه المقاولة . وهذه الأمثلة
تقطع بأن الولايات المتحدة ليست في وارد الإنسحاب من العراق على المدى
المنظور إلا إذا كانت كلفة البقاء فيه - من أرواح جنودها ومن مصالحها -
أعلى مما تطيقه , وهو أمر لم تلح بشائره حتى الآن .
ولسوء الحظ ليس أمام العراق ليتحرر من الاحتلال وأعوانه إلا طريق الدم
والدموع , ولا يبدو حتى اليوم أن القوى الحية في العراق قد حددت ملامح هذا
الطريق فضلا عن الإطلالة على مشارفه . وفي ظني أنه من العبث انتظار أي قبس
من نور أو شذى من أمل , من السلطات العراقية سواء التنفيذية منها أو
التشريعية . فالسلطة التنفيذية وعلى عكس كل ما تحاول إيهام الناس به عن
قدرتها على اتخاذ قرار عراقي مستقل , فإنها لا تجرؤ على معارضة الإدارة
الأميركية . وللأسف فإن جميع رجال هذه السلطة - وبلا استثناء - قد وقعوا في
إسار السيطرة الأميركية عليهم من خلال مثالبهم التي وثقتها الأجهزة الأمنية
الأميركية . بل أن بعض العاملين في موقع قريب من السيد نوري المالكي ,
متورط بفضائح أخلاقية من العيار الذي يقود صاحبه إلى الإنتحار, وقد سجلته
تلك الأجهزة صوتاً وصورة وتحتفظ به ليوم حاجتها إليه . وبعض رجال الحكومة
لن يكون أمامه إلا التواري عن أنظار القريب قبل البعيد , لو أفصحت تلك
الأجهزة عن مدى انغماسه في الفساد والتجرد من أية قيمة وطنية أو حتى دينية
.
وتملك السلطة التشريعية - نظريا - القدرة على رفض الاتفاقية مع الولايات
المتحدة , ولكن المشكلة في ممثلي هذه السلطة , أن الذين يملكون القدرة لا
يملكون الإرادة , والذين يملكون الإرادة لا يملكون القدرة ! فمجلس النواب
منقسم في واقع الأمر حول هذه الاتفاقية بين أقلية وأكثرية :
- أقلية من النواب فيهم المقتدائيون والكتلة العربية , يرفضونها لأسباب تخص
ارتباطاتهم الخارجية , ومصالحهم الداخلية, وهي جميعا أسباب لا تمت بصلة إلى
وجه الله والعراق .
- أكثرية النواب وهم ينتمون إلى الأكراد وكتلتي الائتلاف والتوافق .
والأكراد يزاودون على إدارة بوش في منافحتهم عن هذه الاتفاقية وحماسهم لها
, فهم يعرفون تماما أن مصيرهم بات مرتبطاً باستمرار الاحتلال الأميركي ,
وأن لحظة استعادة العراق لإرادته , ستنهي الجيب السرطاني الذي أقاموه في
شماله . وأما كتلة الإئتلاف فإنها في موقف محرج , فهي لا تحتمل لأسباب
إيرانية أن تمرر هذه الاتفاقية كما صاغتها الإدارة الأميركية , ولا تقدر
أيضاً لأسباب أميركية أن ترفضها كمبدأ , كما يطالبها الوليّ الفقيه في
إيران . وهي بين موقفي عدم الاحتمال وعدم القدرة , مضطرة لتعريض الاتفاقية
لعملية تجميل وقص ولصق , والخروج بصيغة لا تستفز الراعي الإيراني , ولا
تغضب وليّ النعم الأميركي . ويتبقى جبهة التوافق التي يتسق موقفها مع
إشارات وإملاءات الوصيّ الممول السعودي وتوابعه الخليجية , فهو يريدها
شريكا فاعلا في القرار السياسي العراقي, بحيث أنها لو عجزت عن تثبيته
باتجاه بوصلة المصالح والثوابت السعودية , فإنها على الأقل قادرة على
توجيهه بما لا يتعارض معها . وفي كل الأحوال , فإن السعودية ليست في موقف
يسمح لها بالطلب من الآخرين رفع بيارق الوطنية , ورفض التبعية الأميركية .
............................................
............................................
لا تخلو دولة عربية واحدة من دول الخليج العربي , من قاعدة عسكرية أميركية
نتجت عن اتفاقية مع الولايات المتحدة . فالسعودية على سبيل المثال قد وقعت
مثل هذه الاتفاقية منذ ستينات القرن الماضي , ولا زالت الولايات المتحدة
حتى يومنا هذا - برغم النفي السعودي المتكرر - تمتلك قواعد بحرية وجوية في
هذا البلد , فهي تمتلك قاعدة فهد البحرية على شاطيء مدينة جدة , وعدة قواعد
جوية منتشرة في كل أرجاء المملكة كقاعدة سلمان في جنوب الرياض , والهفوف
والدمام والخُبر وتبوك وينبع و الطائف , وقاعدة عبد العزيز في الظهران ,
والملك خالد في أبها . وللولايات المتحدة مع دولة الإمارات اتفاقية حازت
بموجبها على قاعدة في جبل علي مخصصة لتخزين العتاد العسكري , و قاعدة
الظافر الجوية في أبو ظبي وأخرى في مطار الفجيرة الدولي , بالإضافة إلى
تسهيلات بحرية في موانيء الفجيرة ودبي . وللبحرين أيضا حصتها من الوجود
العسكري الأميركي , فهي منذ سبعينات القرن الماضي قد منحت الولايات المتحدة
قاعدة بحرية مساحتها 40 كلم2 في ميناء سلمان , وقواعد مماثلة في المحرّق
والشيخ عيسى والجفير . وتحوز قطر منذ عام 1990 على قصب السبق في الرضا
الأميركي , ففيها قاعدة السيلية , وقاعدة العديد التي تحتوي على أكبر مدرج
للطائرات في الشرق الأوسط , وتتصل هذه القاعدة بخور العديد حيث مقر القيادة
المركزية الأميركية , وهي أكبر قاعدة أميركية خارج أراضي الولايات المتحدة
. والمدهش أن نهم الولايات المتحدة إلى اتفاقيات عسكرية وأخرى تمنح الحصانة
لرعاياها وجنودها على الأرض العربية , تعود إلى عام 1816 عندما فرض الأسطول
الأميركي على والي مدينة الجزائر بعد أيام من القصف المدمر للمدينة , توقيع
اتفاقية تتضمن منح التجار الأميركيين تسهيلات خاصة وحصانة كاملة من طائلة
القانون . وفي عام 1833 , فرض الأسطول الأميركي على سلطان عُمان توقيع
اتفاقية صارت أميركا بموجبها الدولة الأولى بالرعاية في عُمان , وتمتع
رعاياها بالحصانة من الملاحقة القضائية , وحصلت سفنها على عون السلطنة
وإعالة طواقمها على نفقتها . وتواصل هذا الاستغلال في عهد عُمان الحديثة
التي منحت الجيش الأميركي تسهيلات بحرية في ميناء صلالة , وقواعد جوية في
مطارات قابوس والسيب والمثنى ومصيرة . وأخيرا يجب أن نذكر أن الكويت ومصر
واليمن لم تغرّد خارج السرب العربي , بل ساهمت أيضا في المهرجان الأميركي
ومنحت قواته تسهيلات وقواعد على أراضيها . والجميع هنا يتأسّى بما مجموعه
63 بلدا في أرجاء المعمورة , تنتشر فيها 737 قاعدة أميركية !
.......................................
.......................................
يجب أن نتذكر أن العراق لم ينل استقلاله الحقيقي إلا عندما طرد القواعد
البريطانية من الشعيبة والحبانية بعد ثورة 14 تموز 1958 , وإلا عندما أمم
نفطه في عام 1972 وباتت ثروته ملك يمينه بدءاً من مرحلة إنتاجها وحتى
تسويقها . ولقد عقد العراق في تاريخه القريب اتفاقيات عسكرية وأمنية
واقتصادية وسياسية مع العديد من الدول ولعل أهمها الاتحاد السوفييتي الذي
كان أحد القوتين الأعظم في العالم , وبرغم التباين الهائل في الحجم والوزن
بين الدولتين , فلم تكن هناك شبهة استغلال أو ارتهان سياسي في تلك
الاتفاقيات التي أعطت العراق سدوداً ومصانع وقوات مسلحة حديثة وقادرة , في
حين أن الاتفاقية المزمع توقيعها قبل الفاتح من آب المقبل مع الولايات
المتحدة - إذا توخينا الدقة فإنها الاتفاقية التي ستفرضها علينا
الامبراطورية - هي اتفاقية بين بلد فاقد للسيادة ولأهليته القانونية وعلى
شفا الإنهيار كالعراق, وبين القوة الأعظم في عالم اليوم والتي تجثم بجيوشها
على أرضه ومياهه وسمائه . إنها ليست اتفاقية بين طرفين سيدين يقفان معا على
قدم المساواة من وجهة نظر القانون الدولي برغم كل ما يقوله ويدعيه بعضهم ,
ولكنها اتفاقية إذعان ترفضها على وجه اليقين الغالبية الصامتة والساحقة من
الشعب العراقي - بدليل أن وسائل التعبير العراقية كافة قد خلت من صوت واحد
مؤيد لها , بالضبط مثل المصافحة الكردية للجنرال إيهود باراك و التي لم
يساندها صوت عراقي ذو قيمة - في حين أن من يتولى كبر هذه الاتفاقية من
المحسوبين زورا على العراقيين , هم أشبه بمن يأخذ بيد طارق ليل ليقوده إلى
حيث ينتهك حرمات الدار التي تأويه .
9 - 7 - 2008
|