الصفحة الرئيسية

كلمة كتابات

الكتابات المنشورة  تعبر عن رأي اصحابها - الرقيب ضمير الكاتب

زوايـــــا

دراسات

 kitabat@kitabat.com <<<  webmaster@kitabat.com

الارشيف

كتب

8  تموز  2008

ابحث في كتابات

 

البكاء المزمن

 

كتابات - جمال حافظ واعي

 

1

 

هكذا نحن من البكاء واليه ، قائمون به ومرتحلون الى اقاصيه ، فكل شيء عندنا مقترن بالبكاء والفجيعة ، من البكاء على الأطلال الى البكاء على الحال والمآل وعلى مافات وماسيأتي في لازمة ايقاعية بكائية تمتد من بكاء جلجامش على انكيدو لأنه رأى الموت امامه ذلك الموت الذي سيحرمه من ان يلعب بأوروك وابنائها على هواه ومزاجه !! الى بكاء متمم بن نويرة على اخيه مالك بن نويرة ثم صار العالم كله قبر مالك كما تقول قصيدته عنه ! الى بكاء الخنساء على اخيها صخر لأنه قُتل في احدى الغزوات وتحول هذا البكاء عندها الى مواساة لديمومة الحياة - ولولا كثرة الباكين حولي على اخوانهم لقتلت نفسي - !

كنا نبكي منذ ان ابصرنا العالم وصرختْ بوجوهنا قوى الوجود وعندما كبرنا تعلمنا ان البكاء ابجدية ايامنا فكل شيء في الوجود يحثنا على البكاء منذ زمن المزعوم المدعو (( عمرو )) الذي لخصناه في واقعة قولية مشبوهة تقول :

 

 دعوت على عمرو فلما فقدته    بليت بأقوام بكيت على عمرو . 

 

كان عمرو يتلذذ ببكائنا ونواحنا في ليالينا الطويلة وكوابيسينا الثقيلة وامانينا المستحيلة ، كانت دموعنا تبلّ غلته وتروّي سريرته السوداء وربما ايقن في قرارته اننا مضحكة نذرف الدموع بمناسبة وبدونها في جميع الأزمان !

 

2

 

وهكذا استطالت دموعنا مع عمرو وسار بها الى جهات عصية ، جعل البكاء ذخيرة لأحلامنا فرجعنا ثانية الى انفسنا نبكيها وندعو على عمرو بالويل والثبور ، فعمرو حفر لها مجاريَ من نوع آخر واستبدلها بالدم والمرارة ومنحنا خزانات متطورة للبكاء !

عدنا الى الأمل والترقب ثانية ونحن نشكو جور عمرو فلما ذهب عمرو قلنا ستستريح مآقينا من البكاء فلقد جاء زمن العيون التي تبصر لا التي تبكي ، التي يتوغل نظرها في الأماكن البعيدة وليس في انفاقها المظلمة ، التي ترنو الى جمال الموجودات وليس الى وحشة الأقبية .

لكن خيبتنا كانت اشد واقسى فالذي جاء بعد عمرو اخذ يستفتح ايامه بدموعنا ووسع حدود البكاء وجعله برنامجا يوميا لايحيد عنه والذي لايبكي في حضرته خائن واستشرست منابره فينا حتى غدا النواح بديلا لامناص منه واخترعنا مناسبات للبكاء لتكون اكثر من ايام السنة وازحنا بلابل الصباح لغربان النواعي وعند كل بوابة من بوابات الضيم ستجد نعاة يقودنك الى مهرجان البكاء واصبحت عيوننا مثل افواه القرب المفتوحة تهمي بلا انقطاع وكأنها تستقي ماءها من الأوقيانوس العظيم الزاخر !

فما انتظرناه وترقبناه ونذرنا النذور لأجله لم يكفكف دموعنا ولم يردم مستنقعاتها ولم يجفف منابعها ! ولم يمنحنا حتى مناديل لبكائنا اللاحق بل كان يضحك هو ايضا على هذا البكاء !

 

3

 

ابصارنا شاخصة وهي على اهبة الاستعداد لقراءة ماستأتي به الدموع ، هي حبرنا الذي ندوّن به تاريخنا ، نودع يومنا بالدموع ونستقبل الآخر بدموع اكثر شراسة ، فمن اين للعيون المهروسة بتقاويم الفجيعة كل ارث الدموع هذا لتحلق فيه الأزمنة وهي تبحث عن عزاء خالص يكتبها ؟!

دموعنا المنسكبة في البيوت والضواحي والدرابين والمحطات ونهايات القرى وعند الكراجات وفي الأماكن المعتمة الرطبة و خنادق الموت هي تاريخنا الحقيقي ، وبكاؤنا المزمن نادرا مايلتفت اليه احد لأنه استحال الى دالة لنا في الوجود وعلامة فارقة يعرف الجميع نبرتها وتحولاتها !

وحدها دموعنا تبتكر لمآسينا انزياحات ليست بالحسبان ولم تخطر على بال الفصائل التي بكت قبلنا ولو حولت مجاريها بإتجاه الصحارى لأنبتتْ من كل زوج بهيج !

 

استراليا

ja_waai@yahoo.com