الصفحة الرئيسية

كلمة كتابات

الكتابات المنشورة  تعبر عن رأي اصحابها - الرقيب ضمير الكاتب

زوايـــــا

دراسات

 kitabat@kitabat.com <<<  webmaster@kitabat.com

الارشيف

كتب

8  تموز  2008

ابحث في كتابات

 

المدوّنات الأدبية والذائقة العربية

 

كتابات - وليد جاسم الزبيدي

 

      المدوّناتُ العربيةُ ،–وأعني بها-، المختارات والجمهرات والحماسات،ارتبطت منذ بدء التدوين بذائقة السلطان، ولم تضع في حساباتها ذائقةَ الجمهور(المتلقي)،سواء كان جمهور النخبة، أو الجمهور بمفهومه العام. فقد عمدَ المصنّفون لتلك المدوّنات، إلى اختيار النماذج الأدبية، شعراً ونثراً،بما يتواءم مع أهواء السلطة، وأن هذا السلوك ليس غريباً أو طارئاً على الفكر العربي ،بل وُلدَ في رحمِ ذهنيتهِ (فطرياً)،وهذا واضحٌ في ذات السلوك لدى المؤرخين في كتابة التاريخ، وكتابة ألأيام ومعظم المرويات، بل انسحب هذا السلوك عند رواة الحديث النبوي الشريف،حيثُ تجد منْ هو العدل ومنْ هو المجروح.

     وفي أغلب المدوّنات تقرأ في مستهلها الإهداء إلى الوالي أو القائد أو الأمير أو صاحب الشرطة،أو إلى أمير المؤمنين ،الخليفة أو أولاد الخليفة أو منْ هم في حاشيتهم،فقد صُنّفت المصنفات ونفدت الأوراق والحبر –خصّيصاً أو حصرياً-لهم ولذائقتهم، والهدفُ معروف، أمّا لنوال الهدايا، أو لغرض التقرّب والزلفى، أو لطلب العفو والاعتذار، أو لمآربَ أخرى..

     كما نجدُ أن البعضَ من تلك المدوّنات قد تمّ تأليفها لإغراض تعليمية بحتة،لأبناء السلاطين والملوك والأمراء..فمع هذا الجمع الغفير من أسماء الشعراء والكتّاب، والعدد الكبير من النصوص الشعرية والنثرية، تجدنا نشكّ فيها وفي جامعيها ولعلّه بديهي لم تكن تلك النصوص لوحدها تمثل خلاصة الإبداع والفكر والتراث العربي.

    أفسدَ معظم الرواة والإخباريين العديد من النصوص، أما بالتحريف، أو بالزيادة أو النقصان، أي بالإضافة أو الحذف فتحيل تلك التخرصات النصوص من معانيها إلى شاطيء آخر. ونحن نعلم منْ يجرؤ على الدّس في الأحاديث النبوية الشريفة(قدسية ومقدسة) لا يخاف من أن يدسّ السمّ في قصيدة أو مقطوعة نثرية. وتأثرَ جامعو المختارات والمسمطات والجمهرات بعصرهم وبما يلفه ويحيطه، بما في ذلك العصر من علاقات اجتماعية ودينية وسياسية واقتصادية وتجارية.. وسنضع إصبعنا على بعضٍ من تلك المدوّنات:

 أولاً: المعلّقات:

     السبع الطوال وتسمى " المعلقات " و " السباعيات " و " المذهبات " و " السموط "

لحماد الراوية (ت167هـ)هو أبو القاسم ، حماد بن ميسرة ولد بالكوفة من أصل ديلمي عالم بأيام العرب وأخبارها وأشعارها وأنسابها ولد في عام 95 هـ - 167 هـ ...

جمع قصائدها السبعة حماد الراوية واختُلف في أصل تسميتها بالمعلقات فمنهم من يثبتها لحماد ومنهم من ينكرها ، وهي تُعد فخر العرب في الجاهلية وتعتبر من عيون الشعر المختار حتى وصل بها الأمر لشرحها مرات عدة و لعدّها إلى عشر قصائد معلقة ومن ضمن الشرّاح الزوزني وابن النحاس وابن الأنباري والنبريزي...

    فنقرأ أن ما جمعهُ الراوية (خلف الأحمر وحمّاد الراوية)كان محطّ نقدٍ وتجريح منذ زمن تدوينهم تلك المسمطات إلى يومنا هذا.. فما سجّلوه من قصائد ومعلقات كانت مثار اختلاف وشُبهات،ونقاش وتأويل وشك، فليس كل ما سجّلوه نبعَ ونبغَ من جغرافية وزمان ذلك العصر،كما سجّل الدكتور طه حسين(رحمه الله) في كتابيه(في الشعر الجاهلي،و حديث الأربعاء)شكوكه وتحفّظاته على العديد من القصائد والأسماء.وقد أغنت كتب التاريخ والأدب والتراجم في البحث والتأويل في تسمياتها وعددها.

ثانياً:المفضليات:

      للمفضل الضبي هو المفضل بن محمد بن يعلى الكوفي علاّمة لغوي راوية للأخبار والآداب وأيام العرب موثق في روايته عرف باختياره الرائد للشعر القديم ولد في عام 110هـ  ، وكانت وفاته سنة 178هـ. صنّفَ هذا الكتاب في وقت مبكر فلم يسبقه أحد ولم يذكر أحد قبله في هذا المجال ، ويذكر في سبب تأليفه للكتاب أن المفضّلَ كان في جماعة إبراهيم بن عبد الله من ولد علي بن أبي طالب وخرج معه ثائراً فيمن خرج على الخليفة المنصور فظفر به المنصور وأسره ثم عفا عنه، وألزمه المهدي ابنه، ليكون مؤدباً له فاختار قصائد للمهدي، وسميّت فيما بعد من رواته، بالمفضليات، نسبة إليه وهي مجموعة شعرية يبلغ مجموعها مائة وست وعشرين،تزيد في بعض النسخ أربع قصائد فتصبح مائة وثلاثين قصيدة لستة وستين شاعراً جاهلياً ومخضرم وإسلامي إلى العصر الأموي.وتحتوي على سبعة وعشرين وسبعمائة وألفي بيت.

      وعلى ذلك فإن المفضّل الضبيّ (ت 178هـ)،وضع منتخباته وجمعها لأبن الخليفة المنصور العباسي، محمد المهدي، لغرض تأديبه، ثم أنه قد قاتلَ العباسيين مع ابراهيم بن عبد الله بن الحسن، ثم عفا عنه المنصور بعد هزيمة ابراهيم سنة 143هـ ،ولقد كان عصر الضبّي عصرَ اضطرابات سياسية. ومن هذا نستشفّ أن الغرض من المختارات(المفضليات) تأديبياً بحتاً،تعليمياً، يقصدُ فيه تقويم لسان ولي العهد بعد أن دخلَ غير العرب في الإسلام وبدأت اللكنة الأجنبية تشوبُ اللسان العربي نتيجة الإختلاط.

      وعلى هذا كان يركّزُ في اختياراته من شعر شعراء الإسلام على منْ عُرفَ منهم بالبداوة فالإختيارات لم تراعِ الذائقة الأدبية بل تراعي تهذيب اللسان، يطوفُ فيها المصنّف على اختيارات لإشعار ونصوص لا تعبّرُ عن العقل والتفكير لدى جمهرة الشعراء والكتاب، بل أظنني ، إذا لم أجزم، أنّ المصنّف شطبَ عدداً كبيراً من الشعراء والنصوص لمن كانوا خارج منبر مديح السلطة والسلطان، وشطب العديد من النصوص في الغزل والصيد والفخر ولم يتناول النصوص المختارة في ما يتعلق بالقيم الإجتماعية والدينية، لأنه كانَ يؤدبُ سلطاناً ابن سلطانٍ، وثقافة السلطان هي ثقافة الدولة، وهي الصوت المسموع والمسموح به فقط، أما سواها فهي خط أحمر. وعلى هذا نجد (المفضليات) حالها حال (المعلقات) لم تكن خالصةً من العيوب والميل نحو كسب الرضا والهدايا والشهرة، ولم يكن لتسليط الضوء على حالة الفكر والعلوم وملامح المجتمع ومعارفه وقيمه الأخلاقية والتربوية.

ثالثاً: جمهرة أشعار العرب:

     أبو زيد القرشي هو :محمد بن أبي الخطاب من رجال القرن الثالث الهجري ولم تترجم له كتب التراجم توفي في عام 230 هـ ... هذه مجموعة مختارات شعرية أيضاً لكنه يمتاز عن سابقيه بمقدمته النقدية المطولة وتبويبه الدقيق المحكم وجمع فيه أشعار الأقدمين وقسّم الكتاب لسبعة أقسام في كل قسم سبع قصائد لسبعة من الشعراء .فكان عدد القصائد(49)قصيدة، لـ(49) شاعراً، جعلهم في سبع طبقات.

    وصدّرَ كتابه بمقدمةٍ انتقادية يمكن تقسيمها على ثلاثة أقسام، قابلَ القسم الأول منها بين لغة الشعر ولغة القرآن وأظهرَ أن القرآن لم يأت العرب بلغة جديدة، فكل ما فيه مجاز وغريب استعمله العرب في شعرهم وقصدوا به إلى المعنى الذي قصدَ إليه القرآن. وفي القسم الثاني من الكتاب ذكرَ أولَ منْ قال الشعر، فروى أشعاراً للملائكةِ وآدم وإبليس والعمالقة وعاد وثمود والجن، ثم انتقلَ إلى رأي النبي(ص) وأصحابه في الشعر، فذكرَ أن النبي كانَ يسمعهُ ويجيزُ عليه. ولكننا نرى أن نقدهُ الشعر، أورد أقوال غيره، واستند إليها دون أن يعلّلها أو يرتبها أو يردّها إلى مباديء عالية ويستخلص منها حكماً خاصاً أو نظريةً شخصيةً أو رأياً خاصاً به..

رابعاً: الحماسات:

  وأشهرُ كتب الحماسة، حماسةُ حبيب بن أوس الطائي(ت 231هـ)، أبي تمّام، وهو أولُ شاعرٍ يدخلُ في مضمار التأليف فاختارَ قصائدهُ بذائقته الشعرية وحسّه النقدي.

   ولكن من المؤاخذات التي تُسجّلُ عليه، أنه أباحَ لنفسه التصرّف بما لا يروق له من وحشي الألفاظ واستبدلها بألفاظٍ أرق، وهذا خلاف للأمانة العلمية، وتشويه للنص الذي وُلدَ على طبيعته بل هو ابن بيئته، كذلك فأن أبا تمّام لم ينقل القصائدَ كاملةً، بل كان ينقلُ ما ينتقيه وتهواه ذائقتهُ هو، فضاع النّص وضاع مبتغاه ومعناه.

    ومن كتب الحماسات الأخرى هي، الحماسة الصغرى وتسمى (الوحشيات) لأبي تمّام أيضا، وتمتاز هذه الحماسة بوجود قصائد لا تتجاوز في كثير من الأحيان البيتين أو الثلاثة عدداً فهي تُستلبُ من قصيدة كاملة طويلة فهي كذلك لا تؤدي المعنى ولا الغرض بل تُسيء إلى صاحب النص وإلى النصوص كافة. ومن الحماسات، حماسة البحتري(ت 284هـ)،وهو أبو عبادة الوليد بن عبيد، أحد فحول الشعر في العصر العباسي، وتميّزت حماسة البحتري عن حماسة أبي تمّام، أن البحتري قام بتويب القصائد وتفصيل أغراض الشعر تفصيلاً دقيقاً فكان مجموع أبوابها 174 باباً؛ ثم الحماسة الشجرية، فقد اعتمدت على القصائد في العصر (الجاهلي)ما قبل صدر الإسلام، وهي تقارب في منهجها منهج المفضليات والأصمعيات.

  والحماسة البصرية، وهي للبصري(ت659هـ)،هو صدر الدين أبو الفرج بن الحسن البصري، عاصرَ أواخر أيامه نكبة بغداد وقُتلَ مع منْ قُتلَ في حلب عندما داهمها التتر .وقد اعتمدَ البصري في حماسته على سابقيه أبي تمّام والبحتري.

    وفي العصر الحديث، كانت مختارات البارودي(ت 1322هـ/ 1904م)،الشاعر المصري، شاعر النهضة العربية الحديثة، وقد ضمّ كتابه قصائد جاهلية، وزادَ عليها قصائد شعراء متأخرين أو ما يُسمى بشعراء عصر الإنحدار كالطغرائي والأرجاني والأبيوردي وغيرهم، فكان كتابه في سبعة أبواب لثلاثين شاعراً.وأخيراً وليسَ آخراً كان شاعر العرب الأكبر الجواهري، محمد مهدي(ت 1997م) في مختاراته وهي مقطّعات وأبيات وليست قصائد كاملة بما تمليه عليه ذائقته الشعرية.

 

 

المصادر والمراجع التي اعتمدها البحث:

1-           ابن الأنباري، أبو بكر محمد(ت 327هـ)، شرح القصائد السبع الطوال الجاهليات، تح: عبد السلام هارون، دار المعارف-مصر، 1990م.

2-           أبو بكر الصولي، أخبار أبي تمام، تح: خليل محمود عساكر وآخرون، المكتب التجاري للطباعة –بيروت،د.ت.

3-           التبريزي، أبو زكريا يحيى(ت502هـ)، شرح المعلقات العشر، تح: فخر الدين قباوة، دار الفكر المعاصر-بيروت، 1997م.

4-           الزوزني، الحسين بن أحمد(ت487هـ)، شرح المعلقات السبع، تح: محمد إبراهيم سليم، دار الطلاع-القاهرة، 1994م.

5-           طه حسين، في الأدب الجاهلي، دار المعارف بمصر، 1969م.

6-           طه حسين، حديث الأربعاء، ثلاثة أجزاء،دار المعارف بمصر، ط12، 1976م.

7-           علي أحمد علام، المفضليات،دار أبها للثقافة –الرياض، ط1، 1984م.

8-           القرشي، أبو زيد محمد (ت 170هـ)، جمهرة أشعار العرب، شرح: علي فاعور،دار الكتب العلمية-بيروت،1992م.

 

المحاويل