الصفحة الرئيسية

كلمة كتابات

الكتابات المنشورة  تعبر عن رأي اصحابها - الرقيب ضمير الكاتب

زوايـــــا

دراسات

 kitabat@kitabat.com <<<  webmaster@kitabat.com

الارشيف

كتب

8  تموز  2008

ابحث في كتابات

 

عواء قلب

 

كتابات - علي حسين عبيد

 

-1-

على مضض توجهت إليه، بيت لا لون له ولا شكل محدد، يجثو متهالكا على بقعة صغيرة من الأرض، ومنه تبتدئ بيوت الزقاق التي تبدو أفضل حالا منه، بمحاذاته يمتد الشارع الرئيس للحي حتى ان اكثر الناس هنا يستكثرون على هذا البيت المريض موقعا جيدا كهذا، عوى قلبي حين رأيت البؤس يأكل مزاياه كلها، وحين دخلت فيه، لم أرَ شيئا جديدا سوى الخمول المعتق، الاشكال الحزينة التي تركتها من قبل في هذه الغرفة تبتهج ببؤسها الآن أمام بصري، حتى صار الخراب يطلي مظهرها ويعيث بكيانها من الداخل لكأنه حوصر فيها فأخذ ينزُّ منها فارّأ الى الخارج.

الدولاب الخشب لا أقدام له، انه يقف مباشرة على قاع الغرفة، ضلفتاه تمتلئان بالخدوش والنتوءات الباهتة التي تشبه دمامل تزدحم فوق وجه مريض أصفر، والكرسي الوحيد، يقف بثلاثة أرجل الى جانب الدولاب، انه لا يستخدم للجلوس، لعله من الاشياء التي يجب ان لا تخلو منها الغرفة، هذا الكرسي ذكرني بحصان له تأريخ مذهل لكنه على أثر كبوة مفاجئة تعطلت ساقه الامامية اليمنى فأطفأت ذلك التأريخ المضيء والى يمين الكرسي كانت تستقر فوق القاع سلة معدنية صدئة تمتلئ بملابس قديمة متهرئة وأحذية غبراء ممزقة وعلب سجائر فارغة واشياء صغيرة تافهة لا أدري لماذا يحتفظون بها في جوف هذه السلة، ومن وسط السقف كانت تتدلى مروحة متهالكة تخبط الهواء بتأنٍ ممض ومع دورانها البطيء تصدر أنينا رتيبا يشبه الى حد بعيد عواء كلب جريح.

جلست على وسادة خاوية وآثرت أن أكون قبالته تماما، برغم أنني لا أحتمل مرأى شكله الجديد لا لأنه مقرف ومقزز أو لأن لعابه يتقاطر من بين شفتيه على نحو مفجع بل لأن منظره هذا يذكرني بما كان عليه من قبل، لقد كان رجلا طويلا متخما باللحم  له وجه عريض مشعّ كقرص الشمس وعينان لامعتان وأنف مشرئب الى الأعلى يشي بهيبة كبيرة وها هو الآن متهالك على مقعد تغزوه المسامير التي تنغرز فوق أخشاب قصيرة تلحم كسرا هنا وآخر هناك، يحاول أن يفتح عينيه أو يحركهما في محجريهما ليرى هذا الذي أتى إليه بعد غيبة طويلة ويشنّف اذانه كي يلتقط موجات العواء التي لا تتوقف، ولكن عينيه لا تنفتحان بل العين اليمنى تكاد تنغلق فيخيل إليّ انه لا يراني أو ربما لا يرى سوى شبح لي، تقربت منه ليرى انني زرته واقتلعت تماما ذلك الجحود الذي يعشش في قلبي كما كان يقول عني، فهو إنْ زاره أحد الاقارب او الاصدقاء، يسألهم قبل أن يجلسوا بلسان لا يتحرك إلاّ اذا استجمع قواه وحبس أنفاسه وأطلقها دفعة واحدة:

- أرأيتم إبني؟

- لا ولكنه يوما ما سيعود....

 

ومع ذلك فإن الكلمات تكاد تموت في فمه وإنْ خرجت الى سمع الزائرين فإنها تخرج ضئيلة مشتتة على شكل تأتأة غير مفهومة، حينئذ يقوم أحدهم ليضع اذنه لصق فم الرجل المريض ليفهم ماذا يقول:

- انه ليس ابني انه جاحد؟!

 

سعل قليلا فتطاير اللعاب من فمه في ارجاء الغرفة، أسرعتُ وناولته كأس ماء، لكن الماء نفسه ينحشر في حنجرته ثم ينحرف ويدخل الى رئتيه، فيسعل بطريقة أشدّ يهتز معها جسده المحاصر بالموت، دخلت إمرأة نحيفة في يدها صحن ممتلئ الى النصف بحساء الرز، بدا على محياها ملامح الحياء والتعب، ارتبكت قليلا حين رأتني، ثم ألقت تحيتها وصافحتني، إنها زوجته الصغرى، قالت كأنها لم تجد كلاما آخر تقوله:

- انه لا يأكل شيئا...

- هل جرب ذلك؟

- نعم لكنه لا يمضغ الأكل جيدا ولم يستطع دفعه الى معدته، ان الأكل يتجه مباشرة الى رئتيه فيسعل بالصورة التي رأيتها.

 

بدت إشارات الحنق واضحة في مساحة وجهه المنكمش، انه يرفض ما يحدث الآن امام عينه الوحيدة المفتوحة الى النصف، فخمنتْ زوجنه انه لا يرغب الحساء وربما سيغضب (بهذا الجسد الميت) فيحدث ما لا يليق بالزائر، حملت عشاءه وخطت الى غرفتها، مشت بأقدام متعبة قلقة وقبل أن تخرج قالت:

- سأجلب لك العشاء.

 

شكرتها فلم تلحّ، لكنها نظرت ناحيتي بعينين ضئيلتين وخرجت...

دخل طفلان صغيران واعقبتهما صبية، جلسوا على مبعدة مني وشرعوا يرقبونني بعيون فيها من الخوف أكثر مما فيها من الأمان، قلت للأصغر وقد فتحت له ذراعيّ:

- تعال إليّ.

صمت الطفل ثم ارتجفت شفتاه وبكى فجأة ليهرب الى امه، تزحزح الأب قليلا فوق مقعده وانتشر الحزن في وجهه المحزز بالأخاديد المتعرجة، حرك لسانه بصعوبة بالغة، فلم أفهم شيئا منه، وجهه المخذول جدد العواء في قلبي، قالت الصبية:

- انه يقول لك ان الطفل الذي هرب منك هو اخوك.

 

رفعت رأسي ونظرت الى المروحة الصدئة البالية، أشرت للصبية أن تقترب مني، رفضت لكنها لم تهرب كما فعل اخوها الصغير، قلت لها تعالي ومددت يدي الى جيبي وأخرجت ورقة نقود فتقربت ثم أخوها الذي ألقى بجسده بعد لحظات بحضني وشعت عيناه بفرحة مباغتة، وفي لحظات عاد الطفل الهارب، توقف قليلا عند الباب، آثار الدموع بدت واضحة في عينيه واذ اخرجت له ورقة نقدية أسرع إليّ وأخذ الطفلان يتزاحمان للجلوس الى جانبي.

نظرت الى أبي، تخالط الفرح والحزن في قلبه، وفي عينه الوحيدة شبه المغلقة، دخلت علينا زوجته بالشاي وجلست الى جانب زوجها وشرعت تملأ لي كوبا صغيرا وحينئذ كانت عينه الوحيدة تمشط وجهي، تتلمسني، إنها تحدثني، أنا سمعت كلماتها بوضوح، إعتذرتْ لي فصدح العواء عاليا في قلبي، قالت العين ان الحماقات الكبيرة ربما تحدث مرة واحدة في عمر الانسان أو لا تحدث قط، فإن حدثت أجهزت على صاحبها وإن كُبِحَتْ، ماتت، وحينها كل شيء سيمر بسلام.

 

-2-

سنوات طويلة مرت، كنت جالسا على عتبة الباب حين خرج ابي من البيت، في الخامسة والاربعين.. بدا جسدا فارعا بدشداشة بيضاء وذقن حليق معطر، في تلك اللحظات عوى قلبي برغم ان ابي كان سلسا هادئا لطيفا ورائقا، كلماته ناعمة منمقة.. قال لي مع ابتسامة لم أرها على ثغره من قبل:

- ستصحبني الآن في زيارة قصيرة.

- أنا !!!

- ستذهب معي الى بيت ابي محمد كي نتعلل عندهم.

 

لا ادري وقتها لماذا تدفق العواء من قلبي عاليا، عواء كنت اسمعه بوضوح، عواء كلب جريح كان يتلوى في قلبي، نهضت من دكة الباب، ظننت انه سمع العواء الذي يتدفق من صدري لكنه كان منشرحا الى حد بعيد، نفضت الغبار عن دشداشتي ودهشة قاسية تتحكم بأفعالي وأقوالي كلها.. قلت:

- لماذا ارافقك أبي؟.

 

لم يجبني وامسك بكفي برفق وقادني معه، خمس دقائق ونصل، الاضواء تكلل البيوت وهواء نقي بارد يمر على وجهي، العواء يتعالى والنجوم بعيدة خافتة مشوشة تتراقص فوق رأسي، طير مر خطفا فوق رأسي، صدح بأنغام لذيذة انعشتني ثم ما لبثت ان تحولت الى عواء مرير، يا الهي العواء سيقتلني، قال لي:

- ولدي

- نعم

- امك كما تعرف كبرت، وشغل البيت يتطلب امرأة ناصحة قوية، نحن بحاجة الى امرأة أخرى تساعد امك في البيت.

 

هنا توضحت الامور لي بعض الشيء، انه يحاول تزويجي من بنت ربما لا ارغبها وربما خطط لذلك مراعاة لامي ولكن من دون ان يشرك معه احدا، خطفت في ذهني هذه الافكار، ثم تذكرت الفتاة التي أحبها تلك التي التقيتها على عتبة الباب بعد انتظار طويل وألقت بقلبها الصغير في كفي بلا خوف او قلق، بغتة دهمتني فرحة كبيرة، توغلت بكياني كله، كيف لم انتبه لخطة ابي هذه من قبل، وكيف نسيت حبيبتي .. نزيهة .. إنه لا يمكن ان يرفضها زوجة لي ولعله حدثّ أباها عني واتفقا على كل شيء وها هو يأخذني معه الى بيتهم لنلتقي ابا محمد ويُحسم كل شيء.

وصلنا الى البيت المقصود، واجهته تتحلى بضوء أزرق ينسكب فوق أوراق خضراء كثيفة فيبدو لونها خليطا حالما من زرقة شفيفة وخضرة داكنة، طرق أبي الباب وفي لحظات أطلتْ علينا فتاة رشيقة ينسكب فوق جسدها الرهيف شلال هادئ من الضوء الازرق فيضفي عليها هالة حالمة، دخلنا واحد اثر آخر، ابي يخطو الى داخل البيت تسبقه قهقهة عالية توحي بثقة لا تحدها حدود، جلسنا على فراش قطني ذي لون وردي بشكل مربع في حديقة البيت، كنت محاذيا لأبي في جلسته المستقرة، يقابله ابو نزيهة يتلذذ بلفافة تبغ أرّثها لتوه قريب منه ابنه محمد والى جانبه زوجته التي بدت على قدر من الجمال تحت ضوء حليبي، جرى حديث غير ذي هدف بين الجالسين، الكلمات العالية المتواصلة تخللتها قهقهات عالية، الاجواء حيوية مدججة بالفرح والرضا التام، حتى العيون التي تتلصص في بعضها صارت تعيش كرنفال العرس القادم، مهرجان من الرقص والغناء ينداح الآن في اجواء هذا البيت، رحت ابحث عن نزيهة بعينين تائقتين مشدوهتين، وراحت تخطف بين لحظة واخرى من خلل نافذة صغيرة تطل على جلستنا، وكلما لاحت لي أحس بقلبي يتخبط بين أضلعي، ولم ينتبه لحالتي هذه سوى ابي الذي قال لي بصوته الواثق الضحوك:

- ها .. أراك الصامت الوحيد بيننا ؟!

 

تلعثمت لكأنني صحوت بغتة من سكرة نوم عميقة، ثم عدت الى عزلتي وتركت عيني على النافذة التي أغلقتها قبل قليل ستارة معتمة، لم اعد أراها، فباغتني شعور بأنها لن تكون لي قط، وانها ضاعت مني الى الأبد، نهضت أمها وخطت الى داخل البيت وحل صمت ثقيل على المجلس تماما كما لو اننا ننتظر حدثا خطيرا ستعود به المرأة التي نهضت قبل قليل، كان ابي قد ابتعد عني قليلا وشرع يحدّث أبا نزيهة بصوت خفيض، حاولت ان اسمع شيئا مما دار بينهما، ترى هل سيقبلني زوجا لابنته أم سيرفض، الصمت والهلع سمتان تلازمان كياني، ولكن حتما ستعود امها بخبر يسر القلب وينعش الجسد، مضت نصف ساعة على غياب الأم ولم تعد إلينا، انتصف الليل وشاع الصمت ولحظت ابي يفرد ذراعيه جانبا كالصقر ويفتح فمه واسعا، انه يتثاءب بصورة توحي بأن كل شيء يسير لصالحي، لقد كان هادئا مستقرا حتى انني شعرت بفرحة هائلة أطفأت العواء في قلبي الى الأبد.

*********

 

لم يصدق احد ان هذا سيحدث ولكنه حدث فعلا، وشرعت الايام تتراكض بجنون نحو يوم الزواج، أما أمي فقد فاجأها المرض بشكل حقيقي حين سمعت بالأمر، كان ابي يقول عن امي انها امرأة مريضة لا تقوى على خدمة نفسها وبيتها ولكن هذا غير صحيح، انا ابنهما وكنت ارى واعيش كل شيء، وبعد ان شاع خبر زواج رجلها من نزيهة صارت تردد بتواصل (لقد اصبحت عجوزا، لا فائدة مني بعد الآن) ويوما بعد آخر أخذت تذوي ... تتناقص حتى أضحت كومة عظام يابسة.

أما انا فقد حاولت أن ألتقي نزيهة، ذهبت الى ابيها استطلع الامر ولكن بلا طائل، الرجل كان يقول إن أباك هو المعني بالأمر وليس انت إذهب ولا تعد إليّ مرة أخرى.

 وهكذا .. قٌرعتْ الطبول في باحة بيتنا وصدحت الحناجر ونُحرت الخراف وابتدأت الزفة من بيت نزيهة، كان يوما حارا ساخطا على كل شيء، قيل ان البنت رفضت ان تخرج مع الزفة وقيل انها اغلقت على نفسها الغرفة ولم تدع احد يدخل عليها حتى امها، وقيل انها منذ الصباح التهمت عشرات الحبوب المنومة لكي تنتحر ولكن الامر الوحيد الذي لم يقله احد ورأيته بعيني، انها خرجت من البيت تتعثر بأقدامها فتاة صغيرة تخطو بين امرأتين كبيرتين بحلة الزفاف وجهها ملطخ بالمساحيق المتضاربة حزينا فاقدا لألقه وللنور الذي كان يتدفق منه، ألقت نفسها في سيارة اجرة، وحين مرت السيارة من جانبي كدت التهمها بعيني كي أعرف أهي نزيهة نفسها أم لا، أخفت وجهها بكفيها وبرغم صراخ الاطفال والصبايا وزعيقهم المتداخل سمعتُ صوتا رقيقا مفجوعا يصدر من فتاة مختطفة أجلسوها عنوة بين امرأتين سمينتين في مقعد خلفي لسيارة سوداء، وحين استعدت الصوت عرفت انه صوتها هي لقد سمعته من قبل، حين كنا نلتقي تضحك نزيهة وحين نختبئ بين الاشجار صمتها يفضحها واذ امسكها متخفية خلف نخلة الحديقة تتساقط دموعها ضحكا، وحين دخلت نزيهة بيتنا زوجة لأبي تمنيت لو انها لم تُخلق، ثم فكرت وانا على مسافة من البيت والى جانبي امي تتكئ على جدار قريب (لو ان أبي تصرف بحكمة لو انه تأنى قليلا لكانت نزيهة في هذا اليوم زوجتي) وارتسمت ابتسامة مخذولة فوق فمي وهناك في الاعماق السحيقة من الروح، التقت الاحزان بالافراح، تعاركت، تلاطمت في بعض، وتحولت الى عويل أرعن بدأ ينز من روحي نفسها ورحت انشج بصمت، لأول مرة أشعر ان الحياة عجفاء غبية لدرجة انها يمكن ان تخذل الانسان بهذه الطريقة الغادرة.

بحثت عن اختي وأخي الصغيرين وجئت بهما لإمي فوجدت بعض نساء الحي قد تحلقن حولها، احداهن اعطتها طاسة ماء بارد فلم تشرب واخرى مدت قبضتها بنقود فرفضت ان تأخذها وثالثة جلبت كيسا متخما بالأكل لكن امي رفضت كل شيء.

 وبغتة استشاط في داخلي فضول اهوج دفعني الى داخل بيتنا، تسللت بين الاجساد الكثيرة الى سلم البيت الذي يحاذي غرفة (الدخلة) لا اعرف كيف وصلت الى هذا المكان الممنوع حتى الاصوات التي كانت قبل قليل واضحة متميزة تداخلت في بعضها، فالهلاهل التي تنطلق من افواه النسوة الصغيرات وقهقهات الرجال المفتعلة وبكاء الاطفال كلها كانت تتميز عن بعضها لكنها الآن وانا اقف قرب باب الدخلة تخالطت الاصوات وتحولت الى لغط هجين فاحش، وها انا ارقب الاجساد تتراكض باتجاهات متعاكسة فوضى غريبة اجساد لنساء تقترب من العري وعيون شبقة لرجال جياع، هذه المشاهد تلاقحت فيما بينها لتصبح مشهدا متحدا يصور لي بدقة كاملة كيف يمكن أن تُغتصب فتاة بريئة بطريقة أترفع عن وصفها، سمعتُ صوتا غزى كل الاصوات، ربما هو صوتها حين حاصرها في زاوية السرير، تحركت من مكاني بحذر بالغ نحو الباب الخشب لغرفة الدخلة، صار جسدي كتلة جمر والعرق يتدفق من وجهي وجسمي كنبع تفجر توا، ومن دون ان اتحسب لموقف ربنا يفاجئني بين لحظة واخرى صفعت جسدي رعشة قوية، أخذ الصوت يخبو ويعلو تارة بدا ضعيفا واهنا فقيرا كمواء قطة تقترب من الموت ثم ما لبث أن تعالى ليصبح مواء قطة محاصرة، ارتفع المواء تنامى تفجر بغتة تحول الى صراخ مفجع لطفلة لا تعي الحياة لامرأة ناضجة لعجوز ستختنق بأنفاسها، هبطت برأسي أسفل الباب، رأيت يده تمسك بشعرها بقوة صفعها باليد الثانية تكورت فوق السرير سقط فوقها بثقله وأظهر قضيبه المتوتر فتح ساقيها بقوة تملصت منه دفع بقضيبه نحو مؤخرتها صرخت وانقلبت على ظهرها ضربها بقبضته المكورة وأفرج ساقيها ثانية دفع بقضيبه بين الفخذين المرتجفين، سكن جسدها لحظات حتى تصورتُ انها ماتت، رأيت حركته النازلة الصاعدة فوق جسدها لم يكن يظهر منها سوى عينين مغلقتين وشعر منفوش، مددت يدي الى الباب، دفعت يدي، توقفتْ، حاولت ان امزق خشب الباب لكن وجدت نفسي محاصرا بالنساء اللواتي استدرجهن المواء الى الباب، رأيت امها تطرق على الباب بقوة وتصرخ بصوت مفجوع:

- الله وأكبر شصار علكيفك ....

 

هربتُ من البيت، مزقتُ الاجساد التي اعترضت طريقي، أكلتني الحمى حد الجنون، رحت اركض بلا وعي او اتجاه محدد حتى تعبت فوجدت امي تقتعد دكة الباب تنظر داخل البيت بوجه ساهم مذهول، انتبهت لي تلقفتني بذراعيها تملصتُ منها صرت سريعا كأن شبحا قاتلا يطاردني، لا اعرف كم ركضت لكن حين تعبت أخيرا وجدت نفسي قريبا منها معروقا لاهثا بأنفاس تركض خلف بعضها بهلع واذ ذاك نهضت امي من دكة الباب توقفت عندي قليلا سحبت جسدي بيدها مضت بعيدا عن البيت وانا خلفها وقبل ان تنعطف تباطأت رويدا ثم توقفت ونظرت الى بيتها المغتصب نظرة طويلة حانية وحانقة في آن ولحظت شفتيها تتحركان وبين كلمة واخرى ترفع رأسها الى السماء وتنشج، واخيرا حشرجت في صدرها صرخة مكبوتة ثم أسرعت الى مكان ما لم نكن نعلمه بعد.

-3-

 

بكى طفل رضيع كان نائما في مهد خشبي قديم، رُكن في زاوية الغرفة، نهضت امه نزيهة رفعته من المهد وجلست الى جانب زوجها وألقمت الطفل حلمة ثديها، أبي ينظر إليّ بعينه المفتوحة الى النصف ثم ينظر الى الطفل، بدت عينه التي تكاد تنغلق في اية لحظة وكأنها تتحدث عن لسانه بأشياء كثيرة، لمحت ذلك وانا اركز في العين التي أخذت تشي بمشاعر كثيرة تضاربت في اعماق الرجل المشلول، ترى ما الذي يريد ان يقوله، أي الخطايا تحاصره الآن؟ وأي الأماني ترد في ذهنه؟ لعله يشعر بالايام القليلة التي بقيت له، انه على يقين من ان هذه الايام ستسرع كثيرا لتؤدي به الى عالم آخر مجهول ولا ريب ان اللحظة التي ستفصله عن هذا الحياة قريبة، ربما يتمنى الآن لو انه لم يقترف حماقته الكبرى، ولكن لا جدوى، انه يجلس امام ابنه الزائر بلسان ميت ونصف عين قد تنغلق في أية لحظة، انه يحاول ان يعتذر أو يأسف على ما حدث، أخذ يتنقَّل بعينه على وجوه الاطفال ثم ينظر إليّ ثم الى زوجته، وراحت عينه الوحيدة تنزف اعتذارا وأسفا.

ولشد ما تألمت لوجه نزيهة الذي أثقلته ملامح العجز والتعب، فتحت عيني وصرت انظر بعمق لوجه نزيهة انه تغير كثيرا أين ذلك النور الذي كان يتدفق منه ليل نهار، لقد بدا وجهها واهنا يميل الى صفرة داكنة، الجبين محزز وأسفل العينين اخدودان اسودان والجلد الذي يطلي هذا الوجه ذابلا مترهلا وحين شعرتْ بأنني أمشط وجهها بنظري ارتبكتْ وتلفتت وحاولت ان تنهض لكنها نظرت لزوجها وقالت:

- إنه يدخن كثيرا برغم الاطباء الذين قالوا له سيقتلك التدخين.

 

لحظتها رمى السيجارة التي احتضرت بين اصبعيه للتو، حاول ان يطلب شيئا ما دمدم مع نفسه، ارادها ان تصمت، لكنها واصلت حديثها:

- كانت ليلة باردة تلك التي سقط فيها ابوك، فبعد العشاء بقليل رأيت يده اليمنى ترتعش ثم يده اليسرى وبعد لحظات اخذ جسده يختض بالكامل، صرخت به ما بك ما الذي حدث وقبل ان يجيب سقط فوق الارض وبدأ يجهش بصوت متقطع يعلو ويخفت وتلعثمت كلماته فلم افهم كلمة واحدة منه، بكيت اولا... صحت ... ثم ركضت الى الجوار، غصت الغرفة بالرجال والنساء، أحدهم قال (لنذهب به الى المستشفى) لكنه تمسك بالارض وتشبث بي رفض ان يخرج من البيت وأخذ يردد كلمات فهمنا بعضا منها (لا اذهب، سأموت هنا، ابني أين ابني) في ذلك الوقت رأيت سائلا يشبه الماء يسيل من تحته وراحت اطرافه تهدأ وسكنت عيناه وفي الصباح كان نصفه الأيمن قد شُلّ تماما.

************

 

عواء المروحة لا يزال يموج في هواء الغرفة، قررت ان انهي زيارتي، تقدمت لأبي مددت له يدي اليمنى لكنه لم يرفع يده لي، نسيت انه لا يتمكن من ذلك، اضطربت عضلات وجهه المنكمش، تحركت شفتاه وارتعشتا ثم بكى، إنفتحت عينه كاملة وتدفقت منها الدموع، مد يده اليسرى، أمسك بي اراد ان يحدثني عن شيء ما، قلت له سأذهب الآن ولكن سأعود، صدقني سأعود.

لحظتها تذكرت امي واشتد عواء قلبي، لقد مرت سنوات طويلة على موتها وها انا الآن كما لو اراها امامي، لقد أخذت تذبل بسرعة بعد أن تزوج نزيهة ثم لفظت انفاسها بعد شهور قليلة من ذلك.

انتبهت لعواء المروحة الصدئة، نظرت الى الدولاب المدمّل، وفكرت بيني وبين نفسي ان اشياء كثيرة برغم قساوتها يمكن لي أن انساها الآن، وضعت يدي على قلبي وكتمت شيئا ما ثم خطوت نحو مفتاح المروحة، أطفأت عواءها وخرجت.