|
|
الكتابات المنشورة تعبر عن رأي اصحابها |
||
|
6 تموز 2008 |
|
نساء في حياة الأدباء - 1 ماركيز وحكايات حبه مع الخادمات
كتابات - وارد بدر السالم
ليس في الحب إلا ما نتخيله (بيف)
الحب أقوى العواطف لأنه أكثرها تركيباً (سبنسر)
ما من شك إن حياة الأدباء الشخصية تنطوي على الكثير من الأسرار والخصوصيات والمفارقات ، وإذا كانت كتاباتهم تعكس ، ضمناً ، شيئاً مما خفي من تلك الحياة ؛ فإن مذكراتهم التي يضعونها في آخر المطاف ، هي الصحيفة الأخيرة لسجل طويل من سنواتٍ متداخلة حافلة بالمثير والمدهش والخفي والسري ؛ فلحظات الكتابة الأخيرة هي مركز الاعتراف الفادح ! وهي الصورة الأكثر وضوحاً لملايين الساعات القلقة التي تسمى "الحياة". غابرييل غارسيا ماركيز ، الروائي النوبلي الأكثر شهرة في العالم ، وضع كل حياته في كتاب أسماه " عشتُ لأروي" ولم يكفهِ ما أصدره من روايات في الواقعية السحرية التي استلهمت كل أحداثها من الواقع الكولومبي المعقد ، بل انتهى الى أن يقول ما لم يقله في رواياته الخارقة التي وضعته في صدارة روائيي العالم .
وفي هذه المذكرات الجميلة التي كتبها ماركيز يطلق حكمته الأثيرة :" الحياة ليست ما يعيشه أحدنا وإنما هي ما يتذكره وكيف يرويه" وهنا يتذكر ويروي ويحكي بسلاسة الخبير العارف في محطات كثيرة وكبيرة في صيرورته الأدبية والحياتية ، ولعل محطة " المرأة " من المحطات البارزة في حياة هذا الأديب الشهير؛ فحواءعلى مختلف تجلياتها حاضرة في النشأة والتكوين ، من الصبا الى الشباب الى الرجولة ، أماً وأختاً وحبيبة وزوجة وعشيقة وعمّة وخادمة ، بعيدة وقريبة ، هامشية وفاعلة ، ظلاً وإطاراً . ولو لم يكن ماركيز هو صانع حياته على نحوٍ ما، لما استطاع أن يتجرأ ويعترف ويكتب ببصيرة نافذة ووعي استثنائي لسنوات غارت في الذاكرة ، لكنها تركت بصماتها جليّة على كل ما كتب من روايات .
• أنا أمك في حياة ماركيز حشد من النساء اللواتي تباينت أدوارهن في تكوينه الأول واللاحق ؛ لكن الصورة الأكثر وضوحاً في حياته هي أمه "لويسا سانتياغو" أما الأخريات فقد وُضعن في طريقه لترميم ذاكرته بالعجيب من الأحداث والغريب من المواقف ، حتى تحولن الى أساطير روائية وقصصية حافلة بالحكايات التي لا تنسى ؛ فلويسا الأم التي تشغل جزءاُ مهماً من حياته هي أسطورة بحد ذاتها ، وقد رسم لها ماركيز صورة مجسمة غاية في الدقة والجمال والوفاء والجرأة أيضاً :
" وقفت أمامي ، تنظر الى عيني مباشرة بابتسامة ماكرة من ابتسامات أفضل أيامها ، وقالت لي قبل أن أتمكن من الإتيان بأي رد فعل : أنا أمك" وفي هذا الإستهلال مقاربة روحية بين أم وابن وتناغم نفسي قوامه الحب المشترك بين الإثنين ، وعندما يرسم ماركيز صورة الأم وهو في السبعين من عمره ؛ فإنه يختزل الزمن الطويل ويتماهى مع الماضي البعيد ، حين يقرّب ذروة شقاء الأسرة بموت أخته مرغريتا ماريا مينياتا بعد سنتين من العيش في آركاتاكا :" بقيت صورتها الملتقطة بآلة دغريتيب معروضة في الصالة لسنوات طويلة ، وبقي اسمها يتردد من جيل الى آخر، كعلامة أخرى من العلامات المميزة للهوية الأسرية ." في حين تبقى صورة أمه هي الأبرز عندما يستحضرها :" صارت أمي امرأة في ذلك المكان البائس، واحتلت حيز كل الغراميات ، منذ إن قضى التيفوس على مرغريتا ماريا مينياتا ، وكانت هي نفسها أيضاً عليلة كثيرة المرض .فقد عاشت طفولة قلقة عانت فيها من نوبات الحمى الثلاثية . ولكنها عندما شفيت من آخرها كان الشفاء نهائياً والى الأبد وتمتعت بصحة أتاحت لها الاحتفال بعيد ميلادها السابع والتسعين مع أبنائها الأحد عشر وأبناء زوجها الأربعة وخمسة وستين حفيداً وثمانية وثمانين ابن حفيد وأربعة عشر من أحفاد أحفادها ، دون عد من لم يُعرفوا قط . وقد ماتت ميتة طبيعية يوم التاسع من حزيران 2002 في الساعة الثامنة والنصف ليلاً ."
يسرد ماركيز شيئاً من حياة هذه الأم المعمرة ، شخصيتها النافذة ، علاقتها الغرامية بوالده التي وظّفها في روايته "الحب في زمن الكوليرا" ، كانت تلميذة مجتهدة باستثناء درس البيانو الذي فرضته عليها أمها التي لم تكن قادرة على تصور آنسة محترمة لا تكون عازفة بيانو بارعة ، ومع ذلك فإن الميزة الوحيدة التي أفادتها ، في زهرة العشرين من عمرها ، هي قوة شخصيتها ، حين اكتشفت الأسرة إنها مفتونة بحب عامل التلغراف الشاب والمتكبر في آراكاتاكا. وكان ذلك العامل الشاب هو والده في نهاية الأمر. أو يقول : " كانت أمي تحن الى البيت الذي أمضت فيه شهر العسل ، حتى إنه كان بمقدورنا ، نحن أبناؤها الكبار ، أنْ نَصِفهُ حجرة حجرة ، كما لو إننا عشنا فيه ، وهو لا يزال حتى اليوم إحدى ذكرياتي الزائفة .."
وعندما يصفها في لقاء مفاجئ معها بعد سنوات من الفراق يكتب بريشة ملونة:" كان لها أنف روماني جميل ، وبدت وجيهة وشاحبة ، وأكثر تمييزاً من أي وقت آخر بموضة تلك السنة : ثوب من الحرير بلون العاج خصره عند الوركين ؛ وعقد لؤلؤ من عدة لفات ، وحذاء مفضض ذو رباط جلدي وكعب عالٍ ؛ وقبعة أنيقة من القش على شكل ناقوس كما في أفلام السينما الصامتة . أحاطني عناقها برائحة خاصة شممتها فيها على الدوام ، وهزتني جسداً وروحاً ، هبة شعور بالذنب ، لأن واجبي هو محبتها .."
• لوثيــا النساء في حياة ماركيز كثيرات . وهنّ نساء عاديات في المجتمع ، لكن ماركيز يصف منهن الأقرب الى ذاكرته ، والأشد تأثيراً في سلوكه الطفولي المراهق ، لاسيما الخادمات والعمات والجدات اللواتي كانت لهن أدوار يومية في التأثير عليه :
" أظن أنني مدين بجوهر طريقتي في الحياة والتفكير لنساء الأسرة ونساء الخدمة الكثيرات اللواتي رعين طفولتي. لقد كنّ يتمتعن بقوة الشخصية وطيبة القلب وكنّ يعاملنني بتلقائية الفردوس الأرضي .وبين الكثيرات اللواتي أتذكرهن كانت لوثيا هي الوحيدة التي فاجأتني بخبثها الصبياني ، عندما أخذتني الى زقاق الضفادع ورفعت ثوبها حتى الخصر لتكشف لي عن شعر عانتها النحاسي المنفوش .غير إن ما شد انتباهي هو لطخة القوبياء ذات البقع الحمراء الممتدة على بطنها مثل خريطة العالم بكثبان بنفسجية ومحيطات صفراء ، أما الأخريات فكنّ يبدون ملائكة طاهرة : فقد كنّ يبدلن ملابسهنّ أمامي ، ويحمـّمنني بينما هن يستحممنَ ..ويفضين بأسرارهنّ وأحزانهنّ وأحقادهنّ ، كما لو إنني لا أفهم ، ودون أن ينتبهن الى أنني اعرف كل شيء ، لأني كنت أربط أطراف الخيوط التي يتركنها لي هن أنفسهنّ .." • وما هي حكاية تشون ؟ • كانت واحدة من الخدم ومن الشارع . جاءت من بارنكاس مع الجدين وهي لا تزال طفلة ، وقد ترعرعت في المطبخ ولكن مندمجة في الأسرة وكانت المعاملة التي تلقاها هي معاملة خالة ووصيفة مرافقة منذ إن قامت بالرحلة الى بروبينثيا مع أمي العاشقة . • وما أهمية أن يتذكرها ماركيز بعد هذا العمر ؟ • في سنواتها الأخيرة انتقلت الى حجرة خاصة بها برغبة حقيقية منها ، وكانت تبيع هناك على بيع كراتٍ من الذرة المطحونة لصنع الخبز ، وتفعل ذلك في الشارع ، منذ الفجر.. كان لها لون هندية جميل. وقد بدت على الدوام كما لو إنها مجرد عظام .وكانت تمضي حافية القدمين ، معتمرة عمامة بيضاء وملتحفة بملاءات منشّاة .تمشي ببطء شديد في وسط الشارع ، يرافقها موكب كلاب وديعة وصامتة ، تدور من حولها في تقدمها .وقد انتهى الأمر بضمها الى فولكلور القرية .. • وما هي الذكريات الكاشفة من تلك الأزمنة ؟ • ولادة ماتيلدي أرمينتا ، الغسالة التي اشتغلت في البيت عندما كنت في حوالي السادسة من عمري . فقد دخلت خطأ الى غرفتها ووجدتها عارية ومنفرجة الساقين على سرير من الكتان ، تولول من الألم وسط عصبة من القابلات ، توزعن حول جسدها دون نظام أو دراية لمساعدتها على الولادة بإطلاق الصرخات . كانت إحداهنّ تمسح العرق عن وجهها بمنشفة مبللة وأخريات يثبتن ذراعيها وساقيها ويدلكن بطنها لتعجيل المخاض . وكانت سانتوس بييرو تغمغم وسط تلك الفوضى ، بينما هي تنبش بعينين مغمضتين بين فخذي الولاّدة ..كان الحر لا يطاق في الحجرة المفعمة بالبخار المتصاعد من قدور الماء المغلي التي يؤتى بها من المطبخ ، الى أن أخرجت كتلة لحم حية ممسوكة من كاحليها مثل عجل وليد ومعها مصران دامٍ يتدلى من السرة ، عندئذ اكتشفت إحدى النساء وجودي في الركن وسحبتني خارج الغرفة :" إنك في خطيئة مميتة .. لا تعد الى تذكر ما رأيته".
• ولكن هل هناك امرأة انتزعت براءة الكاتب ؟ • نعم . كانت تدعى ترينيداد ، وهي إبنة أحد العاملين في البيت ، وقد بدأت تتفتح في ربيع قاتل . لقد كانت في الثالثة عشر من عمرها ، وكانت لا تزال ترتدي ملابسها التي كانت لها وهي في التاسعة ، فكانت ضيقة على جسدها الى حد تبدو معه عارية أكثر من مما لو كانت دون ملابس ، وفي إحدى الليالي التي كنا فيها وحيدين في الفناء ، إنطلقت فجأة موسيقى جوقة في البيت المجاور، فسحبتني ترينيداد للرقص بعناق قوي افتقدت معه النَفَس .لست أدري ما الذي حل بها .ولكنني ما زلت حتى اليوم استيقظ في منتصف الليل مضطرباً من الانفعال وأنا أعرف أنه يمكنني التعرف عليها في الظلام ، من تلمس كل بوصة في بشرتها / ومن رائحتها الحيوانية . وفي لحظة واحدة وعيت جسدي ، ببصيرة الغرائز التي لم أعد الى الشعور بمثلها قط والى الأبد ، وأتجرأ على تذكرها كحالة موت لذيذ .. منذ ذلك الحين علمت بصورة غائمة وغير واقعية بأن هناك سراً بعيد الغور لا أعرفه أنا. ولكنه يقلقني كما لو أنني لا أعرفه.. • وما الذي توصل إليه ماركيز من علاقته بالخادمات ؟ • أعتقد إنه يمكن لعلاقتي الحميمة مع الخادمات أن تكون الأصل في خيط تواصل سري ، أظن أني أمتلكه مع النساء ، أتاح لي على امتداد حياتي الشعور بالراحة والأمان بينهن أكثر مما أشعر بهما بين الرجال ، ويمكن أن تكون قد أتت من هناك أيضاً قناعتي بأنهن هنّ عماد حماية العالم ، بينما نشيع، نحن الرجال، فيه الفوضى بهمجيتنا التاريخية. • والأخريات من النساء ؟ • العمة ماما ـ فرانشيسكا سيمودوسيا ـ جنرالة القبيلة التي ماتت عذراء وهي في التاسعة والسبعين ، كانت مختلفة عن الجميع بعاداتها وبلغتها ، وثقافتها ثقافة الفردوس الإقطاعي في سهول مقاطعة بوليفار ...كان لسان العمة ماما هو الأكثر طلاقة في رطانة اللهجة الشعبية ، ولم تكن تخفي ذلك أمام أي كان أو في أية ظروف ، فهي تعلن الحقائق لكل واحد في وجهه .. كانت خلال نصف حياتها أمينة مفاتيح المقبرة ، تقيّد وتصدر شهادات الوفاة ، وتصنع في البيت خبز القربان من أجل القداس . وكانت الشخص الوحيد ، من أي جنس في الأسرة ، التي لم يخترق قلبها ، كما يبدو ، أسى غرامٍ مرفوض ، وقد وعينا ذلك في إحدى الليالي عندما كان الطبيب يعد العدة ليفحصها بالتسمع الى نبضها ، فمنعته بمبرر لم أفهمه آنذاك : "أريد أن أنبهك يا دكتور إلى أنني لم أعرف رجلاً قط " وكان لدي انطباع بأنها كانت تتفاهم مع الأطفال أكثر من تفاهمها مع الكبار .. هناك العمة وينفريدا كنا نطلق عليها اسم نانا وكانت أكثر نساء القبيلة مرحاً ولطفاً ولكنني لا أستطيع تذكرها إلا وهي على فراش مرضها ، والجدة ترانكيلينا أسرع النساء اللواتي عرفتهن تصديقاً وقابلية للتأثر ، بسبب الذعر الذي كانت تسببه لها أسرار الحياة اليومية الغامضة ، فقد كانت ترى إن الكراسي الهزازة تهتز وحدها ، وإن رائحة شجيرات ياسمين الحديقة هي شبح غير مرئي ، وإن طائراً بلا عيون قد ضل داخل غرفة الطعام ولن يستطيعوا إخراجه إلا بترتيلة مغناة .. كانت تتصور كوارث ستقع عاجلاً أو آجلاً ، وكان لديها نظام خاص جداً لتفسير أحلامها وأحلام الآخرين . لم أتوصل الى التعرف على ميمي الجارية الغواخيرية التي جاءت بها الأسرة من بارنكاس وهربت في ليلة عاصفة مع أخيها المراهق أليريو ، وكانت قشتاليتها العويصة مثار دهشة الشعراء . أما العمة "با" فقد رأيتها آخر مرة وهي في التسعين من عمرها تقريباً وعها حقيبة تلميذ ؛ مرتدية ملابس حداد وعمامة من قماش أسود ، دخلت سعيدة بذراعين مفتوحتين وصاحت بالجميع : إنني آتية لأودعكم ، لأنني سأموت ! احتضناها وبقيت في البيت منتظرة ساعتها في غرفة الخدم وهناك ماتت عابقة برائحة العفّة عن عمر قدرناه بمائة سنة وسنة.
• وما هي أكثر الذكريات إثارة للقلق ؟ • ذكرى العمة بيترا ، أخت الجد الكبرى ، التي جاءت من ريوهاتشا لتعيش مع الجدين عندما فقدت بصرها ، .. وقد طورت مهارة سحرية لكي تتحرك في ظلماتها دون مساعدة من أحد ..وكأنها تمشي بعينيها ، بطيئة ولكن دون تردد وتقود نفسها عن طريق مختلف الروائح وحسب . فهي تعرف حجرتها من رائحة حمض الهيدروكلوريك في ورشة الصباغة المجاورة ، والممر من عطر ياسمين الحديقة . ومخدع الجدين من رائحة كحول الخشب الذي يستخدمه كلاهما من لتدليك جسديهما قبل النوم ...كانت العمة ممشوقة القوام وقليلة الكلام ، لها بشرة أزهار سوسن ذاوية وشعر مشع بلون الصَدف تتركه منسدلاً حتى خصرها وتتولى هي نفسها العناية به . حدقتاها الخضراوان والصافيتان كعيني مراهقة يتبدل ضوؤهما مع تبدل حالتها المعنوية . وكانت تبقى طوال اليوم في حجرتها ببابها الموارب ووحيدة على الدوام تقريباً تغني لنفسها همساً في بعض الأحيان .. ولكن أغنياتها كانت مختلفة وأشد حزناً ، وقد سمعتها تقول لأحدهم إنها أغنيات حب من ريوهاتشا ، ولكنني عندما كبرت فقط ، عرفت أنها كانت ترتجلها ...
دبي
|