|
|
الكتابات المنشورة تعبر عن رأي اصحابها |
||
|
6 تموز 2008 |
|
عراق الغرباء - 7 مراحل الغرباء في العراق
كتابات - د.علي التميمي
حتى يكون واضحا للقارئ من هم الغرباء الذين تتناولهم هذه الدراسة , فنقول إن الغرباء بالنسبة للوطن و المواطن هم أولئك الناس الذين لا يرتبطون بالوطن و لا بالمواطن لا من خلال الجغرافيا ولا من خلال الفكر , فهم يفتقدون الروح الوطنية و روح الإنتماء بكل معانيها.
وهذا الأمر لا يتوقف على فئة دون فئة أو طرف دون طرف أو شخص دون شخص وإنما يشمل حتى الذين يحملون الجنسية العراقية و لكنهم لا يعملون للعراق و لا يعملون لأهل العراق و لا يرتبطون ارتباطا روحيا بالعراق والعراقيين , ولهذا الأمر أسباب كثيرة سنأتي عليها ان شاء الله. ولكننا باختصار و باستعراض تحليلي نريد لأن نرسم صورة للغرباء الذين عانوا منهم العراق كثيرا. ونقول باختصار شديد : إن مراحل الغرباء تتشكل على النحو الآتي:
1- المرحلة الأولى و هي التي ظهرت أيام الحكم الأموي و أيام معاوية بن أبي سفيان ومن خلال الولاة الذين ولاهم على العراق من أمثال الحجاج بن يوسف الثقفي الذي صعد على منبر الكوفة و خاطب أهل الكوفة قائلا: إني أرى رؤوسا قد أينعت و إني لقاطفها . وهذا الخطاب يكرس المعنى الحقيقي المتطرف الذي صنع الغرباء لأهل العراق !
رواية تفسر حالة الغرباء
ينقل الشيخ المفيد في الاختصاص و هم من علماء القرن الرابع الهجري, يقول عن لسان الوليد بن المغيرة . يقول الوليد بن المغيرة : رجع أبي ليلا و هو مغتم كئيب, وكان أبوه المغيرة شيخا طاعنا في السن . يقول الوليد بن المغيرة: قلت : يا أبت أراك مغتما , أقصر أحد في خدمتك من العيال . قال : لا و لكن جئت من ألئم الناس . قلت : يا أبت من هو ألئم الناس ؟ قال :جئت من عند معاوية ! وكان المغيرة بن شعبة من أخلص الناس لمعاوية . يقول الوليد بن المغيرة : فتعجبت و قلت : يا أبت و كيف ذلك ؟ قال : قلت لمعاوية : الآن و قد طويت لك الوسادة و هلك الحسن بن علي بن أبي طالب , هلا بأبناء عمومتك من بني هاشم ؟ يقول المغيرة بن شعبة : فضرب معاوية بيده و قال : لا أمّ لك يا مغيرة , لقد حكم أبو بكر فاجتهد ما اجتهد ثم هلك فلا يقال إلا أبو بكر, ثم حكم عمر بن الخطاب و اجتهد ما اجتهد ثم هلك , فلا يقال عنه إلا عمر بن الخطاب و حكم أخونا عثمان و اجتهد ما اجتهد ثم هلك فلا يقال عنه الا عثمان بن عفان . أما أخو بني هاشم فلا يزال يذكر على المآذن خمس مرات في اليوم !
وهذه الرواية يسندها و يصدقها واقع المراسلات و المخاطبات التي جرت بين علي بن أبي طالب و معاوية بن أبي سفيان و يصدقها قول يزيد بن معاوية شعرا حيث قال : لعبت هاشم بالملك فلا خبر جاء و لا وحي نزل
نحن لا نريد أن نسترجع الماضي بسلبياته و لكننا نريد لأن ندرس التاريخ دراسة تحليل علمي لنأخذ منه العبر و العبرة و نحن نتحدث عن تاريخ الغرباء في العراق فلا نجد معنى للغرباء في هذه الأمة و في هذا الوطن أكثر من هذه المواقف التي استعرضناها لأصحابها و التي صورت بإعلامها المزيف رجلا فذّا مثل الحسين بن علي بن أبي طالب على أنه خارجي و خارج على البيعة و الولاية . ونحن اليوم في العراق نواجه غرباء جدد وإن حملوا الجنسية العراقية . أولئك الذين يطرحون شعارات الغلو و الإسلام و أهل البيت براء من كل غلو , فقد قال رسول الله (ص) لعلي بن ابي طالب : يا علي هلك فيك رجلان , محب غال و عدو قال . و الشعارات التي تطرح اليوم مثل الهتاف البدائي : علي وياك علي لبعض الأشخاص و مثل الشعار الذي يعطى للصبية اليوم : تاج تاج على الراس و هو لبعض الأفراد أيضا الذين لا يستحقون هذه المعاني و لا يرتفعون الى مستوى هذه المفاهيم . هؤلاء الذين يجعلون من الجمهور قطيعا , يعيشون الغربة الحقيقية عن الوطن و المواطن و لا يهمهم إلا مصالحهم الشخصية و مجدهم العائلي.
2- المرحلة الثانية للغرباء هي المرحلة التي بدأت مع مرحلة الحكم العباسي , و عبر عنها هارون الرشيد الذي قال لابنه : لو نازعتني الملك لأخذت الذي فيه عينيك. وهو الذي وضع الامام موسى بن جعفر في سجون بغداد لمدة 14 عاما . وقبله كان العباسي الأول أبو العباس يلقب بالسفاح و شهدت منطقة الهاشميات من العراق مجزرة كبيرة للعلوين من أبناء و حفدة آل البيت . ولا زالت قبورهم شاهدة على ذلك . حتى قال شاعرهم متطرفا : صلبنا لكم زيدا على جذع نخلة و لم أر مهديا على الجذع يصلب و هذا الشاعر طبعا هو امويا و ليس عباسيا . وكان المنصور العباسي يتوعد الإمام جعفر بن محمد الصادق بالقتل و استدعاه 48 مرة من اجل الانتقام و لكن هيبة الإمام جعفر بن محمد الصادق كانت تستولي على مشاعر غضب المنصور فيعفو عنه و يرجعه الى بيته . و ظهر الغرباء بشكل تدريجي في دواوين الخلفء العباسيين و أمرائهم و البرامكة كانوا مثالا على ذلك , مما جعل مركز السلطة العباسية يضعف تدريجيا لتسقط بغداد أخيرا عام 656 هجري الموافق لعام 1256 م على يد المغول, لتدخل المرحلة الثالثة من مراحل الغرباء .
3- المرحلة الثالثة من مراحل الغرباء : هي مرحلة المغول ومن جاء معهم ومن آزرهم و شهدت هذه المرحلة طغيان الغرباء في بغداد حتى كان الجندي المغولي إذا عثر على مجموعة رجال من أهل بغداد و ليس معه سيفا أو مدية يقول لهم انتظروني حتى أأتي بسلاح أقتلكم به. ويذكرنا هذا بما فعله الأمريكيون و الجيوش المتحالفة معهم بالجيش العراقي عام 1991 في حرب الكويت ثم في عام 2003 التي أسقطت فيها حكومة صدام حسين صانع الغرباء المعاصر في العراق.
4- المرحلة الرابعة من الغرباء هي مرحلة الحكم العثماني الذي دام ما يقرب من 500 عام و الذي كان المحطة المثالية لصناعة الغرباء في العراق.حيث تدهورت أوضاع العراق تدهورا مريعا على كل المستويات الثقافية و الزراعية و الصناعية و الاقتصادية . وانتهت هذه المرحلة بدخول الاحتلال الانكليزي الى بغداد عام 1917 .
5- المرحلة الخامسة من الغرباء في العراق و هي مرحلة الاحتلال البريطاني و التي بدأت عام 1917 و انتهت شكليا عم 1958 . وشهدت هذه المرحلة أخطر أعمال الغرباء في العراق حيث وضع الدستور على شهية المحتل و أسست الوزارات على ذوق المحتل و أسست المدارس من أيام مشروع المستر جيب الذي أراد إفراغ الأمة من محتواها العقائدي و الثقافي فكان مشروع المدارس الذي أفرغ من محتواه الوطني. ووضعت سياسة مالية على ذوق المحتل و نظمت إدارات الدولة من بريد مواصلات و سكك حديد بهوية المحتل و انشئ البرلمان بتوصيات المحتل البريطاني ووضعت التنظيمات و الملفات لموارد البلاد مثل البترول و الغاز و الكبريت و الفوسفات و الثروة المائية . ولا زلنا الى اليوم نعاني من إرتهانات تلك الملفات التي وضعتها الإدارة البريطانية .
6- المرحلة السادسة من مراحل الغرباء في العراق التي بدأت مع التغيير الثوري الذي حصل في العراق عام 1958 . وإذا كان عبد الكريم قاسم وطنيا و هو زعيم الانقلاب إلا أن الذين كانوا معه لم يكونوا أهلا للسلطة و القيادة . وكانت الأفكار الوافدة الى العراق قد استثمرت قطيعا من الذين يعيشون الفراغ الثقافي و العقائدي . فتفاعلوا هؤلاء مع فرصة القضاء على الملكية بنزق طفولي و جاهلية جديدة غير حضارية و غير وطنية عبّرت عنها أحداث الموصل و كركوك عام 1959 . وكان الرد عليها من قبل أطراف لا زالت تعاني المراهقة السياسية فأنتجت شيئا خال من الوطنية و خال من الإنسانية . فاشتركت تلك الأطراف المتنازعة بقاسم مشترك واحد يجمعهم جميعا ألا و هو الغربة عن الوطن . فكانوا غرباء المرحلة السادسة .
7- غرباء المرحلة السابعة : وهذه المرحلة تبتدئ مع انقلاب عام 1968 الذي اعترفت بعض قياداته لأنهم جاؤوا بقطار أمريكي و يؤكد ذلك ما جاء في مذكرات خالد جمال عبد الناصر من أن بوش الأب كان يجتمع مع صدام حسين الذي كان هاربا الى مصر في أواخر الستينات و لا زال مركز شرطة حي الدقية في القاهرة يحتفظ بملف يمتلك ملفا لا أخلاقيا لصدام حسين . و في السبعينات بدأت توزع ثروات العراق على من هب و دب مما يسمى بالحركات السياسية في أفريقيا و في أمريكا اللاتينية و في المنطقة العربية و جنوب شرق آسيا. و في الثمانينات ومع اندلاع الحرب العراقية الايرانية و التي كان الغرض منها إيقاف التنمية في العراق و تبديد طاقات العراق البشرية و الاقتصادية . وشهدت سنوات الثمانينات تصاعدا ملفتا للنظر لكثرة الغرباء في العراق و أولهم المصريين , ونحن هنا لا نريد أن نعتبر المصريين غرباء على العراق و لكن النوعيات التي استقدمت من السجون المصرية و السلوك الذي مارسه هؤلاء و الاستثناء قليل و نادر جعلهم يمارسون سلوك الغرباء بكل تفاصيله , فلم يكونوا أمناء على قيم العراقيين و لا امناء على ثروة العراق وهم الذين جلبوا المخدرات بكل انواعها ومارسوا كل الأعمال التي أساءت للمواطن العراقي و للعراق الوطن . والى اللقاء في الحلقة القادمة لتكملة سلسلة مراحل الغرباء.
|