الصفحة الرئيسية

كلمة كتابات

الكتابات المنشورة  تعبر عن رأي اصحابها

زوايـــــا

دراسات

 kitabat@kitabat.com <<<  webmaster@kitabat.com

الارشيف

كتب

6  تموز  2008

ابحث في كتابات

 

الفقيه المُوَلـّى رغما عنه

 

كتابات - ضياء الشكرجي

 

«ولاية الفقيه» مبدأ مُختلـَف فيه بين فقهاء المدرسة الفقهية التي يُنسَب إليها، وهو في كل الأحوال أساس فقهي للدولة الثيوقراطية، التي تمثل القطب المضاد الذي يتخذ موقعه على الطرف الآخر من ثنائية، تكون طبيعة العلاقة بين قطبيها التضاد والتنافي، ويكون قطبها وضدها المقابل الثاني هو الديمقراطية.

ودستور 2005 لعراق ما بعد العهد الصدامي يجعل من جهة الديمقراطية هي العنوان الأساسي للدولة، حيث تنص المادة الأولى على أن «جمهورية العراق دولة ... نظام الحكم فيها ... ديمقراطي»، ولكن من جهة أخرى يناقض نفسه عندما تنص المادة الثانية منه على أن «الإسـلام دين الدولــة الرسمي ... ومصدر أســاس للتشريع ... و ... لا يجوز سن قانون يتعارض مع ثوابت أحكامه». ومن هنا أبقى الدستور الباب مفتوحا أمام مزاولة بعض ما هو من طبيعة الدولة الثيوقراطية في إطار الدولة الديمقراطية، وبالتالي أعطى ثمة فسحة للضد أن يتحرك في إطار ضده، وإن كان ثمة استنباط لإسلام يلتقي كليا مع مبادئ الديمقراطية وعلمانية الدولة، إلا أن هذا الإسلام مما لا يُعتـَدّ به عند 90% من الإسلاميين والفقهاء.

وهكذا نجح إذن الإسلاميون في أن يتركوا بصمات الدولة الثيوقراطية على دستور الدولة الديمقراطية فيما يسمى بالعراق الجديد، أو عراق ما بعد صدام، مع إن ديمقراطية النظام من شأنها أن تكون الدولة بالضرورة علمانية وليست دينية، وأعني هنا العلمانية الديمقراطية التي تحترم فيما تحترم الدين، ولكن تحول دون تسييسه، واتخاذه عقبة دون تشريع القوانين الملبية لمتطلبات وروح العصر، والمستفيدة من التجربة الإنسانية الغنية. من هنا يكون مبدأ «ولاية الفقيه» الذي يُعتبَر الأساس الذي تقوم عليه الدولة في إيران (النموذج المقتدى للكثير من الإسلاميين لاسيما الشيعة)، والذي سعت الأحزاب الإسلامية المتأثرة بإيديولوجية جمهورية إيران الإسلامية أن يُعتمَد في العراق، ولكن وبسبب المانع الأمريكي، ضمن دستور غير مكتوب، وأن يُعنوَن بعنوان الدولة الديمقراطية، بعدما اختـُزلت الديمقراطية باحترام نتائج الانتخابات، وبتحكيم إرادة الأكثرية، بعدما أشاعوا معنى آخر للأكثرية يتقاطع مع مفهوم الأكثرية في النظم الديمقراطية، ألا هو الأكثرية الطائفية (الشيعية)، لا الأكثرية السياسية. وهكذا فـُرضَت ولاية المرجعية العليا، كتعبير آخر لمصطلح ولاية الفقيه. وهنا لا بد من الإشارة إلى انبعاث بشائر التحول إلى مفهوم التعددية السياسية بدلا من التعددية التي تبنيت بعد نيسان 2003 بمعنى التعددية القومية والدينية والمذهبية (الطائفية) من خلال تفكك الائتلاف وظهور الصراع الشيعي-الشيعي والصراع السني-السني، إلا أن الأطراف المستفيدة من الطائفية السياسية وتسييس الإسلام ما زالت متمسكة بالمنهج المناقض لأسس الديمقراطية والمضر بالدين نفسه.

ومع تعارض ولاية الفقيه مع مبادئ الديمقراطية، يمكن ربما - ومع شديد التحفظ - أن تـُقبَل إذا كانت اختيارية، ولكن المشكلة تكون أكبر عندما تـُعتمَد «ولاية الفقيه الجبرية». وهذه الولاية الجبرية تكون على صورتين؛ تارة بفرضها جبرا على الشعب، لأن الشعب حسب إحدى النظريات الفقهية للحكم (الصيغة المتطرفة لولاية الفقيه) لا يملك أهلية تولي أمره، بل ولاية أمر القاصرين تكون حصرا للفقيه المجتهد، وحيث إن كل غير المجتهدين من (الرعية) يُعتبَرون قاصرين، حالهم حال المجانين وغير البالغين، توكل ولاية أمرهم للفقيه. وتارة أخرى تكون «ولاية الفقيه» جبرية بفرضها جبرا على الفقيه نفسه، فتكون ولاية فقيه رغما عن الفقيه، أو ما عُبِّر عنه العنوان بالفقيه المُوَلـّى رغما عنه. ففي الحالة الأولى يَتولـّى الفقيه ولاية أمر الرعية رغما عنهم، وهنا يُولـّى الفقيه نفسه أمر ولاية الرعية رغما عنه هو. وهذا ما شاهدناه من خلال الإصرار على فرض استخدام اسم وصور المرجع في الدعاية الانتخابية، عبر معصيته في فتواه بمنع استخدامهما لهذا الغرض. وهنا تقع الجهة الإسلامية في إشكالية التناقض، فهي كجهة ملتزمة بمبدأ ولاية الفقيه تتعبد بالأمر الولائي للفقيه المُتوَلـّي - في حالتنا المُوَلـّى - وتعتبره بمثابة أمر الله تعالى، فالخارج على ولايته خارج على ولاية الحجة المهدي، وهذا خارج على ولاية رسول الله، وهذا بالضرورة خارج على ولاية الله. هذا من جهة، ومن جهة أخرى نراها تعصي الولي الفقيه المتولي أو المُوَلـّى رغما عنه، عندما ينهى عن استخدام اسمه وصوره في الدعاية الانتخابية. وهذا يجعلها واقعة بالنتيجة في تناقضين، تناقض بين دعوى الالتزام بالديمقراطية ومزاولة تطبيقات الدولة الثيوقراطية، ثم تناقض طاعة الولي الفقيه بالخضوع لولايته، ومعصيته في استخدامه للوصول إلى السلطة. ولا نستبعد أن يكون لكل من التناقضين ثمة غطاء شرعي. فإذا كان الأمر كذلك، لا بد أن نفترض أن هناك إذنا شرعيا من نفس الولي الفقيه أو من ولي فقيه آخر، لعله ولي أمر الجمهورية الإسلامية، في معصية الأمر الولائي الظاهري للفقيه، بمبرر جواز استخدام (الباطنية) - حاشا للمرجع - تطبيقا لفريضة الالتزام بالتكليف الشرعي الموسوم بـ(التقية)، لأن التقية إذا كانت رخصة بحسب معظم الفقهاء، ربما يعتبرها البعض عزيمة، أي فرضا واجبا وبالعنوان الأولي، وليس كما هو مشهور بالعنوان الثانوي الذي تفرضه ضرورات الظروف الاستثنائية.

 

d.sh@nasmaa.com

 

www.nasmaa.com