الصفحة الرئيسية

كلمة كتابات

الكتابات المنشورة  تعبر عن رأي اصحابها

زوايـــــا

دراسات

 kitabat@kitabat.com <<<  webmaster@kitabat.com

الارشيف

كتب

6  تموز  2008

ابحث في كتابات

 

على أبواب حسن عجمي - 2

ذهب الذين احبهم

 

كتابات - حميد قاسم

 

هكذا كان سلام كاظم يردد هذا البيت مذ يوم عرفته، حيث كنا ندرس في كلية الآداب نهاية السبعينيات، وهو بيت أظنه لعمرو بن معد يكرب، حتى غدا كل واحد منا تحت نجمة كما تقول امهاتنا الحزينات. وهكذا استعيده اليوم عامدا متعمدا وانا أسأل نفسي: ترى، لو عدت، من سأجد هناك بعد ان توزع الأصدقاء على خارطة الأطلس بلا ذكريات؟ لم يبق أحد منهم في المقهى او الوطن بعد أن غادرنا نهاية السبعينيات كثير من الاصدقاء، عواد ناصر وعبدالله صخي وجمعة الحلفي وهاشم شفيق وشاكر لعيبي ونجم والي وفاضل الربيعي وغيرهم.

كنا نأتي المقهى من ضواحي بغداد ومحلاتها القريبة والبعيدة مثلما يأتي الاصدقاء من المحافظات كلها: من كربلاء: علاوي كاظم كشيش وحسن النواب وهادي الربيعي وصاحب الشاهر، ومن تكريت فرج ياسين وطلال الغوار وسعد الصالحي، ومن الموصل رعد فاضل ونزار عبدالستار وثامر معيوف وحسن مطلك ومحمود جنداري ومحمد سبعاوي، ومن النجف عبدالإله الصائغ وعدنان الصائغ –الخال وابن اخته- ومن الرمادي نامق عبد ذيب وناجي ابراهيم وفهمي الصالح وريكان ابراهيم، ومن كركوك جليل القيسي وعواد علي ورعد زامل ومن ديالى محيي الدين زنگنه وابراهيم البهرزي وصلاح زنگنه واديب ابو نوار وابراهيم الخياط ومن الكوت غني العمار وعزيز الواسطي ومن العمارة جمال الهاشمي وجمال جاسم أمين وحطاب دهيم الفيصلي، ومن الناصرية طارق حربي كريم الزيدي وحامد الشطري وكاظم الركابي واجود مجبل وخضر خميس وابراهيم سبتي، ومن الديوانية كزار حنتوش وماجد موجد وباسم الاعسم وباسم المرعبي، ومن السماوة ناجي كاشي وزيد الشهيد ونجم عذوف وفاضل صبار وفيصل جابر، ومن البصرة طالب عبدالعزيز ولؤي حمزة وحسين عبداللطيف ويحيى البطاط، ومن الحلة موفق محمد وقاسم عبدالامير عجام وعلي خصباك وسلام حربة، ومن السليمانية وأربيل ودهوك محمود زامدار وصلاح شوان وعبدالله عباس وعبدالوهاب الطلباني ومحمد عمر وعشرات سواهم ممن لا أعرف حقا المدن التي انحدروا منها، مثل زهير بهنام وشقيقه هيثم بهنام بردى وشاكر مجيد سيفو ومازن يوسف وصباح ميخائيل برخو. فمن منا كان معنيا بان يعرف من هو الشيعي ومن هو السني، ومن هو التكريتي ومن هو العمارتلي؟

 

هكذا ابتدأت حلقة من بقي في حدود جغرافيا الوطن لم يبق سوى محمد مبارك، ومحسن اطيمش، خليل الأسدي، عيسى حسن الياسري ، سلام كاظم، زاهر الجيزاني، ، عادل عبدالله، رعد عبدالقادر، كزار حنتوش ، علي عبدالامير، خزعل الماجدي.

 كنا نجلس في "حسن عجمي" مقهانا الأثيرة التي يمر بها جان دمو عابرا شاتما، قبل ان يمضي قيلولته في فندق الصياد، لينضم الينا رهط آخر: ستار كاووش، سعد هادي، محمد تركي النصار، عبدالزهرة زكي، ابراهيم البهرزي، نصيف الناصري، فاضل الخياط، عبدالستار البيضاني، وسام هاشم، ستار موزان، ناجي إبراهيم، منذر عبدالحر، سعد جاسم، حسين علي يونس، عبدالامير جرص، عبدالرزاق الربيعي، كمال سبتي، صلاح حسن، فضل جبر، محمد مظلوم، دنيا ميخائيل، ضياء سالم،علي السوداني،- وهذان تحديداً لي معهما حكايات تبدأ من بوابة إتحاد الادباء في الاندلس ولاتنتهي عند مدخل جامع حسين باشا في زقاق منسي من أزقة شارع الرشيد المنعطفة صوب شارع الخلفاء، أو عند ذاك الحلاق الاعظمي الذي "قرع" رأسيهما لفرط الحلاقة بين يوم وآخر-..

اليوم: خليل مازال يصحح للآخرين اخطاءهم، وعادل صمت بعد ان غادر الصباح، والياسري يرتجف مقرورا في صقيع كندا، وسلام يقولون انه في النروج، اما زاهر فلا اعرف سوي انه في أميركا، واما رعد فمن يعرف كيف مات قبيل الاحتلال باسابيع؟ لكننا نعرف ان كزار مات فرحا برسمية وعودة الشيوعيين، أما علي فان حلمه صار كابوسا نأي به الي واشنطن، وخزعل أخذت منه حرب الطوائف ابنه الوسيم مروان وزميلته ريم من باب "أهل العراق" فطار الشاعر جريحا إلى هولندا يرشق الأرض بدمه. جان اخفق في ان يكون كنغرا فمات في استراليا، كاووش يرسم النساء بروح أوديبية في هولندا، سعد يكتب رواياته عن البتاوين في باب توما، النصار يعصر الكنديين ويفرك اصابعه، عبدالزهرة يدسك الكوارث على مقربة من ابي نواس، البهرزي يبحث عن بقعة يقايضها ببستان اجداده بعد ان أوهمه أحدهم أنه ربح مليوني دولار في لوتو الهوتميل دوت كم، نصيف يتعلم المحادثة عن بعد في السويد، فاضل الخياط مازال مرتبكا في نيوزيلاندا يريد احداً يعيده إلى "راس التبليط"، عبدالستار البيضاني يجرف الثلج في السليمانية، وسام هاشم يغازل الدنماركيات بالعربية، سعد جاسم يبحث عن عربة الغجر وسط الثلوج، حسين حسن لم يبق من وسامته سوى زرقة عينيه التي تذكر ستار كاووش بالممثل كيفن كوستنر، حسين علي يونس يرسل إساءاته للمعالي في كولونيا، عبدالامير جرص يقود دراجته الهوائية في العالم الآخر دامي الرأس، عبدالرزاق الربيعي يؤاخي الجميع في مسقط، كمال سبتي مات من النعاس علي الكيبورد، صلاح حسن يندف شعره الابيض في هولندا، فضل جبر مازال ممسكا بجوازه العراقي، محمد مظلوم يدفن الشعراء الوافدين الي سوريا في مقبرة الغرباء، دنيا ميخائيل هربت بطفولتها الي العالم الجديد، ضياء سالم مازال حائرا بين القصة والمسرح وتربية البنات،علي السوداني أخيراً استوعب النكتة التي سمعها قبل 13 عاما.

قبلهم مات صاحب الشاهر وكريم قاسم عبود في الحرب، فيما مات محمد مبارك من المشي- وحده العراقي يموت من المشي..!- أما محمد شمسي فقد اختنق بوجع ضحكته ومات، ومات رعد عبد القادر على التخت مفتوح القميص فيما كانت الاوراق تتراقص على أرض الصالة المشرعة الأبواب، قبل أن يرى "الحرية" التي كان ينتظرها.. فما أسعده، ومات محسن اطيمش من المحبة والقلق، ومات سمير علي بعد ان وجد نفسه غريبا حتى في سريره، ومات مدني صالح من الوحشة والضجر، ومات اديب ابو نوار لأنه لم يعد قادرا على مواجهة الحياة برأس مفتوح، ومات يوسف الحيدري لفرط الوحدة، في شارع ملئ بالناس، فيما مات رشدي العامل لأنه يئس من عودة "علي" إلى حديقته الصغيرة.

هكذا يا كاظم غيلان أقول: سأعود حتما، قريباً، ولكن ما يوجعني هو كيف أعود؟.. هل تتذكر يوم سألني وسام هاشم عن عمري حين قلتُ له: "اليوم عيد ميلادي" ونحن ندخل مقهى "حسن عجمي" وكيف اعترفتُ لكما أنني دخلت الأربعين ثم استدركت قبل ان تنطقا: أدري.. صارت مزعطة.. ياهو اليجي يصير عمره أربعين سنة.."

 هل تذكر يا"حسن عجمي" ابناءك الذين هرموا واكتهلوا وشاخوا وشابوا وماتوا بعيدا عن رائحة بغداد وعن رائحة الحطب المبلل في باب المقهى؟ وهل تذكر يوم انهار سقفك فوق رؤوسنا وكيف قال أحدنا متشائما": هذا نذير شؤم.. أحس ان البلاد ستقع فوق رؤوسنا. وكيف رد أحدنا الآخر: عمي لقد وقع علينا من زمــــــــــــــان.. متعمدا إطالة حرف الألف تعبيرا عن الحيف الطويل الذي لحق بالوطن وما زال يلحق به كفيلم ردئ يتواصل عرضه بنجاح ساحق عقدا سادسا كما تقول اعلانات ايام زمان.

هل يذكر علي السوداني كيف اتفقنا ذات يوم بعمان على أن يرسل كل واحد منا –هم في عمان وانا في دبي- ما تيسر له من مال أبو داوود الجايجي الذي انهمرت دموعه حين سلمته أمانة بعض الأصدقاء دنانير أردنية قليلة كانت يومها هبة من السماء مثلما كانت هبته العظمى -كما قال ابو داوود- انه فَرِحٌ لأنه يشعر للمرة الأولى في حياته كم أن هؤلاء الأدباء المزعجين الذين لا يدفعون ثمن شاياتهم "ولد اوادم" وكم يفتقدهم وأنهم ابناؤه حقا، وكيف أنك ياعلي قلت لي في آخر زيارة لي لبغداد: "حميد هالمرة أريد أبحبحها.. انت وابوداوود حسابكم وحد.. بس انطيه لابو داود فد 50 دولار وگله هاي من علي السوداني.. عود الحساب بعدين من ترجع لعمان أرجعهم إلك" ليتك تعرف كيف وقفت حزينا على باب المقهى وأنا اكتشف غياب ابوداوود، سألت ابو رشا فاجاب منزعجاً "مريض بالگبة مالته" ثم وعدني ان يبعث بأحدهم معي غدا إلى الصابونجية حيث يرقد أبوداوود وحيداً، لأنهم مشغولون الان وعندهم ازدحام.. جئت في اليوم الثاني ليصحبني أحد عمال المقهى ويدور بي بين درابين المنطقة التي تتوارى خلف مركز شرطة السراي، حتى اقتربنا من البيت فتوقف وقال: تلگاه بهذا البيت، قبل ان ينصرف أطلت إمراة في الخمسينيات لم تستطع الاصباغ الرخيصة أخفاء الكدر الذي يجلل ملامحها من البيت المقابل وتساءلت: شتدورون؟ ثم أجابت بأسى حقيقي بعد ان عرفت سبب مجيئي: يا.. مسكين خطية مات البارحة بالليل واليوم دفنوه.. خطية لا ولد ولا تلد.. لا أعرف لماذا تخلل حزني المباغت سؤال مشروع على لا أهميته تلك اللحظة فقلت لنفسي: لعد داوود منو؟. ولم أسلم "أمانتك" إلى ابو داوود كما تعلم. فهل تذكر؟. ام انك ستقول مثلي:

ذهب الذين أحبهم      وبقيتُ مثل السيف فردا.

 

hameedqassim@yahoo.com

 

الحلقة السابقة :

على أبواب حسن عجمي - 1