الصفحة الرئيسية

كلمة كتابات

الكتابات المنشورة  تعبر عن رأي اصحابها

زوايـــــا

دراسات

 kitabat@kitabat.com <<<  webmaster@kitabat.com

الارشيف

كتب

5  تموز  2008

ابحث في كتابات

 

كيفما أعبدُ الله .. فأنا أعبده

 

كتابات - فواز حسام

 

وأنا أتصفّح !! في كل مرة، الرؤوس المطأطأة المرصوفة بعضها جنب بعض، والمنطوية على حفنة أفكارها ومعتقداتها الداخلة في أبواب متفرقة تؤدي بمجملها إلى الابتعاد الحقيقي عن معنى عبادة الله وطريقة تأدية ذلك، المتخوفة دائماً بإرادتها عبثاً، ظّانةً نيلها الرضا وقطفه كثمرة أجدتْ نفع إمتثالها للباري بهذه الطريقة ولا سواها. وهي تتهيأ دوماً إلى الإنزواء خوفاً وتحسباً إلى أبعد زواياها التي إعتادتها من مواجهة حقائق صراعات فكرية ناضجة شتى، تتبلور باستمرار في كشفها عن أساليب طمر الحقوق الفكرية لها، خصوصاً وقد باتت بعيدة شيئاً فشيئاً عن الاعتراف بأن الله قد خلق الانسان مفطوراً على التفكير والتعقل، وأنه قد منحنا قوتنا من قوة تفكيرنا وتعقلنا هذين.

   المذاهب متعددة، والأفكار المتواردة منها تتعدّد دون تأجيل ولو لمرة واحدة، بل تتسابق وتتصارع، وهي تلهث وراء إكتشافاتها الإجتهادية في إستحداث أروع الطرق وأعتاها في النيل من حقيقة في منتهى البساطة والعفوية والتي فطرنا عليها سبحانه وتعالى، والمتمثلة في عبادتنا إياه. فلا يمكن أن يغالط الله وهو الرؤوف الرحيم، ما أمكن له حتماً، من منحنا فرَصَاً للتوجّه بعقولنا التي وهبَنا عظمتها وقدراتها المميزة من جانب، إلى الانقياد الفطري والتخوف من الاقتراب من كشف ممارسات دينية لم يضطلع لها أو بها، بل هي من مصنوعات بشرية بحتة، من جانب آخر.

صروح بُنيتْ، ومدارس أُسِسَتْ، وإتجاهات مورِسَتْ، كلها تثير ضجيجاً صاخباً يستأنس له ساداته، وهم يتابعون قطعانهم المتعطشة لمزيد من هول وخفايا الأساطير، المُعدّة والمُبرمجة وفقاً للمتطلبات، لتقف بالمرصاد المحدود والمؤقت، لنتائج تلك الصراعات الفكرية القادمة دوماً، والمعلنة بقدومها أنّ العقل هو السيد الأوحد ولا بديل !!

بل إنّ من يغالط، هو الانسان ذاته، الممزوج بتناقضاته وتخوّفاته وتخلّفاته وتركات أزمنة ولّت، يسترعي لنفسه عقوق حرياته وسبل تنوعاتها الواجبة من أجل إرضاءات وهمية غالبها غيبي، تحمله حسبما يعتقد إلى ضفاف ولوجه الجنة بعدما سينال صكوك الغفران وبتواقيع محبيه وموافقاتهم المسبقة، !!

تقودني الرواية التي سمعتها، بعيداً عن مدى صحتها، بما حملته في نسيج حبكتها معاني عظيمة وواضحة في ذات الوقتين، والتي طالما بإنشدادي لها، أصبحتُ لا أعاني من صراعات نفسية ( والحمد لله ربّ العالمين ) ، أو خلجات تفرز للآخرين قنابل موقوتة تحاول بعجزها الممدّد من سنين، الاطاحة بمقدرات عقول تتميز بحرياتها المتمتعة بها على الدوام. 

رواية، تحمل في طياتها أهم وأفضل وأوضح طريق يربط بين الخالق والمخلوق، دون إعتماد منصات تستقبل كل يوم أحدث الفتاوى التشريعية المختصة بتلك العلاقة. فتاوى من هنا وهناك، جاءت لكي تكون العثرة الأولى في فهمنا ووعينا الصحيحين لأداء عبادتنا. بل إنها إختصت بالمساهمة في أفول دعوات الله إلى عبادته هو فقط، برسمها المناهج المحيدة عن ذلك.        

هي في مضمونها، وكما أعتقد، تحمل بين ثناياها وحياً، يلقي كلمته بوضوح تام لكل من يؤمن بها، بعد قراءتها والاستمتاع بما جاءت به من دعوة ناضجة منطقية تلبي حاجتنا الى عبادة الله ولتعطينا في نفس الوقت شعوراً بخصوصية هذه العلاقة مع الله. فهي علاقة خاصة، وخاصة جداً، يجب أن لا يُسمح لكائن مَن يكون بالتوسّط، لأنها مسموة منذ نشأتها الأولى، قبل إعلان وترويج الوسطاء المستميت لسبلهم الخاصة ولعناوين رسالاتهم الغنية بالقصص العنترية والأقاويل الساذجة، التي طالما شغلت وأبعدت الجميع عن الاستمتاع بتجريب قوة عقولهم في تحقيق غاياتهم، والتي يخجل الافصاح عنها أغلبهم وفقاً لمنطق العيب والحرام المرافقين كحزام ناسف يتفجر لو حاول أيٍّ كان، الاعتراض.

 

تقول الرواية :

وعندما كان النبي موسى عائداً دياره، فاذا به ببدوي، قد ألقى عصاه جانباً، واقفاً على عباءته، يقول ما يقول، لا تصدق تماماً ما كان يقول، إنتهى بعد أن أدى ما ظنه كافياً إلى حين، وحين يعاوده ذات الشعور، سيعيد الكرّة من جديد، ولا يعتقد أن شيئاً سيعيقه أو يمنعه عن تحقيق ذلك، مهما كان، وأياً كان. تلك كانت ببساطة صلاتاً لذاك البدوي الأمي الذي أجاب عن أسئلة موسى الذي شرح له فيما بعد الطريقة ( الصحيحة ) للصلاة !

إستساغ البدوي طريقة موسى ( المُثلى ) وحاول حفظها لتأديتها للمرة الأولى، وفعلاً عاد لتجربة ذلك بعد أن غادره موسى، وما أن عاد لتأدية مشواره الجديد والمنطوي على ما لم يألفه أو يسمعه من قبل، نسي المسكين ما اُملي عليه، إنتفض من مكانه وراح يبحث عن صاحبه لينقذه من ( الكفر ) الذي شمله لعدم أدائه الصلاة بالطريقة المستحدثة. ولكنه أخيراً وبعدما وصل إليه، أمسك به وقال له :

الحمدلله أنني أدركتك في اللحظة المناسبة، فانني قد نسيت ما أمليته عليّ، وإنّ الله    ( سيعاقبني ) كما نبهتني، أرجو أن تساعدني على أن أكون إنساناً ( أخاف الله ) الذي تدّعيه وأنا المؤمن به. ضحك موسى .. وقال له : إذهب. إذهب، وصلي كما كنت تصلي وبالعبارتين اللتين قلتهما:

" أنا وعصاتي وعباتي  ...  لله ربّ العالمين "

 

البدوي لم ينتبه الى إنه أيضاً كان واقفاً على الماء وهو يحاور موسى،عندما أوشك موسى العبور الى الضفة الأخرى !! ولهذا كانت إبتسامة موسى تهدف الى الاشارة الى بساطة وطيبة ذلك الانسان في عمله وتعامله مع الآخرين .. وبالذات، تعامله الشفاف مع ربه حين يصلي له،بل إن سذاجته في تعبده كانت هي المُثلى بعينها، ومحاولته الجادة في المخاطبة لمن أدركه في وجدانه النقي منذ فطر عليه، هي الأساس الصحيح والحقيقي للتعبير عن شكره وإذعانه لله إينما وحيثما إستطاب له الحمد والشكر.

ففعل الخير والتحذير من تبعات خبث الرذائل وإبذار العدل والمساواة والابتعاد عن موالاة أصحاب وسادة العروش والمنابر بالتنحي عن مبادئهم الطائفية، واللجوء الى زين الأعمال ذات التأثير التطويري المستقبلي عند عدم ربط إمكانية توافرها بقوانين دينية، أو فتاوى مفتي، ومحاولة تطبيق الراجح عقلياً ورفض الالتباسات الغيبية عند مجتهديها أن تأخذ دورها في تحطيم شتى عجلات النمو والتقدم، بل وجوب ترك رؤى هؤلاء السادات وفقاً لتمييزاتهم الخائنة المعلِنة عن حرصهم ومثابرتهم دوماً دون كلل أو ملل زوراً !! حب الآخرين بعيداً عن إختلافات دين أو مذهب، بعيداً عن إنتسابات عشائرية، بعيداً عن أحقاد طائفية ولّت أسبابها ولم تعد تجدي نفعاً بقدر ما تهم آخرين حريصون على أستمرار نشوبها. 

عدم الانصات الى تفاهات معلني ومروجي التقييدات الدينية، وتشعباتها الملتوية بما تطيب لأنفسهم تأويلاتها، والحرص على كشف جهلهم التام - إلا ما يناسب عقائدهم - الساعي الى تطويق الاعناق بعباراتهم البالية. تلك كلها ستكون عبادة، تلك كلها ستساهم في إثبات وجودنا، بعدما نكون قد تلمسنا أول طرق عبادة الله الصحيحة بعيداً عن ( الخزعبلات )، فعندما نناجيه ونلتمسه ونرجوه، وعندما نؤمن بأن وجوده أكبر وأعظم من أن تدل عليه تقاليد وإحياءات وتطبيلات ، وعندما نؤمن حيثما ولّينا وجوهنا فأننا أمام الله وأينما ولّينا وجوهنا فنحن في حرمة بيت الله وأينما ولّينا وجوهنا فنحن نعبد الله .. تلك هي عبادتي.

  

Thebigheart_2@yahoo.com