الصفحة الرئيسية

كلمة كتابات

الكتابات المنشورة  تعبر عن رأي اصحابها

زوايـــــا

دراسات

 kitabat@kitabat.com <<<  webmaster@kitabat.com

الارشيف

كتب

4  تموز  2008

ابحث في كتابات

 

اللاعنف .. الرصيد الاستراتيجي

 

كتابات - حيدر عبد الواحد بنيان

 

في السنوات الأولى من الألفية الثالثة .. كان اللون الأحمر القاني هو سيد الألوان التي لونت مشاهد حياة الناس وخاصة المدنيين منهم .. في العديد من دول العالم .. وخصوصاً في دول من الشرق الأوسط .. وفي السنوات الخمس التي أعقبت سقوط الطاغية .. فإن العراق قد تصدر وسائل الإعلام في حديثها عن أعداد القتلى والجرحى والسيارات المتفجرة في الشوارع والانتحاريين من شباب ونساء وأطفال حيث لم يبخل الأخوة والأشقاء والجيران بإرسال قطعان (المجاهدين) وبخداع عراقيين بحجة الدفاع عن الوطن أو الدين أو المذهب.. الخ! هي سنوات عجاف بدا فيها وكأن أعداء الإنسان والحضارة وأعداء الحرية والرفاه أوسع حضوراً مما كان يتصور الكثير .. وهو منهج غريب يعبث بالأديان .. وفيه استباحة متوحشة لقيم الإنسان .. وانتهاك لمعاني الخير والمحبة والسلام والجمال .. كانت تلك السنوات مليئة بمشاهد يصعب تفسيرها..! وربما كان من الصعب تصديقها..! لكن لم يكن أمامنا إلا تصديقها والتعامل معها بوضوح وشجاعة..! وللعمل الذي لابد منه لمعالجة مظاهر العنف في العراق وتداعياته ومحو آثاره لا أريد أن أكون "طوباوياً" وأتحدث بـ "إذا ضربك أحد على خدك الأيمن فدر له خدك الأيسر" حيث إن نفس صاحب هذه الكلمة المشهورة عيسى (ع) يقول في إنجيله: "ما جئت للسلام وإنما جئت لأحمل السيف" .. كما أنني لا يمكن أن أدعو الى "لاعنف" رجل السلام الكبير غاندي في زمننا الكالح هذا الذي تعمه أفكار ظلامية تقدس قتل الآخر وتعبد الله بقطع الرؤوس وتفجير الأبرياء واغتصاب النساء وخطف الأطفال.! فليس من المؤكد أن ينفع الكلام مع من لا يملك إمكانية الاستماع للآخر, كما أن "ليس من الواقعي افتراض قابلية السيئين للإصلاح" .. وأفضل مثال على ذلك, سيد المتكلمين علي بن أبي طالب (ع) حيث لم تمنع حججه الخوارج عن ولعهم بقتل كل من لا يوافق رأيهم ولو بقتل رجل مسكين وفقير كـ خباب بن الأرت وبقر بطن زوجته الحامل..!  كما أنني لا أريد أن أدخل بتساؤلات جدلية: هل "القوة" بكل صورها أمراً مرفوضاً؟! وهل من الممكن بناء أمة مستقرة وسلاماً حقيقياً بـ "اللاعنف"؟! ففي كثير من الأحيان يكون العنف مقدمة للسلام حيث يتعب المتقاتلون من القتل وتلهب مشاهد الدم نزعة عارمة لرفض العنف بكل صوره الأليمة والدامية..! وأيضاً, فإن سلاح الدولة وقوة القانون قد يلهم في وجدان "العنفيين" ثقافة السلام, والنظر الى الحياة بعين العقل وتفسير الأمور بشكل أكثر نضجاً وأكثر هدوءً.. وهو ما يجني ثماره العراقيون – تدريجياً – وبشكل يتنامى صعوداً ومنذ أن انطلقت عمليات "فرض القانون" ومروراً بـ "صولة الفرسان" و"أم الربيعين" ووصولاً الى "بشائر السلام" في الوقت الذي لم يبق من حل للمعذبة "ديالى" إلا قوة الدولة وسيف العقل والسلام الذي يستنجدون به – كل يوم – أهالي تلك المدينة الطيبة.

ما أريد أن أتناوله .. مسألة العنف واللاعنف في إطار دولة القانون والمؤسسات الدستورية والعملية السياسية التي تعتمد الآليات الديمقراطية .. وهنا - بالتأكيد - فإن العنف ولغة السلاح سيكون مرفوضاً حيث من الممكن أن يصل صوت المواطن الى أعلى مستويات الدولة .. فلكل مواطن حقه الكامل في الحياة والوجود والوطن .. وبالتالي فإن "البديل" للوسائل العنيفة وأصوات النار والهاونات والعبوات اللاصقة "موجود" .. وهو من حق الجميع .. وبذلك فإن من اللاعقل أن يلجأ أحد الى السلاح في تحاوره مع الآخر من أجل الحصول على "حق" قد لا يكون من حقه. 

في دائرة مفهوم الدولة وقيم الحرية .. من الممكن أن نبحث عن السبل الكفيلة لإزالة أو تحجيم الاندفاع نحو العنف الذي تورم عند بعض العراقيين في العقدين الماضيين وليس حصراً في السنوات الخمس المنصرمة .. وقد كتب العديد من الباحثين العراقيين عن ظاهرة العنف في العراق منذ قديم الأزمان, وهناك من أكد على أن الشخصية العراقية بطبيعتها "عنيفة" .. وقد كتب عالم الاجتماع العراقي د. علي الدوري في ذلك حيث ركز على الجوانب الاجتماعية والمركبة لشخصية الفرد العراقي وربطها بجذور المجتمع العراقي القبلية والبداوة وما لهما من آثار تنمي العنف في تكوين الشخصية .. على الرغم من إن تعاليم الأديان المنتشرة في العراق تدعو الى المحبة والسلام والتعاون بين الناس وخاصة بين أبناء الوطن الواحد, وإن من المؤسف إن مظاهر العنف غير خافية في الشخصية العراقية, ولا أقصد العنف الذي يأتي تحت عناوين سياسية أو طائفية فقط وإنما في مجتمعنا عنف ضد الزوجة والأخت والمرأة عموماً .. عنف ضد الأطفال .. عنف الألفاظ والأصوات العالية .. عنف الأفكار والأحكام المسبقة .. إلخ, وهي مظاهر ينبغي وضع الخطط لمعالجتها جميعـــــــاً.

إن ظاهرة العنف التي رافقت الفترة التي تلت سقوط النظام السابق لم تكن وليدة تلك اللحظة الانفجارية بل إن جذورها تمتد لسنين طويلة خصوصاً حقبة النظام السابق التي أشاع فيها ظاهرة العنف من خلال عسكرة المجتمع وزجه في حروب أزهقت أرواح الآلاف حيث كانت صور القتلى والدماء تفترس عقول وأذهان الأطفال والشباب من خلال عرض (صور من المعركة) يومياً, والتغني بتلك الصور المرعبة وجعلها مادة اعتزاز وتفاخر, في الوقت الذي تعد تنشأة الطفل والحفاظ على خصوصياته ورفع الأذى عنه ووضع الخطط المناسبة لرعايته من أولى مهمات الدول والجماعات المتحضرة, وقد ذهبت اتفاقية حقوق الطفل والتي وقع العراق عليها, وفي المادة (29) منها الى:

1/ تنمية شخصية الطفل وموهباته وقدراته العقلية والبدنية الى أقصى امكانياتها. 2/ إعداد الطفل لحياة تستشعر المسؤولية في مجتمع حر بروح من التفاهم والسلم والتسامح والمساواة. 3/ تشجيع وسائط الإعلام على نشر المعلومات والمواد ذات المنفعة الاجتماعية والثقافية للطفل.

في حين لم تكن تربية الأطفال إلا نمط مشابه للكبار من خلال زرع أفكار الحرب والقتل حيث يترافق رفع العلم صباحاً في المدارس برشقات البنادق وزج الصغار في معسكرات الفتوة والفتيان بجيش القدس وغيرها من المظاهر التي تشيع لغة العنف لدى الطفل بدلاً من تنمية مواهبه الفكرية وهواياته المتعددة, وقد انسحبت هذه الأنماط من التربية الخاطئة على الجيل الذي تلى سقوط النظام السابق, كما ساهمت الظروف السياسية والاجتماعية والاقتصادية في هذه الفترة إضافة الى مظاهر العنف اليومية التي انعكست على سلوكيات الكثيرين خصوصاً على النشئ الجديد الذي تحمل أخطاء السياسات السابقة وتبعات الوضع الحالي فما زلنا نشهد ما يسئ الى تربية الطفل ويدفعه الى تقمص شخصيات العنف ومفاهيمه فألعاب الأطفال مازالت البندقية والدبابة أضف الى ذلك أن هناك الكثير من الممارسات الخاطئة ما زالت موجودة في مجتمعنا التي لها طابعها العنفي ومنها التعبير عن الأفراح بإطلاق العيارات النارية التي تحصد أرواح الأبرياء حيث الأجواء التي تكون فيها البندقية شعاراً للفرح والموت في آن واحد, وغير ذلك, خلو مدننا من المساحات الخضراء من جزرات وغابات, وندرة حدائق الأزهار والنافورات, ونضوب مشاهد التعبيرات الإنسانية التي تصطبغ بها المدن المتحضرة عبر الفنون التشكيلية وألوانها الزاهية حيث تثير في النفوس قوة الإحساس بالجمال والحرية والتشبث بحياة السلام والاستقرار والاندفاع باتجاه التأمل الذي من خلاله تتقد شاعرية الإنسان ويتوهج وجدانه بالحب والعشق والطهر والنقاء.       

في الوقت الذي يحذر المتخصصون من حالة الفراغ والبطالة التي – غالباً - ما تدفع بالشباب الى دهاليز مظلمة وتبني أفكار قاصرة ومتشنجة تجعل منهم أداة للعنف والجريمة والتطرف في التعامل مع الأشياء والأحداث, والتأكيد على أهمية حصر السلاح (الخفيف والمتوسط والثقيل) في الدولة وخاصة في الدول غير المستقرة والتي تعيش ظاهرة العنف, هناك عدة معالجات لإشاعة ثقافة اللاعنف بين أفراد مجتمعنا التي هي - من المفترض - مهمة الجميع .. لكن من أولويات ذلك التحدث عن شريحتين اجتماعيتين لهما تأثير كبير في نشر ثقافة مجتمعية على أسس احترام القانون وروح التعاون والتسامح واحترام الآخر, وهما: شريحة المثقفين والرياضيين .. وأخص الشباب من الشريحتين .. حيث تنحصر معظم هوايات الشباب بين الرياضة بأنواعها والثقافة بجميع أشكالها من (أدب, وشعر, وفن, وموسيقى, ورسم ...الخ) .. وبالتالي فإن دعم الدولة للشباب سيسهم في إشاعة "ثقافة اللاعنف" التي هي سلاح فاعل في الانتصار على منظومة العنف والتطرف, وذلك من خلال دعم البطولات الرياضية والدورات التدريبية وإقامة التجمعات الثقافية والمهرجانات الفنية على مستوى الدولة والمحافظات كـ (المهرجانات الشعرية, معارض الفن التشكيلي, السينما والمسرح, وغيرها), واكتشاف المواهب وتنميتها وتحفيز الشباب على العمل الذي يرتقي بذاتهم وواقع بلدهم, وتعزيز فرص تلاقح أفكارهم وتفاعلهم الإيجابي وملئ فراغهم بثقافات إنسانية وأعمال مفيدة تساهم في بناء العراق الجديد.

وعلى كل حال, ليس من الصحيح أن يظن أحد أن دعم مواهب وطاقات الشباب والشابات في مجال الرياضة والثقافة هو لإبعادهم عن قضايا الدولة والآليات السياسية مثلما هو عملية تحصينهم ضد الإرهاب والجريمة, بل هو على العكس تماماً .. لأن وجه الحياة الحقيقي يتجسد بالسلام والمحبة والتعاون بين الناس, وأن العنف والكراهية حالة استثنائية, كما أن الرياضة والثقافة من المقومات الحيوية لنشوء الأمم المتحضرة والمجتمعات المتوازنة جسدياً وصحياً ونفسياً وعاطفياً .. وأن الإنسان النشيط والواعي هو الرصيد الاستراتيجي للشعوب المتوثبة باتجاه نفض غبار الديكتاتورية عن جسدها ونيل حريتها الكاملة, وتنمية ذاتها وصقل مواهبها وتجديد حياتها وتعزيز الثقة بنفسها والأمل بغد مشرق أكثر سلاماً وأكثر رفاهية.   

 

* معاون محافظ ذي قار

Hdr_2007@yahoo.com