الصفحة الرئيسية

كلمة كتابات

الكتابات المنشورة  تعبر عن رأي اصحابها

زوايـــــا

دراسات

 kitabat@kitabat.com <<<  webmaster@kitabat.com

الارشيف

كتب

4  تموز  2008

ابحث في كتابات

 

نقد العقل العراقي

قراءة في المشهد العقلي للمجتمع العراقي عبر مختلف المراحل التاريخية

 

كتابات - باسم محمد حبيب

 

مقدمة

 

لماذا نقد العقل العراقي ؟

 

قبل عام تقريبا نشرت مقالة بعنوان نقد العقل العراقي (1) حاولت فيها التطرق إلى بعض سمات العقل العراقي والأسباب التي ساهمت في بروزه بهذا الشكل منوها إلا إن المقالة تمثل في الواقع الخطوط العريضة التي اعتقدها مناسبة أو ضرورية لدراسة شاملة يمكن إن تتناول العقل العراقي حيث بدأت منذ تلك اللحظة بالإعداد لهكذا مشروع كنت اعلم جيدا صعوبته لاسيما مع ندرة المصادر الخاصة بهذا الأمر وعدم وجود دراسات تقدم السند لهكذا مشروع علما إن الدراسات المتوفرة على المستوى العربي (2) تدعي شمولها لهذا الأمر على أساس أن العراق بلد عربي ولابد أن تكون عقليته مشابهة لما هو موجود في البلدان العربية الأخرى وهذا الأمر ليس صحيحا على الإطلاق لما في العراق من سمات لا تتوافر أبدا في سواه انطلاقا من تاريخه الطويل المعقد وحضارته العميقة ومشاكله الكثيرة وبالتالي فأن هكذا دراسات قد تضلل أكثر مما تفيد وقد تضعنا في صورة ليست لها علاقة بحالنا وبالتالي أدرت ظهري عن معطياتها حتى لا أقع في المحذور مع إن هذه الدراسات قدمت لي الإلهام للسير على خطاها وصولا إلى ما هو مفيد وبالطبع فأن الأسباب التي دفعتني لخوض هكذا مغامرة نابعة من حاجتنا الماسة لدراسة العقل لإحداث حالة عالية من التغيير كنا نفتقدها كثيرا بعد أن هيمن البؤس والمرض على واقعنا العليل سيما ونحن مقبلون على مرحلة جديدة لابد أن تركز أساسا على العوامل المسببة للنكوص حتى نخلق الأرضية المناسبة لأي تطورات على هذا الاتجاه مدركين بان تغييرا لا يتضمن العقل لن يكون له اثر جدي في أي مسيرة تطورية وستكون أي محاولة من هذا القبيل مجرد جعجعة في فنجان سرعان ما تخبو ليعود الحال من جديد واسوا من ذي قبل ما يطرح حقيقة أن العقل العراقي لم يتوصل يوما إلى صيرورته وبقي دائما في حالة دوران مع نفسه كأنه يتغير وه لا يقوم إلا باستنساخ نفسه مرة تل والأخرى أي أن ضرورة التغيير ليست نابعة من حراك التطور الذي ينشده الحال العراقي وحسب بل ومن ضرورة الانقلاب على أسس الدوران في حلقة العقل المفرغة والتي لم تتغير منذ ألف سنة وبالتالي لابد لنا من أن نبحث في هذه المشكلة الخطيرة حتى نستطيع أن نوجد العلاج الملائم لها والطبع يتم ذلك من خلال البحث في أعماق المشكلة العقلية حتى يكون العلاج شافيا كذلك هناك هدف آخر لهذه الدراسة ينطلق من ضرورة معاينة المشهد العقلي بغية الخروج بفهم واسع لواقعة استجابة لدواعي المعرفة وتطمينا للفضول لان نقدا بهذا الحجم والتخصص لابد أن يحمل جدواه لواقع الفلسفة الحالي والمأزق الذي تعيشه ليس على المستوى العالمي وحسب بل وعلى هذا البلد أيضا لان العراق هو من أشح الدول إنتاجا للفكر الفلسفي على عكس ما كان يحصل في السابق ما يشير إلى وجود أزمة عقلية ربما لها علاقة بواقع العقل نفسه كذلك علينا أن ندرك إن من شان هكذا نقد تحقيق فوائد مهمة على طريق إنتاج الجديد والمختلف منها زعزعة المسلمات التي دأب العقل على التمسك بها انطلاقا من كسله المزمن لاسيما تلك المسلمات خلف قلعه المتمرسة الدين الحصينة سواء في علاقتنا بالآخر أو في توجسنا من الجديد الذي يتلبس دائما مفاهيم مثل الضلال والحرام والمكروه والباطل والبدعة ... الخ التي هي منتجات عقلية مزيفة مصدرها ذلك الوهن الصحي القابع في العقل ما يضعنا أمام مسؤولية مواجهة هذا العقل بفحصه من الداخل لنكون على بينة من منطقه وأسلوب عمله الأمر الذي دفعنا إلى كتابة هذه الدراسة التي نتمنى أن توفي الموضوع حقه لتكون دراسة ناجحة وواقعية وحسبي إنني أمهد الطريق لدراسات أخرى أكثر أهمية ومضمونا من دراستي هذه لان النجاح قد لا يأتي دفعة واحدة بل يحتاج إلى مراحل وخطوات وأتمنى أن تكون دراستي هذه الخطوة الأولى في الاتجاه الصحيح  متمنيا للجميع النجاح والموفقية وعسى ان تحقق هذه الدراسة الهدف الذي نتوخاه في انتاج وعي جديد يؤمن بالحداثة والتجديد وشكرا...

 

 

العراق ـ محافظة ذي قار ـ ناحية النصر

2 / 1 / 2008

 

الفصل الأول

 

العقل العراقي : المفهوم . السمات . المسيرة

 

قبل أن نسترسل في نقد العقل العراقي لابد أن نحدد أولا ما نقصده بهذا العقل ؟ وما هو الإطار الجغرافي والاثني والسياسي له ؟ واهم الخصائص التي تجعله مختلفا عن سواه في البعدين العربي الإسلامي أو الشرق أوسطي والعالمي ؟ ثم وهو الأهم ماذا نعني بالعقل أصلا ؟ وباعتقادي فان ما يجب أن نعرفه أولا هو حقيقة أن العقل ليس شيئا ثابتا إنما هو صيرورة من حد لا نعلمه إلى حد لا  ندركه  وهو بالتالي جزء من نسق التطور العام الذي بلغ نضجه في الإنسان الكائن الوحيد العاقل بحسب علمنا فالعقل هبة التطور للإنسان مثلما إن الإنسان هبة التطور للعقل كلاهما يكمل الآخر وبغض النظر عن التوصيف الهيغلي لمسيرة العقل يبدو أن تلك المسيرة لم تكن واحدة في كل مكان ولم تأخذ الطابع نفسه دائما إنما كانت تخضع لظروف الزمان والامكان وتتكيف معها الأمر الذي خلق تباينا في مستوى العقل من شعب إلى آخر ومن فرد إلى آخر ومن الطبيعي إننا لا نقصد بالفرد الفرد المنعزل أو المتوحد لان هذا غير موجود على صعيد الواقع إنما نقصد الفرد الاجتماعي الذي يمثل نتاجا لحركة التاريخ المترسبة جينيا ولفعالية المجتمع المباشرة وبعبارة أخرى العقل المكوِّن (بخفض الواو) والعقل المكوَّن (بفتح الواو) حسب توصيف لالاند (1) ومن الطبيعي إن العقل المكون أو الفاعل يعمل بحسب بناءات وقواعد العقل المكون السائد مثلما يحصل وينمو الأخير على حسب نشاط وفعالية العقل المكون وبحسب شتراوس (يتطور العقل ويتحول في الحقل العملي فالكيفية التي يفكر بها الإنسان تترجم عن علاقاته بالعالم والبشر ولكن كيما يتسنى للممارسة أن تعاش كفكر فلابد أولا ـ بمعنى منطقي لا بمعنى تاريخي ـ أن يوجد الفكر أي أن تكون شروطه الأولية متاحة في شكل بنية موضوعية للحياة النفسية والدماغ وألا فلن يكون هناك وجود لا لممارسة ولا لفكر وعليه وإذ نصف الفكر الوحشي بأنه نظام من مفاهيم متدبقة في صور فإننا لا نقترب البت من روبنسنات الجدل المكون فكل عقل مكون يفترض عقلا مكونا) (1) أي أن الإنتاج الفكري والعلمي والفني لأي حضارة ما هو إلا نتاجا لطبيعة العقل المكوَّن لان (كل من يشارك في عقل مكوَّن يضعه حتى قيام البرهان على العكس على انه صالح لكل زمان ومكان معروف) (2) أي أن حركية العقل المكوِّن تكون مكبلة بطبيعة العقل المكوَّن وتخضع لنسقها وبالتالي حتى التطورات التي تنشا من خلال ترابط العقلين تكون محددة نسبيا بهذا الترابط ودرجته وبحسب هيغل لا يمكن دراسة مستوى العقل بدون دراسة تاريخه ومن خلال هذه القراءة سوف تتضح لنا صورة المشهد العقلي لكن هيغل يفترض في البداية أن هناك شعوبا لا تنتمي لعالم التاريخ أي ما معناه أن عقلها المكوَّن ساكن تماما أي هي بلا عقل مكوِّن عادا أفريقيا باستثناء مصر وقرطاجة من هذا الصنف أما شعوب التاريخ فقسمها هي الأخرى إلى قسمين شعوب لا يجاوز وعيها التاريخي الأفق الديني أو الروحي وقد اعتبر الشعوب الآسيوية من هذا القسم وشعوب يرتقي وعيها التاريخي إلى أعلى من مستوى الدين بكثير وهي شعوب الفلسفة أو العقل من حيث هو فكر الفكر ممثلا هذا بالشعوب الأوربية (3) فالتقسيم الهيغلي ليس هو فقط تقسيما زمانيا بل هو تقسيم مكاني أيضا وحمل كذلك صفة حضارية لان أوربا وحدها حسب طرحه هي التي واكبت مسيرة التاريخ فيما بقيت أفريقيا على درجتها ما قبل التاريخية واسيا عند بداية التاريخ أي إن عقلها المكوَّن ذو نسق حركي بطئ لا يسعفه الجري مع التاريخ السريع جدا وإذا كانت آسيا هي مولد التاريخ والحضارة والدين فلا يسعها أن ترتقي على ذلك (هذا ما يطرحه حال التاريخ كما هو الآن) في ما أن أوربا استفادة من إنجاز آسيا تحركت بعيدا وتمثل بها  بعد التاريخ بأجل معانيه لتواجهنا صيرورات أوربية متصاعدة بدءا من أوربا اليونانية أوربا العقل والفلسفة إلى أوربا المسيحية التي زاوجت بين العقل والدين إلى أوربا الحديثة التي أعادت الاعتبار إلى العقل واعطته منزلته السامية إلى أوربا الجرمانية قمة الهرم العقلي لأنها كما يرى هيغل هي من أسست منهج المطابقة بين العقل والواقع ولذلك لابد أن ننطلق في دراسة عقلنا من تحديد أولا إطار المفهوم (العقل العراقي) أين تبدأ حدوده و تنتهي هل يشمل المنطقة التي يسكنها العرب أم التي يمتد على مداها السهل أم تلك التي يسود فيها الطابع الشيعي وإذا كان الأمر كذلك أين نضع الأعراق أو الاثنيات الأخرى الكرد الكلدواشوريين الصابئة التركمان ... الخ . لكي نجيب على ذلك نقول إن الإطار الذي يحدد مفهوم العقل العراقي من وجهة نظرنا لابد أن يشمل الإطار الثقافي للحضارة العراقية القديمة بغض النظر عن كون هذا الإطار محدود ضمن إطار العراق أم هو ممتد إلى خارجه أم أن تكون الاثنيات الداخلة فيه منفصلة أم مدمجة محصورة في الداخل أم ممتدة إلى الخارج لأننا نعلم أن هناك اثنيات منفصلة هي واقعا جزء من النسيج العام لحضارة وادي الرافدين واثنيات مدمجة قد تكون مرتبطة بالتكوين القديم للعقل العراقي إلا أنها استجابت لمنطقه وذابت ضمن مفهومه لأسباب عديدة فتحديدنا لهذا المفهوم لا يشبه كثيرا دراسة محمد عابد الجابري عن العقل العربي الذي لا يمكن أبدا حصره بمنطق ما لان المنطقة التي شملتها دراسته تنطوي على اثنيات وأعراق مختلفة ولا تحمل معالم لفعل محدد بوضوح لكن مع ذلك نستطيع أن نؤكد أن معالم العقل العراقي تبرز بوضوح كلما اتجهنا إلى الجنوب الأرض الحاضنة لحضارة سومر القديمة الأمر الذي يتفق مع رأي علي الوردي (1) الذي أكد فيه إن المنطقة الرسوبية هي التي أعطت العراق طابعه الاجتماعي وهي التي تبلورت فيها الشخصية التي تميز بها الفرد العراقي بوجه عام وفي هذا الإطار الجغرافي يتواجد مزيج اثني يمثل بقايا الأجناس النازحة إلى العراق عبر الحقب الزمنية الماضية والتي احتفظت بطبيعة الحال لجزء من قيمها وتقاليدها ومزاجها رغم اندماجها بالنسيج العراقي وتبلورها ضمنه وابلغ دليل على ذلك الاختلاف البائن في الأشكال والألوان حتى داخل العائلة الواحدة وهذا مما يدلل على قوة العقل العراقي مقدرته الفائقة على فرض نسقه على القادمين بما في ذلك بالطبع الغزاة منهم الذين يردون تباعا إلى ميدانه والسبب في امتلاك العقل لخبرة صراعية مستمدة من صراعه القديم مع البيئة والتي مكنته من امتلاك دافع المقاومة مع أن هذا الدافع ينتقل أيضا من خلال المعايشة إلى الأقوام الأخرى ما يجعلها تقاوم هي الأخرى سطوة العقل العراقي ومحاولته المستديمة لغرض نسقه ما تسبب في نشوء جزر أثنية ـ ثقافية ضمن إطار العقل العراقي بالرغم من السيادة التامة للطابع الأصيل المنبثق عن تراث هذه الأرض أما الخصائص التي تجعل هذا العقل مختلفا عن سواه في البعدين العر[1]بي والإسلامي فتنطلق أساسا من العوامل التي شكلت الكينونة العراقية بما في ذلك بالطبع النمط البيئي الفريد الذي يمثل البنية التحتية لهذا التكوين المحدد هذا ناهيك عن العوامل التاريخية الأخرى والتي انطلقت بشكل خاص من حركة التاريخ واحداثه ومساراته المتراكمة فالحقيقة التي يمكن لأحد أن ينكرها هي انه لا يوجد إلا القليل من التشابه بين الواقع العراقي والواقع في الأقطار الأخرى العربية والإسلامية ولا يمكننا بأي حال عد المشتركات التي يبنى عليها ترابط ما على أنها شيء حاسم لربط الأقطار بعضها ببعض لان الخطاب القومي والديني الذي يطرح تلك الحقيقة يفضح ذاته بذاته ولا يمكننا التعويل عليه بأي شيء والدليل انه كان ومازال يستجدي الشواذ والنوادر ليؤسس على ضوئها واقع عام هو ابعد ما يكون عن التجانس بدليل انه يعتمد الآن بعد أن فقد كل شعاراته على (الاسلاموفوبيا) التي غدت الآن الطوق الوحيد لنجاة المشروعين القومي والديني هذه الاسلاموفوبيا لا توجه ضد الآخر وحسب لتجعله بعيدا ومرتعبا بل وضد الذات أيضا حتى تجتمع عناصر المشروع لتسند بعضها البعض وتكون خاضعة دائما لسلطة اللوغوس الجامع لها أو المؤسس (لأيدلوجية) الاسلاموفوبيا وبالتالي فان الخلاص من هذا الفهم المزوع من خارج العقل هو بالابتعاد عن المشوه والمزور من العلاقات والاقتراب من الواقع والأصيل منها وإذا كانت الشعوب الإسلامية والعربية مختلفة في أعراقها ومناخها وتضاريسها وثقافتها وتاريخها ونظمها الاجتماعية والاقتصادية فليس هناك ما يدعو إلى جمعها ضمن إطار واحد مثل العقل الإسلامي (1) أو العربي وحتى لو افترضنا جدلا أن هناك عقل من هذا النوع فليس في الواقع إلا عقل عمومي ينطوي فقط على نطاق المشتركات لا غير ويستهدف النمط الفكري المزروع وحسب ما يعطي شرعية كبيرة لشعارات تحمل نطاق اقل عمومية وقد يدعم مشاريع العقل المناطقي أو القطري التي تتوافر على جملة مشتركات اكبر بكثير مما لدى ذلك العقل العمومي المفترض (2) لأننا لو أخذنا العراق كمثال وهو موضوع دراستنا هذه سنجد أن الاختلافات الموجودة اكبر بكثير مما يمكن تصوره وهي مشتملة على أكثر من نطاق جغرافي وتاريخي واجتماعي واقتصادي وثقافي .. الخ . وبالطبع يمكننا أن نؤكد أن هناك الاختلاف صميمي إلى الدرجة التي يصح معها تحديد مفهوم خاص بها وابلغ تأكيدا على ذلك ما أشار إليه كل من الباحثين نوركيلد جاكوبسن (1) ولويل كوكس   [2]عندما عقدا مقارنة بين واقعي بلاد الرافدين ووادي النيل والذي حد إنتاج ذهنيتين متناقضتين كما طرح ذلك وبتفصيل مناسب نوركيلد جاكوبسن في دراسته عما قبل الفلسفة وإذا كان هذا حال بلدين متشابهين في كثير من الخصائص البيئية والاقتصادية والتاريخية فالتناقض سيكون اكبر حتما فيما لو جرى مع بلدان بعيدة كموريتانيا والصومال وماليزيا وباكستان على سبيل المثال ما يجعلنا بالتالي متحفظين على اعتبار العقل أو الثقافة الموصوفة بأنها إسلامية أو عربية على أنها إنتاج طبيعي لخصائص بلدان المنطقة بغض النظر عن وجود خصائص أخرى قد تسمح بهذا البعد والتي لن تكون بأي حال تمثيلا طبيعيا لما يجب أن يكون عليه الحال الطبيعي أو المنطق الذي تفرضه الخصائص جميعها بدليل إننا نشهد الآن انبعاثا للنزعة المناطقية وتململا من الإطار الجامع للمشهد الثقافي العام هذا ناهيك عن حصول تناقضات حادة بدأنا نلمس تأثيراتها الواضحة في أكثر من مكان لكن هذا لا يعني إننا يجب أن نتجاهل المنطق الطبيعي للجدل الإنساني السائر إلى الوحدة والتجانس بل إننا نؤكد عليه انطلاقا من جدلنا المناطقي لان تراث العقل الجماعي في منطقتنا لم يكن إلا تراثا هجينا وذا دافع عنصري لأنه أنتج بحراك شاذ فيما أنتج العقل الغربي بحراك طبيعي انطلق من جدل الحرية في المجتمعات الغربية وبالتالي علينا أن ندرك إن مقياس التقدم في كل من المسارين مختلف تماما فإذا كان التقدم في المسار الغربي يتم من خلال السير إلى الوحدة الأوربية أو الغربية فان التقدم في المسار العربي والإسلامي يتجه إلى العكس تماما إلى الانقسام والتفكك وبعبارة أخرى إذا لمسنا تفككا وانقساما فهذا يعني إننا نتقدم ولذلك من واجبنا أن نشجع الدعاوي  التي تضع التفكيك سبيلا للبناء   أينما تكون في بلادنا نشدانا لما هو أفضل لنا جميعا وإدراك طبيعي للضرورة التي يتطلبها تجانسنا السليم الخالي من القسر ولذلك علينا أن نؤمن باختلافنا وتناقضنا وان نبذل جهدا كبيرا لإدراكه والتعبير عنه بشكل سليم ولابد أن نبحث في ثقافتنا عن كل ما يؤكد هذا الاختلاف والتناقض ليس لأجل التباغض مع الآخر بل لإنتاج التكيف الطبيعي المفضي إلى التوحد .. هذا التكيف الذي يكون ممكنا بدون إيضاح واقع الاختلاف واتجاه الإطراف للتعبير عنه بكل حرية وقوة لان اختلافي مع الآخر سيدفعني حتما إلى البحث عما يجمعني به من اجل التكيف معه وليس لمحاربته أو مناقضته وهو أمر يعجز عنه بالتأكيد مشروع التجانس المزيف الذي فرضته الأنساق الأيدلوجية القسرية زمنا طويلا والذي تحاول ألان إبقاءه بحد العنف بعد أن أصابه الوهن والترهل ولذلك علينا أن نبحث عن نهضة تتجاوز المفهوم التقليدي لها والمتمحور أساسا على حالة التخلف لان التخلف بحد ذاته لا يمثل الخطر الأساس على حياتنا بل هناك ما هو اخطر كثيرا ويؤسس لهذا التخلف أيضا انه تأسيس نهضة تعيد إحياء المشروع الشمولي المزيف أصلا ولذلك يجب أن نقف وبكل قوة ضد أي نهضة من هذا النوع مهما انطوت على مكافئات أو فوائد وبالتالي من الخطأ أن نقول إن الخصم المفترض لنا (أي الوهمي الذي ينتجه عقلنا الجماعي المزيف) يريدنا أن لا ننهض أو انه يعمل على ذلك لان العكس سيكون صحيحا استنادا لما يؤدي إليه هدف النهضة (1) أليس من السذاجة مثلا تصوير إسرائيل على أنها تهدد باكستان أو جيبوتي أو السودان أو غيرها من البلدان العربية والإسلامية ولا نشير إلا أن التهديد المزعوم هو من نتاج الطوباوية الدينية والقومية التي يرسخها عقلنا القومي والديني أليس هذا هو السبب الكبير الذي أدى إلى استفحال القضية الفلسطينية وعدم التوصل إلى حل لها إلى الآن استنادا إلى رغبة العقل الجمعي المؤسس على الزيف في خلق قضية تطرح مشروعية أو مبرر للعقل الجمعي وبالتالي تحولت القضية من حالة طبيعية يمكن حلها بمفاهيم العقل الطبيعي إلى حالة مستفحلة تتجاوز إطارها الطبيعي لكي تطمن نهم العقل الجمعي ما أدى بالنتيجة إلى نكبة الفلسطينيين والأمر ذاته يحصل في لبنان والعراق وأفغانستان التي تحولت بأمر من العقل الجمعي إلى قواعد آمنة لشعاراته والى ساحة لتنفيذ أجندته غير المنطقية ما يعني إننا بحاجة إلى نهضة معاكسة تعيد للمناطق والبلدان حريتها السليبة وترفع عنها نير هذا التسلط الفكري الهجين .. نهضة تعيد للفلسطينيين حريتهم التي سلبها العرب والمسلمون قبل أن نبحث عن حل لقضيتهم مع إسرائيل .. هذا الحل الذي سيكون ميسرا فيما لو أصبح للفلسطينيين قرارهم المستقل ونأوا بأنفسهم عن حلبة المزايدات القومية والدينية المزيفة والأمر ذاته يحصل مع لبنان والعراق وأفغانستان وكل مكان آخر من هذه المنطقة .

 

طابع العقل العراقي أو سماته العامة

 

طابع العقل العراقي أو سماته هو الأمر المهم الذي تنطلق منه دراستنا هذه لأنه يكشف لنا عن ضرورة هذه الدراسة وأهميتها مقابل دراسات أخرى تناولت سمات العقل العربي او الاسلامي اعتبرت كافية لفهم العقل العراقي على اساس ان العقل العراقي هو جزء من العقل العربي او الاسلامي ولا ضرورة لدراسته بشكل مستقل وهذا في الواقع خطأ كبير لان نقد العقل العربي هو في الواقع نقد لما هو اشمل بكثير من حدود الواقع العراقي وربما لا يقترب منه كثيرا لذلك لا يمكنه ان يلبي حاجتنا إلى نقد يتناول خصوصيتنا وواقعنا بالذات سيما وان العقل العراقي يتصف بصفات خاصة ناتجة من بيئته الصعبة وظروفه المعقدة مع انه يتماثل ايضا وفي نطاق ما اوسع قليلا مع نموذج العقل العربي او الاسلامي وبشكل اقل مع النموذج العام للعقل البشري وبالتالي وانطلاقا من هذا الامر لابد لنا ان نكون قادرين ليس على تفكيك منظومة العقل البشري وحسب لفهم الاطر التي تشكل مشتركات عقلية عامة بل وتحديد الفروق ايضا من اجل الوصول إلى فهم حيوي يتيح لنا تفقد مساحاتنا الفكرية ومدياتنا العقلية داخل مكوننا الثقافي لان العقل هو المفسر للثقافة مثلما تمثل الثقافة الفاحص الافضل للعقل وبالتالي يمكننا كمثال تفسير انتكاستنا الحضارية ليس من خلال فحصها ودراستها ميدانيا كما يفعل البعض انما ومن خلال دراسة العقلية المسببة لهذه الانتكاسة لان الحضارة كما يقول  شبنجلر(  هي المصير المحتوم للثقافة   ....وهي اكثر الحالات الظاهريه والاصطناعيه التي تكون اجناس من البشريهالقادره عليها .. انها عصاره الشىء في حاله الكينونه يتبعه الشيء في حاله          الصيروره) (1) وبالتالي قد لا نكون مغالين اذا قلنا ان ثقافتنا لم تعد ثقافة منتجة مثلما لم يعد عقلنا عقلا مبدعا كما كان الحال عليه في عهد اسلافنا البعيدين ولكن كيف نفسر ونحن احفاد لاولئك الاسلاف ان يكون موقعنا الان وبعد هذه المسيرة الطويلة في اخر ركب الحضارة فيما تبوأ اجدادنا صدارتها في تلك العهود السحيقة ؟ هل هناك سبب غير الظروف والتمازج العرقي ؟ لاشك ان السبب الاساس لهذا التراجع يتصل اساسا ببنية العقل او اسلوبه الادائي الذي اصبح اسلوبا نمطيا يحوي كوابح فكرية وفرامل ادائية لا يمكنه بسهولة ان يحيد عنها او يتجاوزها أي اننا في الواقع امام عقل شبه سكوني ومتحجر ما يدعونا إلى نقد هذا العقل نقدا موضوعيا عميقا بما في ذلك نقد اسلوبه النمطي الاستنساخي ومحدداته الادائية بغية اصلاح منظومته السكونية لتحويلها إلى منظومة حركية ولاننا ندرك جيدا ان أي نقد من هذا القبيل يس بالميسور تحقيقه وانجازه بسهولة فان مرادنا هنا هو وضع اطار عام نحدد بموجبه ما يجب ان نفهمه من هذا العقل وما علينا فعله لاصلاحه محلين الامور الاكثر شمولية إلى دراسات اخرى لاحقة ان اهم سمات العقل العراقي التي تجعله مختلفا عن سواه تتحدد تقريبا بالاتي :

 

1. اضطراب عملية التفكير

 

يعاني العقل العراقي من قصور الفكر النقدي فهو متحيز بشكل تلقائي لتدخل العوامل الانفعالية والعاطفية في عملية التفكير سيما وان العقل العراقي يميل إلى الانفعال الحاد على حساب الفعل وقد تجده ناقدا ولكن ليس بالصورة الصحيحة البناءة لان عملية النقد لديه مرتبطة دائما وبشكل كبير بالعوامل الذاتية والمزاجية بالرغم من وجود عوامل موضوعية تحركها عادة وقد تضعها في احيان معينة ضمن اطار النقد الصريح والشفاف الا انها لا تكون مؤثرة لعدم دوامها واختلاطها بالمعايير الذاتية .

 

2. قصور عمليات التحليل والتركيب  

 

يعاني العقل العراقي من عجز كبير في عمليات التحليل والتركيب التي تكون مرتبكة إلى حد كبير بما في ذلك عجزه عن الغوص في التحليل إلى مديات مناسبة تؤدي إلى فهم مجمل ابعاد الظاهرة المعنية بالتحليل او في معاينة مختلف جوانب المسائل التي تواجهه حيث يبقى التفكير انطباعيا او شكليا قاصرا عن بلوغ ما هو مطلوب وهو ما يشير إلى خلل كبير تضع العقل العراقي في مستوى العقول المتخلفة لانه ما لم يمتلك العقل قدرة عالية على التحليل والتركيب لن يكون بمقدوره السيطرة على الواقع وفرض حاجاته عليه سيما وان الاكتفاء بالمظاهر السطحية يعني البقاء بعيدا عن الحقيقة وبالطبع فان اعتلال عملية التحليل يعني ايضا اعتلالا في عملية التركيب مثلما يصح العكس لانهما مرتبطان ببعضهما ارتباطا وثيقا ولا يمكن فصلهما اطلاقا وبالتالي قد يقترن بالتحليل المعمق القدرة العالية على اعادة التركيب او اعاد تصنيع الشكل من خلال اعادة ترتيب العلاقات .

 

3. ضعف المثابرة على التفكير

 

من مميزات العقل العراقي انه يبدء عملية التفكير بحماسة كبيرة وقد يحقق فيها نجاحات معينة لكنه سرعان ما يفقد حماسته بالتدريج حتى تذوي العملية إلى لا شيء او إلى امور لا قيمة لها ولذلك ينعدم او تقل لديه عملية التخطيط للغد او للمستقبل فهو يريد الوصول إلى النهاية بدون ان يبذل جهدا لذلك ويلت