|
|
الكتابات المنشورة تعبر عن رأي اصحابها |
||
|
4 تموز 2008 |
|
والعاقبة للكّتاب والمثقفين
كتابات - عبد الكريم كاظم
الخصام بين اللغة والمعنى ليس أمراً طارئاً ولا جديداً، فهو الإطار الذي تجسد فيه التناقض والتكرار بين القديم والجديد، أو بين الكتابة الجديدة والجامدة، أو بين أهل التجدد والتأويل من جهة والمتمسكين بحرفية الكتابة القديمة من جهة أخرى . ثمة قضية معرفية راهنة دائماً يمكن، جوازاً، أن نطلق عليها عملية تحرير وتحديث اللغة في بُنى العقل أو المعنى، وبالتالي في البنى الثقافية والسياسية والحياتية ذاك لأن الإحساس بالمعنى، تحديداً، والحرص عليه سمة مرتبطة بالمعرفة، وإما دلالة المعنى فهي ضرورة لغوية من أجل الكتابة، دعونا نقول مرة أخرى بدقة وتركيز: إن الكتابة التي اعتمدناها وعملنا بهداها برهنت خلال السنوات المنصرمة عن جوانب ضعف غير قليلة هذا أولاً، كما برهن الواقع العام على أن بعض ما فيها قد فات أوانه، ناهيك عن وضعنا لتلك الكتابة في قوالب جامدة جداً وحفظناها عن ظهر قلب ورددناها كما يردد "المؤمن" ما حفظه من آيات قرآنية عن ظهر قلب أيضاً . وربما البعض من هؤلاء كان لا يفهم ما حفظه حقاً وما كتبه ويكتبه كذلك، ثم عمدنا إلى قسر الكتابة على الواقع القائم، الآن، بغض النظر عن رفض ذلك الواقع لما نفرضه عليه من نصوص وكتابات وبحوث ودراسات ونظريات متجمدة، كنا نعبر عن رغباتنا وإراداتنا وليس عن الواقع القائم وما يستوجبه من معالجات عميقة وحلول ناجعة، وهكذا تعاملنا مع السياسية والثقافة والحياة . لقد وضعنا نظرية كتابة ملتبسة ومنسجمة مع ما كنا نريده من المعنى الغائم للكتابة وما نرغب في تدوينه وتحقيقه، وكانت الطامة كبرى والحصيلة جلية وبائسة . عندما نقول ذلك لا نعفي أنفسنا من هذه الأخطاء الفادحة قطعاً، حتى كانت الحصيلة جدب وعقم وخراب فكري ومعرفي وسياسي وكان في وهمنا، مع ذلك، أننا كنّا على حق وكنا نمتلك الحقيقة كلها، إنها ملكنا وحدنا والعاقبة للكّتاب والمثقفين، وهنا نسأل: هل يعني ذلك أننا نستعيد ما في العاقبة، بين "روّاد" الأمس و"ورثة" اليوم، من تفاصيل وحجج وأفكار متداولة؟ طبعاً لا فالعاقبة تلك حصلت في المرحلة الأولى من الحياة الثقافية بينما نحن اليوم في خضم المرحلة الجديدة التي تتميز بكون الخصام فيها على أنواعه قد غدا أكثر تعقداً وأكثر غنى وأن أدواته اللغوية والمعرفية قد استفادت من كافة التطورات والمهارات والخبرات والأفكار السابقة وعلى هذا الأساس يمكن القول إن أسئلة الكتابة قد تتشابه وتتداخل، غير أن كتابة جديدة كثيرة، نتأملها، تدخل في سياق هذا الخصام القديم الجديد . في أحيان كثيرة وعندما نكتب بطريقة نقدية صارمة للماضي والحاضر فهذا لا يعني أن كتاباتنا السابقة كانت كلها جملة من الأخطاء المتلاحقة، فمثل هذا التصور عدمي وينسى الكثير مما تحقق أيضاً، إلا أن صرامة القراءة والكتابة والنقد وحساسيته العالية تطمح إلى الاستفادة من دروس الماضي والحاضر على حد سواء ووضعها في خدمة المعنى اللاحق الذي لن يكون سهلاً في كل الأحوال . الكاتب الملتبس ينتج نقيضه على الصعيد الثقافي وعلى صعيد الكتابات المختلفة وينمو ذلك النقيض الثقافي والمعرفي والسياسي بنموه وبتفاقم كتاباته النقدية الملتبسة السياسية منها والثقافية، وتنشأ كتابة أخرى تتقاطع معانيها ودلالاتها مع المعنى المنشود الذي يحمل معه الجديد ومهمات التغيير، رغم أن جوهر المعنى لم يتغير، وأعني به المعنى المستقل والمجرد والمحسوس الذي لا يطرح نفسه كبديل بل كضرورة معرفية ولغوية ناضجة توفر مستلزمات الوعي الذي لا يُفترض افتعاله بأي شكل من الأشكال . إننا، إلى حد بعيد، نحيا في عوالم معرفية متنوعة ومختلفة وبما أن ثمة اتفاقاً على ضرورة احترام خصوصية كلّ منا، فليكن ثمة اتفاق أيضاً على الكّف عن وضع هذه الخصوصية موضع الشك والتساؤل، إننا أيضاً لدينا ما نحدد به معنى الحياة والثقافة والكتابة . نحن بحاجة إلى فهم آخر للثقافة يتسع للنقد ويتكيف مع المعنى الحقيقي لكلمة الثقافة، وهذه الأخيرة يجب أن تتسع للجميع وتتكامل بالجميع بحيث يتاح لأفراد المجتمع الواحد أن يختبروا الأحاسيس ذاتها وحقائق الواقع الثقافي المعرفي ذاتها، هذه حزمة من الأمنيات والاحتمالات .. هل ستظل ممكنة في عوالم أخرى، عوالم خالية من العاقبة؟
|