|
|
الكتابات المنشورة تعبر عن رأي اصحابها |
||
|
3 تموز 2008 |
|
آخر حروب الرئيس - 2 / بغداد تحترق
كتابات - وارد بدر السالم
لست قادراً على تدوين الألم كما حصل ، فما جرى كان اكبر من أن يوصف ، وأكبر من أن يحدث حتى لو كانت هزيمة ثقيلة في صراع عسكري متكافئ القوة ، لكن أن يتحول العراق الى ما تحول إليه من بلد بلا سلطة ولا سيادة ولا أمن ، يتحكم بمقدراته اللصوص والأمريكان والمارقون والخارجون عن القانون والقادمون من وراء الحدود ، وتشيع في يومياته أعمال العنف والقتل والاغتصاب هو أمر خارج التصديق والاحتمال .
تدوين الألم محاولة قد تكون فاشلة للخروج من الاختناق الوطني الذي فاض عن حده وزاد ، لكن ما حصل لهذا البلد في حرب " التحرير " كان كارثة بالمقاييس كلها ؛ وما كان التحرير إلا انتقاماً لشعب كُتِب عليه أن يكون هكذا : أن يغشه قائده الهمام ثلاثين سنة عجفاء ! ويُدخله ثلاثة حروب ويوقّع على حصاره الطويل ، وفي النهاية يبيعه ويسلّمه الى الغزاة ويتركه مهزوماً في لغز محيّر حتى الآن !
قيل إن العين ترى والعقل يفسر ، غير أن القلم يتجمد بين الأصابع ؛ فمهما اتسعت العدسة انحسرت اللقطة لهول ما فيها ، ومهما كانت البصيرة نافذة إلا أن سُمك الدخان المنبعث من مركز الحدث يحجب الكثير مما يجب أن يُشاهَد. وكلما حاولت استدراج الأحداث بعد السقوط المخزي للنظام العراقي ، يتباعد اليراع عن الورقة ضئيلاً متضائلاً وتنغلق الذاكرة قسراً كي لا ترى وطناً يمزقه أبناؤه وتتكالب عليه ضباعه وشياهه وحمائمه وصقوره . ويقض مضجعه الغرباء والمجرمون القادمون من خلف الحدود بأزياء لسنا أغبياء حتى لا نعرف من أية صحراء أتت !!
سقط النظام في صباح نيساني كان خارج حدود التثقيف اليومي السائد لبسطاء الناس وعامتهم من أن "النصر" سيكون كاسحاً على القوات الأمريكية والبريطانية الكافرة ؛ لأن (قائد الحملة الإيمانية) كان يتشبه بالحسين عليه السلام وإن الله سيمده بمدد من الملائكة لا نراهم !! لكن القائد "المؤمن" تبخر في لحظة المواجهة الحاسمة وفرّ لا يلوي على شيء ، تاركاً جيشه وحرسه نهباً للطائرات ، وتاركاً قصوره ورياشه وطنافسه وكراسي الرئاسة الموشاة بالذهب والحرير الخالص لجنود المارينز الصغار الذين يشبهون النساء والدمى!
محرقة بغداد
بعد عشرين يوماً من حبس الأنفاس وفوضى الحياة الموضوعة على أكف العفاريت ، انكشفت بغداد عن محرقة جديدة تسابق إلى إشعالها الصغار والكبار من الرجال والنساء في ثورة غريبة من نوعها ونادرة في حدوثها بين الشعوب ؛ وهبّت بغداد منتفضة من أرق مزمن مسخ ذاكرتها وحوّل بشرها الى روبوتات تأتي وتروح مخدرة بفعل عوامل التنويم المغناطيسي الثقيلة . واستيقظ فيها ضمير طالما عذبوه وشوّهوه وقصّوا شواربه! وهو الذي كان حتى الأمس القريب يشيد بـ " القائد الرمز " ويطبّل لقامته الفارعة وينتخي لعينيه العسليتين ويصفق لـ " منجزاته " الوطنية والقومية ؛ هذا الضمير الوطني المعذب عقوداً من الزمان يكتشف حقيقة قائده الآن وحقيقة جلاده ، لينتفض عليه برعونة فائقة بلا هوادة ولا تبصر أو بصيرة ؛ وقد تداخلت الألوان في بعضها وصارت المساحات كلها معفرة بالطين والدماء وصار الهدف واحداً والجميع تضافروا ضد الجميع ومع الجميع والى الجميع في هيجان مسعور شمل الماء والهواء والتراب وما فيه وما عليه . فالجلاد الذي هرب بجلده ترك رموزه في كل مسامة وطبع رائحته على كل طابوقة وخلق من نفسه صنماً معبوداً للجماهير الغفيرة التي زحفت مرتين مكرهة ووراءها عصي الرفاق الحزبيين ؛ لإنتخابه رئيساً أبدياً . وكانت مستعدة أن تزحف على أنوفها لحامي الوطن ودرع الأمة العربية وسياجها الشرقي ! وهي تستدل عليه بصورهِ التي تملأ الشوارع والأرصفة والمحلات والبيوت وتماثيله التي تبارى لها أشهر النحاتين ووضعت في أهم ساحات بغداد.. لكنها هذه المرة تستدرك ما فاتها وتستيقظ على كذبة معمرة توارثتها أجيال وماتت في حلقاتها أجيال وضاع فيها مستقبل أجيال ، وتفتح عيونها على جريمة كبيرة ما زال الدم ينقّط من أيدي منفذيها ، وما زال نبض الغدر يدق في شرايين الضحايا ؛ وتثأر بطريقة غريبة وغبية للسنوات القاحلة التي مرت كما تمر الرمال الساخنة على القلوب المقهورة ؛ فالجميع ابتدؤوا بعدّ الجراح ، جرحاً جرحاً ، وأحصوا كميات الألم التي كانوا يحملونها طائعين مرغمين مستسلمين . فاستشاطوا بهيجان عاصف ، يلفهم غبار ودخان وحقد أعمى ، وانعدمت الرؤيا الى درجة الصفر وما تحتها ، فقد كان كل شيء يدل على صدام حسين ؛ على قذاراته وجرائمه وانتهاكاته وساديته وعنفه وعَفَنِه ؛ وكان كل شبر في بغداد يشير إليه ؛ الى حضوره المقيت على الجدران والأرصفة والشوارع ، الى نوازعه الآثمة في نسمات الهواء : هنا مقراته الحزبية التي تشكل دويلات خوف صغيرة ، هناك جوامعه الغريبة المغمسة بالدماء وحبال المشانق ، هناك الشعارات التي تطالعك من ألف إتجاه ؛ هناك مقولات القائد وحِكَمَهُ الإلهية ، هنا الرفاق المطبقون على البيوت كالقدر الأسود حاملين التبليغات تلو التبليغات للصمود والعسكرية والجيش الشعبي والفداء والنخوة ونداء القائد ،، هنا وهناك دوائر وبنايات ظلت لثلاثين عاماً أمكنة للقمع والكبت والرشاوى ، وظلت فيها الأفضلية للقوادين والعاهرات وأبناء العشيرة الواحدة وصبيان الشجرة التكريتية الحاقدة على البشرية ؛ وهنا وهناك كان الظلام الأخير يتبدد برعونة خطيرة ، وثمة شمس أخذت تشرق بسرعة مجنونة بين العيون التي أفاقت على حرية جديدة وغبش ابيض وبين الخطى المتراكضة التي كانت تحطم كل شيء أمامها دون بصر وتبصر، منعتقة من أسْرٍ طويل وسجنٍ حبس الجميع بلا استثناء .. وكانت بغداد كخيمة تترنح وتتهاوى وتحترق بين الحشود المتهافتة .
كان المشهد عجيباً واستثنائياً ومرعباً يفوق الرعب ذاته ويتخطى المشاهد السينمائية المصوّرة بعناية فائقة : بشر تتناسل عن بشر ؛ نساء ورجال وشباب وصبيان وأطفال من الأعمار كلها هبّت غير مصدقة إن عهد الطاغية قد ولّى ، وإن صدام حسين هرب ومَن معه الى قير وبئس المصير .. كانت الوجوه متشنجة ، محتقنة ، تساوت أمام أنظارها الألوان ، وكانت الطرق كلها تؤدي الى الخراب والتنكيل بالنظام بأية طريقة معَبّرة ؛ حتى لو كانت حرق مبنى للمتقاعدين أو مستشفى أو دائرة تجنيد أو جنسية أو مدرسة ؛ وكانت الوجوه المحفورة بالألم القديم والقهر الذي حوّل التجاعيد فيها الى ما هو أمضى من الصخر الجلمود ؛ كان إنعتاقاً مخيفاً أخرج بغداد عن بكرة أبيها ما إن سقط النظام وتهاوى تمثال "القائد الفذ" في ميدان الفردوس وسحقته الأقدام ؛ وهو إنعتاق عارم تحطمت فيه حواجز الخوف المزمن وقهر العقود الثلاثة التي سحقت البلاد والعباد بثلاثة حروب وحصار طويل وإعدامات مجانية وقتل سهل ومقابر جماعية لأكرادٍ وشيعة وسنّة وشباب ما عرفوا من الحياة إلا وجهها الأسود ؛ وما رأوا غير صور "القائد" في صباحاتهم ولياليهم .
الوجوه الغليظة القاسية التي فقدت الكثير من اتزانها ، وغشي عيونها الغبار والرماد ثأرت من ( الدولة ) بهستيريا متصاعدة وإجرام عالي المستوى ! وعالجت الخطأ الجبار الذي ارتكبه (قائد المسيرة) بأخطاء جبارة لم يصحُ فيها ضمير لعاقل ، ولا اهتز فيها شارب لرجل ، ولا استحت فيها امرأة على عرضها وشيبها : ( لقد حان وقت القصاص ) وكإنما كان هذا شعاراً للجميع اتفقوا عليه دون أن يكتبوه على لافتة ، سوى أن سياراتهم كانت مزهوة بالرايات البيض المرفرفة عليها ، وهي إشارة سلام بينهم وبين القوات الأمريكية التي فتحت لهم أبواب الوزارات والبنايات الحكومية على نحو سافر ، بل كانت دباباتهم ومدرعاتهم وسط العاصمة توفر الحماية لجموعهم المتوالدة كنملٍ مفترس تلبّد بوجوه صعدت الدماء حتى مناخيرها وقررت الإنتقام بطريقة جاهلة فيها الكثير من الكبت والغيظ والعفوية والاندفاع الأرعن الى مسالك اللصوصية والتخريب والحرق الشامل لكل ما يمت للدولة بصلة ، حتى لو كانت ورقة مرمية على رصيف ، إذ يكفي إنها كانت في زمن صدام وإنها من صناعته الفاسدة ! وبهذا التدفق اللامسؤول المحمي من القوات الأمريكية قصداً وبالشعور الذي يصعب استيعابه وفهمه للحظته كانت بغداد على موعد مع عملية لصوصية – تخريبية – تدميرية كبيرة لم تحدث مثلها سابقة على مر التاريخ وأمام أنظار العالم . ولا يستطيع المرء وصفها مهما امتلك من البلاغة والخيال ، ولم تنقل لكم الفضائيات إلا ما كانت قادرة على تصويره في لحظات الإنفلات التاريخية التي " احتفل " فيها العراقيون على طريقة (علي بابا) انتقاماً من جلاد وطاغية ومخادع جبان !
الرقص على الأطلال
في لحظة مبرمجة من السقوط الأسطوري لصدام حسين في التاسع من أبريل الماضي ، هرع الغوغاء من كل مفرق وزاوية وشارع وعطفة وساحة ومحلة وبيت وكوخ وفندق ، يجوبون بغداد بفرح أسود قلّ نظيره بين الأفراح المعتادة ، لا يعرفون كيف انتهى كابوس الحكم الظالم ، وكيف انزاح جثام ثلاثين عاماً من الصدور الضيقة بمآسيها في لحظة خرجت من فك الزمن الرمادي الكالح ودخلت في زمن مجنون آخر لا يعرفون ماهيته ولونه ورائحته ؛ ولولا إن الدبابات الأمريكية أخذت تجوب شارعي السعدون وأبي نؤاس بسرفاتها المزمجرة لما كان أحد قادراً على تصديق الحرية الجديدة والبهاء الجديد في أول ولادته القيصرية ؛ ولمفاجأة الفرح الذي لا يُحتمل حقاً ، كانت الآذان والقلوب تصغي لهاتف الانتقام يهتف في دواخلها وخوارجها ، أمامها ووراءها ومن كل اتجاه ، وما كانت الحرية إلا بيضة طرية لم تجف دماء الولادة عليها ، وثمة مَن اندسّ بين الصفوف المتراصة وهي تتملى الحال المتغيرة في فضاء الحرب ، وثمة مَن رأى الدبابات الأمريكية تقتحم المعاقل والأسوار وأيدي جنودها تومئ الى الحشود وتحضها على الاقتراب ؛ فقد ولّى عصر الخوف وجاء عصر الخراب .. هرب صدام حسين ورعيانه ورعيته وحلّ عصر الرقص على الأطلال ، ومن صوت الى صوت كان الجميع يجربون الحناجر وقدرتها على الصياح ، وكانوا يجربون الأجساد وعضلاتها ويتجرؤون على عرين الأسد المتمثل في كل مكان ، وليس من المصادفات أن تكون (اللجنة الوطنية الأولمبية العراقية) أول عرين يُلتهم بكامله ! وأول بيتٍ رئاسي يهدونه على أعقابه ثأراً لزيف الرياضة التي اضطلع بها عدي صدام حسين وهو يبني مجده الأزلي في هذا الصرح الذي يقوم أساساً على الرجولة والأخلاق والفروسية ، وليكتشفوا لأول مرة في العالم أن هذا الصرح الكبير عبارة عن سجن كبير يضم غرفاً للحبس وأخرى للحجز وثالثة للتعذيب ، مزودة بأحدث آلات التعذيب مخصصة لرياضيين موهوبين زهدوا بمتع الحياة العابرة وانتموا الى فضاءات الشباب الطرية ؛ فأية رياضة يريد بناءها ذلك الكسيح المعاق ؟ ربما تشجعت جماهير الغوغاء وهي تكتشف تلك المفارقة غير المتوقعة في هذا البناء الشامخ بطوابقه المتعددة ، الأمر الذي جعلها تزحف وهي تنضم الى بعضها لتشكل جماعات وجماعات طاردة كل المخاوف والمحارم ، مستدلة بضخامة الدبابات الأمريكية التي تتناوب في الظهور والاختفاء بين الجموع المهيّجة ، ومنتمية الى بربرية محلية ولدت في لحظتها ونمت وكبرت وتوسعت ودخلت الى أضيق الشوارع كما دخلت الى أوسعها في أكبر عملية ثأر بشكل سطو ونهب وتخريب وحرق ؛ ترافقها أصابع لئيمة تنير أمامها ما عَتَمَ ، وتفتح لها ما انغلق ، وتفك لها ما اشتبك ، وتدلها على الأهم بدلاً من المهم !!
هذا الغزو الداخلي الذي رافقته أولاً بأول في رصافة بغداد بدا بتواطؤ محسوب بين طرفي المعادلة ، الغزاة يزمجرون بدباباتهم في الشوارع الرئيسة مستعرضين عضلاتهم بعد إن دخلوا بغداد بلا قتال ؛ والآخرون الذين شكلوا طرفاً مساعداً للغزو الأجنبي عندما صفقوا للمحتلين ورفعوا أيديهم محيين انتصارهم الباهر على صدام وشلته المجرمة ؛ بل كانت طوابير من النساء يقفن على الأرصفة ملوحات لشباب المارينز بأيديهن ومناديلهنّ في أغرب حالة من حالات الحروب : أن يصفقن لمحتلي البلاد !!! فيما كان الجنود الأمريكيون غير مصدقين هذا الواقع الغريب ، وكانت علامات الذهول والاستغراب مرتسمة على وجوههم الصغيرة أول الأمر ؛ لكنهم فهموا لاحقاً ؛ وكان عليهم أن يفهموا هذا جيداً ؛ إن صدام حسين تسبب في كل هذا البلاء ، وغيّر حتى من الشعور بالوطن والمواطنة لمجرد التخلص منه بأية وسيلة حتى لو أُحتلت البلاد !!
غزوان في وقت واحد ، أحدهما أكثر خطراً من الآخر . الأمريكيون أقفلوا على هدفهم الثمين غير مصدقين على سهولة حصولهم على هذا الهدف ، وغوغاء الناس تواطأت مع الغزاة واندفعت الى الفوضى التي عمّت الأرجاء ، لتلتهم كل ما يصادفها بلا مشقة أو عناء ، وكانت الكثير من الوجوه التي أراها على شاشات الشوارع وجوهاً مفرّغة من الرحمة ، قاسية وبليدة ، شرهة ، تنعكس من داخلها روح انتقامية فظّة ، وليس من الصعب أن تعرف مَن هي الوجوه المجرمة والمثقلة بالجريمة ، أو المقبلة على أية جريمة ممكنة ، وكان التداخل السكاني يتضاعف مع الوقت بعد شيوع حالة الإطمئنان واللصوصية ، فتختلط مرايا الشر بغيرها وتمتزج العيون واللحى والشوارب والأنوف والأفواه والأسنان بوجهٍ واحد لا مفر من الاعتراف بقبحه وهمجيته ، ويصبح كل شيء مشاعاً ، بلا تقديس أو هيبة . مشروعاً للنهب والسلب والحرق في نهاية المطاف مهما عظم أو صغر شأنه ؛ وكان كل شيء واضحاً منذ يومه الأول من إن بغداد عارية وقد سقطت عنها ورقة التوت ، وإنها مقبلة على أيام عصيبة في ربيعٍ معتم خرج من سياق الفصول الطبيعية ودخل في فصول الجريمة المنظمة التي تديرها مافيات مدرّبة لمثل هذه الأوقات المنفلتة ..
لقطة ! حيّرني رجل يقترب عمره من الستين عاماً ؛ فعلى مدار يومين أراه يحمل على ظهره النحيل ما ثقل من الأثاث المنزلي ويختفي في أزقة (الميدان) ثم يعاود الظهور وهو اكثر حماسة من غيره ويتدافع مع الآخرين لينقل من جديد قنفة أو كرسياً أو طباخاً أو ثلاجة أو سريراً ، وكان خط سرقاته موزعاً بين مباني حكومية مختلفة وعلى امتداد منطقة الوزيرية ، وكان من الثابت لكثيرين من الذين يتفرجون على شعب يسرق نفسه أن يشمئزوا لمنظر الرجل الستيني المنهمك باللصوصية العلنية دون أن يخجل من كبر سنه ولا على شيبهِ الغزير ؛ وقد تمكن بعض الشباب من مشاكسته في نهاية الأمر وهو يحمل بفرح الأطفال بطانيتين وشرشفاً وبعض الأدوات المطبخية ، وكان الرجل قد وجد ظلاً ليستريح ويدخن سيجارة سومر ، كما كان واضحاً في ختام سرقاته المكوكية بين الدوائر الحكومية القريبة من الميدان ، وقال إنه الآن مطمئن على (مستقبله) ما دام صدام حسين قد سقط هو ونظامه ، وهذا الذي يسرقه منذ يومين هو حصيلة انتظار دام ثلاثين عاماً ، لأنه لم يستطع أن يوفر أثاث بيت صغير طيلة ثلاثة عقود حتى أنهكته الأمراض في الغرف المؤجرة بين الفنادق ، ولم تقبل به أية امرأة ، وما استطاع أن يحصل عليه بعد سقوط النظام هو حصته المسروقة منه منذ ثلاثين عاماً ؟ تبرير ظريف ولقطة لا تحتاج الى وقفة مطولة ؛ فهذا الرجل نموذج لسلوك ما بعد الحرب الذي يحمل معه أسبابه الموجبة والسالبة ، وبالتالي جاهزية أفعاله المختلفة ؛ ولكن ما بالكم بمن يسرقون (العقول الإلكترونية ) للمحولات الكهربائية ؟؟ وكيف يتمكن رجل مثل هذا أن يصل الى مثل تلك العقول وينتزعها ؟ وماذا يفعل بها ؟ وما بالكم بمن يسرقون حلقات خاصة تشبه الفواصل الكهربائية بين سكك الحديد ؟؟ هل فعلها رجل مثل هذا جارَ الزمان عليه ؟؟ وماذا تقولون عن زمرة تسرق مفكات وصواميل من حقول النفط في البصرة وغير البصرة ؟ هل يفعلها جهلة ؟؟ أم (وفد) إليها مَن يعنيه الأمر ؟
• لماذا بقيت بناية وزارة النفط سالمة من العبث والسرقة والتخريب والحرق حتى هذه اللحظة !! • مَن سرق المتحف العراقي ؟؟ هل فعلها ذلك الرجل الستيني الباحث عن غرفة عرسه وهو في خريف العمر ؟ • ومَن سرق دار المخطوطات ؟؟ هل فعلتها امرأة جاهلة لا تقرأ ولا تكتب؟ • ومَن سرق وأحرق المكتبة الوطنية ؟؟ هل فعلها غوغاء وصعاليك وشطار وعيارون ومجرمون وهاربون من الخدمة العسكرية ؟ • مَن سرق ضفاف دجلة ؟ هل فعلها الشعراء والعشاق والحالمون ؟ • في خضم هذه الأسئلة ثمة أجوبة منطقية فعّالة تعين كثيراً للوصول على شيء مهم من الحقيقة التي أرادوها أن تضيع وسط الحرائق ويطمسوا معالمها بين الأنقاض ؛ ولما لم نكن ، ومعنا القارئ الكريم ، في لجنة تحقيقية لكشف الجناة والفاعلين ، فإننا سنعزف عن أسلوب التشكيك ، ونقارب بين حقائق الأرض التي شاهدناها عن قرب ولمسنا تفصيلاتها على نحوٍ مؤلم من خلال عرض سريع لخراب بغداد في التاسع من أبريل وما بعده ....
لصوص ورايات
كل لص عليه أن يحمل ما يثبت لصوصيته : أن يرفع راية بيضاء ! وكل سيارة ترتكب السرقات من دوائر الدولة عليها أن ترفع راية بيضاء أيضاً ! وبهذه الطريقة اتفق الغزاة واللصوص على تعرية بغداد واغتصابها وقتل روحها وإحالتها الى هشيم تذروه الرياح ، ولعل امرأة حمقاء قد عبّرت عن هذا الإتفاق بالامتنان الكبير لجيش الاحتلال الأمريكي وهي تقبّل يداً ممدودة لأحد جنود المارينز في أولى لحظات الغزو الداخلي !! وقد شكّلت تلك اللقطة السينمائية المتخاذلة ، بل العاهرة ، ضوءاً اخضرَ للهجوم على دوائر الدولة الرسمية وشبه الرسمية ؛ وإذا ما كانت تلك اليد الممدودة للجندي الصغير إيذانا ليومٍ بغداد الأسود فإن تلك اليد القذرة كانت تؤشر الى ( آخرين) لا نراهم ، كانوا كالجميع يضعون شاراتٍ بيضاء ويمتطون السيارات ويدلفون الى.... الى ما لا يفكر به الحرامية عادة ، ويتوزعون بإيعازات صارمة ومستعجلة الى أمكنة تم تأشيرها على خرائط المعركة باللون الأحمر، وها هي الآن على الأرض حقيقة ماثلة ينبغي التعامل الفوري معها في لجّة الفوضى وحمأة السرّاق الذين وجدوا إن الدولة بلا دولة ! وإن عصر الأمان كان صعباً وقاسياً !! وإن اللصوصية هي الطريق الديمقراطي الذي أخفاه صدام حسين ثلاثين عاماً عن الشعب المسكين الذي كان يتضور جوعاً وعطشاً !
سينما الواقع الشاذ
هكذا ابتدأ المشهد السينمائي بعد سقوط النظام ؛ وهكذا زحفت الجماهير المنعتقة من كابوسها الثقيل لتُسقط شجرة العاصمة ورقةً ورقة وتعرّي بغداد قطعةً قطعة وتستبيحها استباحة جماعية بعيون لا تطرف لها الأجفان وقلوب لا تهتز لمرأى النار وهي تأتي على بنايات عملاقة ولا تتركها إلا هياكل مجردة ، وزارات ودوائر حديثة البناء أتت عليها وحوش كاسرة وأخرجت ما فيها من أثاث وأجهزة كهربائية وأضابير وملفات وألقمتها الى حريق تلو حريق وبمراحل محسوبة وأوقات مدروسة لم يكن أحد من العتاة ينتبه لها ! • قال مواطن وهو على درجة من الهستيريا : " أنا آخذ حقي الذي سرقه مني صدام حسين !" وكان يهشم باباً كبيراً لغرفة من غرف المجمع العلمي العراقي دون أن يقلعه ويأخذه الى بيته ! • وصاحت امرأة بين جموع منهمكة بالسلب والنهب في مبنى الاتحاد العام لنساء العراق " هذا يوم إبني الشهيد " • وصاح رجل مسن في داخل بناية المعهد القضائي " هذا يوم الثأر" • وكان أحد الشباب يهيئ دواليبَ من الأضابير في غرفة من غرف وزارة الدفاع ليحرقها وهو يقول لشخص لا يسمعه " وداعاً للعسكرية التي قتلت شبابنا ورجالنا وثكلت نساءنا " • بين هذا وذاك كانت الفريسة تستسلم بتواطؤ الجميع الذين قرروا الركون الى الصمت في آخر المطاف والإنشغال بكسر أقفال العمارات العالية والهجوم على الحواسيب ومكيفات الهواء والتلفزيزنات واطباق الستلايت التي كشفت عن حرمان كبير لأبناء الشعب الغيارى ! والهجوم على بيوت المسؤولين التي تحتوي على ما لذ وطاب من الممنوعات أو التحفيات النادرة ؛؛ ولا جدوى من البحث عن التبريرات ما دام الشعب يسرق الوطن ثأراً من صدام حسين !
خيول عدي
بموازاة ذلك شهدت الشوارع سرقات كافة سيارات الوزارات والدوائر الحكومية وشبه الحكومية والخدمية وسيارات المسؤولين الكبار، وأُستُغلت للسرقات على وجه التخصيص ، ولا تستغربوا أن خيول عدي صدام حسين سرقت هي الأخرى من مزارعه ولنفس الأغراض !! ومن مضحكات البلية إننا رأينا حميراً تحمل ثلاجات ومكيفات هواء وقطع غيار مختلفة !! • لم يعد مستغرباً أن نرى سيارات الإسعاف وسيارات الشرطة وسيارات الزبالة تحمل المسروقات الكثيرة والكبيرة ، بعد إن استولى عليها الصغار والكبار في ضياع السلطة وهربها ؛ وليس من المستغرب أيضاً إن الذين لم يحصلوا على سيارات وحمير وخيول ، لجؤوا الى استئجار هذه السيارات بمبالغ خيالية جداً وصلت الى ربع مليون دينار للمرة الواحدة !! ليقين المؤجر إنه يحمل بضاعة كهربائية من الحاسبات والمكيفات تتجاوز بضعة ملايين دينار ! ومَن لا يملك نقداً فورياً عليه أن يعطي السائق حصة من المسروقات يُتفق عليها سلفاً ، والطرفان سيكونان رابحين في الأحوال كلها ! • سيارات نقل الركاب الخدمية كبيرة الحجم سُرقت هي الأخرى ، لكن معظمها وُظّف لنقل اللصوص الى أماكن كثيرة في بغداد مقابل أجور زهيدة ، كما وُظف البعض الآخر منها لنقل الناس المحاصرين في البيوت الى مناطق مختلفة من العاصمة ، ولعل لصوص هذه السيارات كانوا من ( أظرف ) اللصوص الذين اشتغلوا بعرق جبينهم! • منذ الصباح الباكر ترى أسراب الناس زرافات تتخذ سبيلها الى دوائر الدولة المختلفة ، مستفيدة من معوقات اليوم الماضي ، فهناك بعض الدوائر والوزارات عالية الأبواب ، وقد يكون بعضها محمياً بأقفال كبيرة ، لذا كان التهيؤ الليلي مطلوباً جداً ، وفي الصباح الباكر نرى الجموع والحشود وقد تمنطقت بالأحزمة التي تتدلى منها الفؤوس والحِراب والمسدسات وأسياخ الحديد ، إضافة الى الإصرار العنيد على اقتحام أي مكان مهما علا شأنه وذاع صيته ، وعادة ما تكون الوجوه عابسة ومكظومة ، وما تزال غريزة الثأر مرسوم |