|
|
الكتابات المنشورة تعبر عن رأي اصحابها |
||
|
3 تموز 2008 |
|
مصافحة بين القتلة
كتابات - المحامي / سليمان الحكيم
لم يكن السيد جلال الطالباني ليصل إلى سدة رئاسة الجمهورية لولا توافق أميركي - إيراني رأى فيه أداة تخدم مآربه في العراق , وضمانة للحيلولة دون عودة هذا البلد لينهض مجددا كقوة اقليمية تحمي مصالحها وكيانها الوطني, ويعيد الحيوية إلى أمته العربية التي لم تسترد عافيتها بعد ضربة 1967 , بل أن تسنّم السيد جلال الطالباني موقع الرئاسة في العراق , دليل على تفاقم حالة الوهن والاستلاب في جسد وعقل الأمة العربية و العراق هو قلبها الذي تربط شرايينه بين شرقها وغربها . وفي ظني أن للاحتلال الأميركي في بلدنا عدة أهداف , من أهمها : - السيطرة على النفط العراقي كجزء من خطة السيطرة على حوضي النفط الكبيرين على الأرض ,وهما حوض الخليج العربي , وحوض بحر قزوين وآسيا الصغرى , وبالتالي التحكم بالواردات النفطية للدول الصناعية الكبرى وابتزازها سياسيا واقتصاديا . - التحكم بموقع العراق الفريد , فهوعلى مسافة سويعات من بوابة أوروبا التركية , ومن بوابة آسيا الايرانية , وعلى تخوم بلاد الشام , وهو بوابة الخليج العربي . وهو على مقربة من الممرات المائية الحيوية في مضيق هرمز وباب المندب , وبالتالي فهو موقع لازم لمطالب الامبراطورية التي ستهيمن - كما يبدو لحد الآن - على القرن الحادي والعشرين . - تبديد فكرة دولة الرفاهية التي سادت في الدول النامية والتي أوشك العراق أن يكون نموذجا لها في نهاية السبعينات , واستبدالها بدولة اقتصاد السوق المنخرطة في شبكة العولمة الأميركية , و تصفية الطبقة الوسطى العراقية وإعادة تشكيل المجتمع العراقي لتحكمه أقلية تحتكر السلطة والثروة , وغالبية مسحوقة لاهية بلقمة عيشها عن شؤون وطنها وأمتها . إذا اتفقنا على هذه الرؤية , فإننا نصل إلى أنه كان على الاحتلال الأميركي حتى يحقق أهدافه في العراق , أن يستخدم أسوأ العناصر البشرية فيه , وكذلك جرى خلق نخبة سياسية واقتصادية فريدة من نوعها في تاريخ الأمم , فهي ليست إلا تجمعا كبيرا للصوص وخونة لا يملك واحد منهم ضميرا وطنيا حيا , أو عفة يد أوذمة طاهرة . وللإنصاف فإني أستثني هنا رجلا واحدا من شبهة السرقة والإثراء الحرام , وهو رئيس الوزراء السيد المالكي , وإن كنت لا أبرؤه من خطيئة التورط بالمؤامرة الأميركية على العراق . وحقيقة إنها لكارثة بكل المعايير , أن تخلونخبة سياسية برمّتها , من نواب ووزراء وجهاز حكومي , من شخصية واحدة يمكن الاطمئنان إلى شرفها الوطني واستقامتها الأخلاقية . وأرجو ألا أكون متجنيا إذا قلت بأن الأطراف الكردية هي أسوأ ما في هذه النخبة السياسية العراقية , فهي صاحبة سجلّ حافل بالتآمر على العراق منذ السنوات المبكرة لتأسيس الدولة , ولكنها بلغت ذروة الإجرام بحق البلد عقب سقوط نظام الرئيس صدام حسين إذ اعتمد الأكراد معادلة مؤداها أن كردستان قوية تتطلب عراقا ممزقا , وأن تطور كردستان يتطلب ارتكاس العراق بفتن طائفية , وبعزلة قومية , وبضعف عسكري , وبتخبط سياسي , وبشلل اقتصادي . ولم يكن الأكراد ليحققوا تلك المعادلة لولا التأييد الأميركي لهم , والخبرة الإسرائيلية الموضوعة تحت تصرفهم . والقواسم المشتركة بين الأكراد واسرائيل متعددة وتفرض عليهم التحالف موضوعيا , فهم يحكمون كيانين عنصريين قاما على اغتصاب أرض شعوب قديمة وأصيلة , وبحماية قوى عظمى يرتبطان معها بعلاقات عمالة وتبعية تصل إلى حد الاستعداد لخدمة أغراضها باستعمال قواتهما المسلحة . والكيانان محكوم عليهما تاريخيا كأي كيان عنصري دخيل , ومحاطان ببحر عربي معاد يسنده حلفاؤه التركمان والآشوريين والكلدان , وجميعهم ينتظر اللحظة المواتية لاستعادة حقوقه . وهكذا فإن المصافحة التي تمت يوم أمس في أثينا بين السيد جلال الطالباني والجنرال إيهود باراك , ليست مبتورة عن علاقة مستمرة بين الطرفين منذ ستينات القرن الماضي , غير أن هذه المصافحة قد ارتقت بهذه العلاقات إلى الإعلان الوقح بعد أن كانت تتبرقع بالصمت برغم توافر الأدلة عليها بالوثائق والصور . وبين الرجلين أيضا قاسما مشتركا يجمعهما , وهو أن كليهما قاتل ولغ بدماء أناس من كل صنف : مناضلين , سياسيين , مثقفين , قرويين مسالمين مع نسائهم وأطفالهم , وجنود أسرى . فعلى سبيل المثال لا زالت الكوادر الشيوعية العراقية , تحيي ذكرى مجازر نفذتها عصابة الطالباني بحق مناضلين قتلتهم غدرا وبدم بارد بعد صفقة مع نظام الرئيس صدام حسين , ولعل مجزرة بشتاشآن كانت أكثرها دموية وتوثيقا . كذلك فإن ضباط وجنود الجيش العراقي , لا يزالون يذكرون عمليات الإعدام التي نفذتها العصابات الكردية بحق عسكريين عراقيين أسرى منذ الستينات وحتى شتاء 1991 . ولازالت دماء شهداء منطقة الزنجيلي في الموصل , ودماء اليزيديين الذين رفضوا محاولات تكرديهم , ندية لما تجف وتعيد إلى الذاكرة تفجيرات المنظمات الصهيونية لفندق الملك داود في القدس ومجازر دير ياسين عام 1948 . وأما سجل الجنرال إيهود باراك فهو حافل بعمليات اغتيال المناضلين العرب , وارتكاب المجازر بحق القرويين الفلسطينيين واللبنانيين العزل . فهو الذي قاد في ليل 22 نيسان 1973كتيبة من القوات الخاصة لتنزل تحت جنح الظلام على شاطيء بيروت , وتقوم باغتيال ثلاثة من قادة حركة فتح وهم محمد يوسف النجار , كمال عدوان , كمال ناصر الذي كان يناضل بقصائد شعره ولم يحمل سلاحا طيلة حياته , ولم يوفر الرصاص الإسرائيلي في تلك الليلة زوجات هؤلاء الرجال ولا حتى جيرانهم . والجنرال باراك هو الذي اغتال بيده وبمسدس كاتم للصوت , القائد الفلسطيني خليل الوزير في تونس عام 1988, وهو الذي قمع انتفاضة الأقصى في عام 2000 , وقتل ثلاثمائة مدني فلسطيني في أسبوع واحد ثم أتبعهم بعشرات من فلسطينيي الداخل لأنهم تظاهروا تأييدا لإخوانهم . وهو أيضا الذي قتل بخسة يأباها الشرف العسكري , مائتي أسير مصري خلال حرب 1973, وقد برر تلك الجريمة بأنه لم يكن لديه قوات كافية لحراستهم ! وهو الذي لم يتورع عن استخدام الذخائر المشعة في قتل المدنيين في فلسطين ولبنان . ليس في المصافحة بين قاتلين عنصريين ربطت بينهما علاقات قديمة ومصالح مشتركة , ما يدعو للدهشة أو التساؤل , ولكن ما يثير الغضب هو أن يبادر المحسوب زوراً على العراق وعلى الشرعية العراقية , بتلويث صفحة العراق الناصعة في سجل التاريخ , وأن يقض مضاجع شهدائه الثاوين في بقاع فلسطين والجولان , فيخرق المحرّمات الوطنية العراقية بفجور تحسده عليه بنات الهوى , ويتحدى مستقويا بالاحتلال ومتلطيا وراء العملية السياسية , كل ما يمثله العراق من تاريخ وحضارة وشعب . وقد يظن بعض المتصدين للشأن السياسي أن العداء لاسرائيل ناجم عن موقف قومي عربي , أو عن رؤية دينية اسلامية , بل أن هناك رأيا عراقيا لا يرى مبررا للعداء بين العراق واسرائيل . وقد فات هؤلاء جميعا أن اسرائيل ليست بالدولة الطبيعية , بل هي كيان توسعي أقامته القوى العظمى التي كانت مهيمنة على مصائر العالم في مطلع القرن الماضي , وكان هدفها زرع حاجز ومانع برّي بين جناح الأمة العربية الشرقي وجناحها الغربي . وتأسست فكرة اسرائيل على أسطورة وخرافة دينية مؤداها بأن اليهود هم شعب الرب المختار , وقد منحهم تلك الأرض الممتدة بين النيل والفرات , وأباح لهم استعباد أهلها وإزهاق أرواحهم وغصب ممتلكاتهم . وبوسع كل مهتم أن يرجع إلى التلمود الذي يعتبر الدستور الحقيقي لدولة اسرائيل ليقرأ العجب . ومن المؤلم أنهم استندوا إلى الخرافة ليقيموا منها حقيقة على الأرض , في حين أن العرب يمتلكون الحقيقة , ولكن بعضهم يريد تحويلها إلى أوهام وأساطير. وفات أصحاب مدرسة الصداقة مع اسرائيل أن الأمن الوطني لأي بلد لا يبدأ عند حدوده المرسومة على الخرائط , ولكن عند أطراف مجاله الحيوي الذي تحدده حقائق الجغرافية السياسية , ومصالحه بكل أشكالها . ولا يمكن لأحد مثلا أن يتهم نوري باشا السعيد - رحمه الله - بأنه كان قوميا عربيا , ولكنه وهو رجل الدولة القدير وبخلفيته العسكرية , رأى بوادر الخطر الاسرائيلي منذ بواكيره في عام 1948 , وكذلك بعث بالقوات المسلحة العراقية لتقليص حجم ذلك الخطر بحصره وراء خط تقسيم فلسطين الذي فرضته القوى العظمى في عام 1947 . وكذلك ليس بوسع أحد تصنيف اللواء عبد الكريم قاسم - رحمه الله - بأنه من القوميين العرب , ولكن الضابط الركن فيه لم يسعه تجاهل الخطر الاسرائيلي , واجتهد برؤية تجعل من أهل فلسطين طليعة العرب لتصفية ذلك الخطر , وكذلك بادر في عام 1960 إلى إنشاء أول لواء فلسطيني نظامي في التاريخ , وإدراكا منه لوحدة الأمن القومي للمنطقة العربية , فقد رفد الثورة الجزائرية بالمال والسلاح طيلة فترة حكمه . ومنذ عام 1948 وحتى 1980 , فإن العقيدة العسكرية للجيش العراقي كانت تفترض أن الجبهة الغربية للعراق هي مصدر الخطر وموقع أي حرب محتملة . ومن الغريب أن اسرائيل أكثر إدراكا منا لهذه الحقائق , ولذلك فإنها تمدّ مجال أمنها القومي حتى باكستان شرقا , وإلى الشواطيء المغربية على المحيط الأطلسي غربا . ومن مطالب أمنها ألا تسمح لقوة عربية مهما بعدت جغرافيا عنها , أن تمتلك من أسباب القوة والتقدم ما قد يتيح لها في يوم ما حسم ذلك الصراع التاريخي معها , ولهذا السبب وحده قامت بتدمير المفاعل النووي العراقي في صيف 1981 برغم أنه كان مفاعلا صغيرا ومخصصا لغرض البحث العلمي, وغير مجهزلإنتاج القنبلة الذرية , ولهذا السبب أيضا عمدت إلى اغتيال العلماء العرب الذين ظنت أنهم مؤهلون للارتقاء بأمتهم إلى مستوى العصرعلميا , فقتلت مخابراتها الدكتور يحيى المشد في غرفة فندقه بباريس عام 1980, بل وحاولت أن تطال بعض هؤلاء العلماء في قلب بغداد عام 1981 . لا يخضع الصراع بين الدول للأمزجة والرغبات , ولا يقوم على الأوهام , ولكنه ينتج عن جملة حقائق سياسية وتاريخية وجغرافية واقتصادية وحضارية , وكل هذه العوامل كامنة وتغذي الصراع العربي - الإسرائيلي , وهو صراع ليس قابلا لحل سلمي بشهادة تجربة الرئيس أنور السادات وما نلمسه اليوم من نتائج معاهدة كامب ديفيد , وبشهادة مسرحية السلام التي تبدو بلا نهاية والتي تدور فصولها بين السلطة الفلسطينية واسرائيل . والعداء العراقي لاسرائيل ليس ترفا يتمتع به القوميون العرب , ولكنه مطالب أمن ومصالح عراقية بحتة قبل أي شيء آخر .
|