|
|
الكتابات المنشورة تعبر عن رأي اصحابها |
||
|
1 تموز 2008 |
|
نريد ساسة بحجم العراق...!
كتابات - د.مراد الصوادقي
كم كبيرٍ أنت فيها يا عراق فلماذا لا نكون كالعراق منذ أن تأسست دولة العراق يبدو أنه تقرر أن لا يسمح بوجود ساسة بحجم بلادهم وإنما عليهم أن يكونوا بحجم الكرسي لكي يضعفوا العراق. وقد واجهت الدول المنتصرة في حينه , مشكلة الساسة والقادة الذين كانوا أكبر من حجم العراق لأنهم بحجم الإمبراطورية العثمانية التي سقطت في الحرب العالمية الأولى. وعندما انحسروا في الثورة العربية الكبرى أصبحوا بحجم الأمة والوطن الكبير . وبعد أن تجسدت معالم اتفاقيات تقسيم مخلفات الإمبراطورية العثمانية , تقلص حجم أولئك الساسة والقادة ليكونوا بحجم الأوطان التي هم فيها. وقد ورث العراق العديد من القادة الذين هم بحجمه فأسسوا لمعالم وجوده الديمقراطي والدستوري , الذي مضى على هديه حتى يوم الرابع عشر من تموز لسنة تسعمائة وثمان وخمسون , حيث تم القضاء على كل سياسي بحجم وطنه , وأصبح كل مَن يسمي نفسه سياسيا بحجم الكرسي الذي يجلس عليه, فتحول الوجود السياسي إلى معركة كراسي وسار على هذا المنوال لمدة نصف قرن ولازال ماضيا بضراوة فائقة. فلم يكن في العراق ساسة بحجمه إلا في العهد الملكي. أما في العهد الجمهوري فأن جميع الساسة قد اصبحوا أصغر من حجم العراق لتصاغرهم في الكرسي مما حقق الفواجع المتعاقبة وألقى بهم في نهايات لا تختلف عن بعضها , إذ لاقى جميعهم ذات المصير المأساوي من قتل وإعدامات وامتهانات سيئة لأنهم ما كانوا يمثلون إلا الكرسي وأنفسهم. فأين المنطق الوطني في كل ما جرى على أرض العراق منذ سقوط النظام الملكي وحتى اليوم. فهل أنجزت الثورات قاعدة للتفاعل الوطني , وهل أوجدت قيمة للدستور والقانون , وهل احترمت الإنسان العراقي. ومَن يقارن بين عدد الذين تم إعدامهم في العهد الملكي والعهد الجمهوري تتضح أمامه الصورة المرعبة لفترة ما بعد الملكية , فالثورات أعدمت مئات الآلاف وملأت السجون بأكثر من أضعاف ذلك العدد بكثير. ومن حقنا أن نتساءل عن الغايات التي حققتها ثوراتنا ولماذا اختلفت عن ثورات الجيران والدول الأخرى في العالم , والتي انتقلت بمجتمعاتها إلى علياء درجات التقدم والقوة والنماء. أما نحن فأن ثوراتنا قد أخذتنا إلى ما نعيشه اليوم وما عانينا منه , ومنذ أول ثورة عراقية ألغت الدستور الدائم وجعلت الأجيال تعيش تحت رحمة الدستور المؤقت, الذي هو دستور الفرد أو الحزب وحولت التطلعات الوطنية إلى أهداف كرسوية ذات نتائج مأساوية. فلماذا لا يُسمح بولادة ساسة بحجم العراق ويتم إسناد الساسة الذين يعبرون عن دور الكرسي وحجمه لا غير؟ ويبدو أن هناك أسباب فاعلة في هذا القرار ويمكن إجمال بعضها بالآتي:
أولا : النفط لقد استوجب هذا المارد المتنامي القوة أن يفرض إرادته على العراق ويحطم نظامه السياسي والاجتماعي , ويقضي على قوته برغم أنه مصدر قوة ونماء ولكن ليس في العراق , لأنه ممنوع من القوة والنماء ولا يحق له أن يتجاوز حجم الكرسي , وأن لا يخرج من دائرة الصراع المفرغة المفروضة عليه. ومن أجل تحجيمه وأضعاف دوره وتدمير قوته , قامت الثورات وتحطم النظام الديمقراطي الذي كان قائما فيه وتم القضاء على كل سياسي عراقي بحجم وطنه. وجيء بساسة الكراسي والصراعات الداخلية.
ثانيا: المصالح العالمية المصالح العالمية وهندسة مسيرة الأحداث في المنطقة تقضي بأن يكون العراق ضعيفا ومشغولا بمشاكله , لكي لا يتحقق دوره وفعله الذي سيؤثر على أطراف حساسة وقائمة في المنطقة , لا يمكنها التساهل في تواجد أية قوة ضدها مهما تطلب الأمر من التضحيات والخسائر . ولهذا فأن إرادة المصالح الدولية عليها أن تضع العراق في الكرسي الذي يعتقله ويحطم وجوده الجغرافي والحضاري ويمنع تنامي أي اقتدار فيه وعلى جميع المستويات.
ثالثا: المصالح القطرية المصالح القطرية من حوله متداخلة ومعقدة وهي لا ترغب بعراق قوي ولا تريد أن يكون فيه ساسة ينظرون بعين المصلحة الوطنية , وإنما جميع ما حول العراق يريده وجودا منشغلا بالكرسي ومنهمكا في تدمير نفسه , ومنعه من الاستفادة من عائدات نفطه لتطوير الحياة فيه وتأمين القوة والاقتدار , لأن ذلك سيكون مصدر تهديد ومجابهة لهم وسيقف حائلا ضد مشاريعهم المختلفة.
رابعا: المذهبية هذه النزعة بإمتداداتها المتنوعة تساهم في شق الصفوف وتحقيق الصراع السياسي على مدى نصف قرن أو يزيد , من أجل تأكيد الضعف العراقي ومنع أية قدرة على التطور والنماء. وقد ساهمت الدول المجاورة وأطراف عديدة في تغذية هذا الاتجاه الهدام , لاعتقال العراق في صندوق الصراع الداخلي وشق صفوف شعبه , وتعطيل أي دور له وتحويله إلى عالة على غيره وتبديد ثرواته النفطية والثقافية , وتوفير مؤهلات الاشتباك العراقي الداخلي المتفاقم التعقيد.
خامسا: الطائفية النعرة التي يتم تغذيتها بكل أنواع الأسباب اللازمة لديمومتها واستعارها وتحويلها إلى فعل معبر عنه بالكراسي , والذي وصل إلى ذروته في منهج المحاصصة الذي رضخت له جميع الأطراف وساهمت في تداعيات السنين الماضية , وتحطيم الوجود العراقي وتحويله إلى معتقلات خلف أسوار كونكريتية , لا يخجل الكثيرون من النظر إليها بل أنهم يشجعونها ويساهمون في تناميها لأنها تحقق مصالحهم الفردية على حساب المصالح الوطنية , وتلك طبيعة ساسة العراق منذ عهد الثورات وإلى اليوم ولا مَن يرعوي أو يتعظ.
سادسا: الدول المجاورة مصير النظام السياسي في العراق مرهون بالدول المجاورة له , وبسبب التفاعل السلبي المتواصل مع الدول المجاورة أصاب العراق العديد من الويلات. وقد ساهمت جميع دول الجوار بتحقيق حالة العراق القائمة اليوم وتطويرها لكي تخدم مصالحها وتوجهاتها , التي تسعى إلى عراق ضعيف بلا إرادة وقدرة على التعبير عن أهدافه وغاياته , وهي تعمل على خنقه في كرسي الحكم . وهذا ما يحصل اليوم حيث تحول الوجود السياسي العراقي إلى صندوق محاط بالأسوار والمدرعات لكي تؤمن التسلط والقهر بكل أنواعه ومدارسه.
سابعا:الحزبية لقد تقرر تشجيع قيام الأحزاب المتناحرة في العراق , وهذه ساهمت بدور كبير وفعال في إضعافه وتدمير مسيرته خصوصا في العقود الستة الماضية , مما حققت إنهاكا اجتماعيا واقتصاديا كبيرا ساهم في بناء الدمار والخراب القائم والمتفاعل في البلاد إلى هذا اليوم , وقد غذته قوى تجد لها مصلحة في صراعاته اللاوطنية.
ثامنا: الأنانية إن الأنانية من أكبر الأمراض الوطنية التي تم إشاعتها في الميادين السياسية العراقية , مما دفعت إلى تقليل العمل الجماعي وتدميره , وبناء الأسوار حول الذات وتحويلها إلى قوة مهيمنة على الوجود في العراق. ولهذا فأن الثورات قد أنجبت أفرادا ولم تحقق مشاريع وطنية وقيم وقواعد سلوكية منضبطة تفيد الأجيال , بقدر ما أنجزت المشاريع الفردية ذات التأثيرات المرحلية والتي لم تتواكب مع الزمان .
تاسعا: الفردية كل شيء فردي في بلاد النفط. فلا يمكن للنفط أن يكون ملكا للغير إلا بوجود الأنظمة الفردية التي تصادر إرادة الشعب , وتملك الوطن وتضعه في الكرسي الذي تجلس عليه. ومن هنا فأن أي نظام سياسي لا يمكنه أن يكون إلا فرديا , وممعنا في هذا السلوك لكي يضمن ضعف الشعب وتدني أوضاعه المعيشية والاجتماعية وتفاقم صراعاته الداخلية ونسيانه لنفطه وإهماله لاقتصاده.
عاشرا: الاستبداد من ضرورات حجم الكرسي أن يكون الجالس عليه مستبدا وقاهرا لكي يتحقق الهدف من وراء ذلك , وهو تقليل حجم العراق وحشره بالكرسي وتحويل أنظار الشعب من الوطن إلى الكرسي , وبذلك يعيش البلد خرابا وتزداد المقاساة ويفقد البشر قيمته ودوره وتفاعله في بلاده.
وهكذا فأن العراق سيبقى نزيل الكرسي ولن يخرج من قبضته على مدى القرن الحادي والعشرين, وحتى بعد أن ينضب النفط وتجد الدنيا مصادر أخرى للطاقة تغنيها عن تدمير العراق واستعباده وأسره , واستخدام أهله من أجل تحقيق مصالحها وتوجهاتها السياسية اللازمة لإدامة ما تريده من الموضوعات في المنطقة والعالم. فبواسطته يمكن التأثير على قوى فاعلة في الأرض وذات دور مؤثر في مسيرتها الاقتصادية ورسم خارطة مستقبلها في القرن الجديد , الذي لا بد من لوي عنق الأقطاب فيه باستخدام العراق ونفطه. ولهذا فأن دعاة زوال الوضع الحالي في زمن قريب إنما هم في وهم كبير , وأن حالته القائمة ستتواصل إلى عدة عقود , حتى تتفاعل الأقطاب الصاعدة بأسلوب آخر لكي تعبر عن حجمها وسلطتها الأرضية. ولا يمكن الخروج من المأزق الذي أوصلتنا إليه الثورات المتعاقبة بفرديتها وأحزابها واستبدادها وتداعياتها المأساوية , إلا بتحقيق الإرادة الوطنية , وأن يكون ابن العراق بحجم الوطن العراقي الواحد , وأن تذوب الاختلافات والفوارق في بودقة العراقية والمواطنة الصالحة التي تضع مصلحة المجتمع ومستقبله فوق كل مصلحة ومنطلق ومنصب , وتدين بمبادئ العمل الجماعي والتفاعل الإيجابي بين أبناء الشعب الواحد , وبدون تفريق أو تمييز أو تهميش. وعندما نتعلم معاني الإرادة الوطنية التي تجعل العراق أكبر من الجميع وموطنهم ومصيرهم , عند ذاك يكون هناك أمل وهدف عراقي وحضاري تمضي إليه الأجيال بعزيمة صادقة وإصرار كبير, فتعبر عن معاني الشعب العراقي الواحد وتتحرر من قيود سوء المصير.
|