الصفحة الرئيسية

كلمة كتابات

الكتابات المنشورة  تعبر عن رأي اصحابها

زوايـــــا

دراسات

 kitabat@kitabat.com <<<  webmaster@kitabat.com

الارشيف

كتب

1  تموز  2008

ابحث في كتابات

 

الثقافة وآفاقها

 

كتابات - عبد الكريم كاظم

 

حال الثقافة العراقية، راهناً ...

الثقافة، هي التي تُبقي الحياة الإنسانية حية ومتحركة مهما بلغت درجة التحولات السياسية والواقعية والاجتماعية خطورة، ثم إنها العامل الأساس في انبعاث الحياة الحضارية للأمم المختلفة مثلما ظلت وستظل العامل المركزي في الحفاظ على ديمومة الأمم من أي خطر، لقد وضعت الثقافة مقاصدها المعرفية العليا في الحياة /الإنسان وبهذا صارت تغذي الحياة وتحصنها وتتحصّن بها في لحظات الخطر الكبرى، فالطريق الوحيدة المتوافرة للمثقف العراقي، اليوم، هي مقاومة الضغط الذي تتعرض له الحياة الثقافية لممارسة ضغط مضاد يكون موجهاً ضد المؤسسات الثقافية الرسمية والطائفية والدعائية وحتى الأشخاص الذين يريدون إحياء وإعادة ثقافة الصوت الواحد، ومن أجل القيام بذلك يجب أن يبدي المثقف الحقيقي روحاً وفكراً معرفية في الحياة الثقافية لا تقل عن تلك المطلوبة في الحياة اليومية، الخاصة منها والعامة .

إن الثقافة العراقية دائماً فيها قديم وجديد وليس الجديد وحده شاخصاً، كما يحدث الآن، في ثقافتنا حيث هنالك ـ محاولات حثيثة ـ عودة إلى الماضي لأسطرته وجوهرته وجعله مقدساً فوق النقد بذريعة "العراق الجديد" ومن هنا نرى أن كل عودة هي بمثابة مفارقة ثقافية تحمل في طياتها إمكانية النكوص وبالتالي يمكننا الكلام عن ثقافة نكوصية لا تتغير، فكل تغير كميّ يؤدي إلى تغير كيفي ولكن لا بدّ من تمييز جهة هذا التغير الثقافي الكيفي هل هو تقدم ثقافي إلى الأمام أم تراجع إلى الخلف؟ فالماء كما تقول التجارب العلمية: (في تغيراته الحرارية الكمية يمكن أن يعطي جليداً ويمكن أن يعطي بخاراً) وبما أن الشعور بالتمامية والكمال الثقافي اليوم يسيطر على معظم الاتجاهات الفكرية والأقلام المتشابكة فسوف يبقى الكثير من المثقفين العراقيين يعتقدون حتى اللحظة الراهنة أن الذي حدث في العراق ما هو إلا إنجاز كبير على طريق الحرية والديمقراطية والتطور، هذا الاعتقاد ليس إلا دوراناً في المكان .

على خلفية اللوحة القاتمة للأحوال الثقافية العراقية وإزاء الحصيلة البائسة للمثقف والتي تجسدت بوضوح في مأزق الاحتلال الذي شرحنا ملامحه وأبعاده من قبل، تبرز الحاجة الملحة لمعالجة الواقع الثقافي السقيم الماثل بنظرة قديمة ومنهج عقيم، ويدخل في إطار هذه المعالجة الضرورية مواجهة التحديات الجديدة والموروثة بنظرة جديدة أو بعقل مفتوح وإرادة فكرية صلبة من شأنها أن تعيد الثقافة ومقومات نهوضها وازدهارها لحركة الحياة وتوفّر لها أسباب التطور بوجه جميع المعوقات الداخلية والخارجية ولا سيما عوامل التخلف والجهل والأخطار وفي مقدمة هذه الأخطار.. المشروع الطائفي وأسلمّة الثقافة . ولا ريب في أن حزمة عريضة طويلة من التحديات الثقافية والقضايا المعرفية والمهمات الإنسانية تنتصب على أرض الواقع الثقافي العراقي وفي أفق المستقبل بما فيها تلك المتعلقة بتجديد الفكر وصوغ نظرة مستقبلية نفاذة ومحررة من أغلال الجمود والتكرار والمسلّمات البالية والكتابة الدعائية والتعبوية . إنها رسالة إنسانية ومعرفية كبيرة تستلزم دراسة الواقع ومعضلاته بأسلوب علمي موضوعي ومعرفي، وتتطلب في الوقت عينه اعتماد دراسات وبحوث ومقالات معرفية مرنة ومفتوحة بطلاقة الوعي ومن غير عقد موروثة وأحكام مسبقة على طبيعة الكتابة المضادة وروح العصر وإنجازاته العلمية المذهلة والتكيف مع معطيات الحضارة ومتغيرات الثورة المعلوماتية الكونية .. ثورة العلم والتكنولوجيا والمعرفة بجميع مجالاتها وأبعادها ودلالاتها .

على ضوء مما تقدم يمكن لنا أن نسأل: كيف نتلمس الطريق الثقافي القويم، وماذا يمثل أمام المثقف من تحديات وقضايا؟ لا شك أن السلسلة الثقافية العراقية يمكن أن تمتد وتطول وتتشابك، إلا أن المطلوب حقاً هو تحديد الهدف أو المنهج معرفياً وإبراز ما هو رئيسي وجوهري في الثقافة التي بدورها تواجه قضايا نابعة من الحاجات المعرفية والإنسانية لمشروع المثقف الحياتي واستكمال مشوار المعرفة وتصفية الإحساس المذهبي والأيديولوجي والقضاء على الجهل والتخلف بجميع مظاهره وإقامة مجتمعات ثقافية حرة تنشد التحديث وتتناغم مع اتجاهات العصر ومبتكراته العلمية والمعرفية بلا قيود أو تمييز بين مثقف وآخر إلا بالجهد الإبداعي وأهميته الجمالية والفكرية .

إن المشهد الثقافي العراقي اليوم، وتعييناً بعد الاحتلال، يعكس إلى أبعد الحدود تناقضات الحياة الثقافية العراقية، ويضع وجهها، القديم، الأيديولوجي والمذهبي والحزبي، في امتحان عسير مع وجهها ـ أفقها وآفاقها ـ الثقافي الجديد، الذي نتمنى عليه أن يكون بعيداً عن فضاء تلك التناقضات والانحدار السياسي والعلاقات العامة والمحاباة أو الثوابت الأيديولوجية بأسطع صورها المعتمة وأشكالها الغائمة ومضامينها المغلقة .