|
|
الكتابات المنشورة تعبر عن رأي اصحابها |
||
|
13 حزيران 2008 |
|
ســـامرّاء : ذكريات و ذاكــرةٌ لا تَشِيـخ
كتابات - محمّد رجب السامرّائي
يظل المكان ذاكرة لا تشيخ رغم تقادم الأيام والسنين. فهو البذرة الأولى بعد الولادة الحقيقية للإنسان، وهو الحُلًم الذي لا يبرح مُخيلة صاحبه عبر توالي الأحداث والأزمات.. كذلك فالمكان إرث باقٍ ونسائم هواء عليلة تهبّ من كل الدروب.. إذن فالمكان هنا جوهري بالنسبة لي، وليس عنصر عابر تسير فيه قاطرة الحياة وتتوقف فجأة.. إنّه ديمومة تبعث على الأمل المتجدد والمتجذر مع دفقات الحياة ورؤاها المزدانة بتباشير الصباح وانبلاجه الوضاء، ومع خدر الشمس الراحلة بجدائلها الشقراء صوب المغيب... ولابدّ لكل امريء من مكان يولد فيه.. لذا أدركت في منتصف الستينيات من القرن الماضي المكان الأول الأثير الذي لا يزال يمدني بديمومة المحبة والألق... هناك في أحد أحياء مدينة سامراء أو " سُرّ مَن رأى" العاصمة العباسية الثانية بعد بغداد التي بناها الخليفة المعتصم بن هارون الرشيد عام 221هجرية. هذه المدينة التي يضوع من جنباتها شذا التاريخ والحضارة، ويزدان ثراها بمعالم وشواهد بقيت خالدة إلى يومنا هذا... فتنسمت في رحابها عطر الأيام الماضيات... إنّ المكان الذي ولدت فيه مازال وسط المدينة القديمة في سامراء يتوسطها ما بين " ضريح العسكريين" وآثار ملوية سامراء الشهيرة، وغالباً ما أذهب لأشاهد بيتنا القديم وقد جُدد وأحدثت فيه إضافات عديدة، لكنّ سياجه العالي ما زال شامخاً بتيغتهِ " السياج" كونه يشرف على زاوية الدربونة" الزقاق، وكنت صغيراً أرتقي صوب سطحيّ دارنا واحد من الجهة الشرقية والآخر من الجهة الغربية، وأنا أحدّق بمنظر قباب الإمام علي الهادي والحسن العسكري في قلب سامراء، وأتجه نحو الطرف الثاني لأمتع ناظري بسور "جامع الجمعة الكبير" وبمئذنته التي تتطاول في كبد السماء " المئذنة" والمعروفة بملوية سامراء" كل تلك المَعالِم التاريخية والدينية جعلت في نفسي أُلْفَة للمكان الأول الذي أدركته منذ الطفولة البريئة، وعشت أجمل الذكريات التي ما تزال صافية كعين الديك منذ هاتيك الأيام. أجل لقد منحني المكان الأول في مدينتي سامراء التعرف على آثارها عن طريق جدي لأمي عبدالله العلي "رحمه الله" الذي كان يعمل في آثار سامراء وفي متحفها الذي هو أحد بوابات المدينة القديمة اليوم قرب" مدرسة المعتصم بالله الابتدائية" في المحلة الغربية من المدينة قرب دارنا اليوم بشارع المستشفى- إذ عرفني جَديّ على آثار وشواهد سامراء، وكان يصحبني معه وأنا ما زلت في المرحلة الابتدائية للإطلاع عن كثب على محتويات متحف سامراء خصوصاً اللقى الأثرية التي عثرت عليها فرق التنقيب فيها، فاختزنت ذاكرتي تلك المشاهدات والصور إلى اليوم... وهناك جديّ لأبي حسين العلي "رحمة الله" الذي كان يسرّد لي قصصاً وروايات عن الإنجليز الذي أسروا عدداً كبيراً العراقيين وأخذوهم أسرى إلى الهند، ولعملهم هناك في أسواق نيودلهي، وروايته لي عن ثقافة الهنود وعباداتهم وعاداتهم وتقاليدهم التي اختزنتها ذاكرتي منذ ذلك الوقت.. بينما كان والدي رحمه الله يعرفني بأبناء المدينة ويعدد أنسابهم وأبنائهم وقد أدهش من قوة حافظته، والحمد لله أنا اليوم قد تأثرت به وأعرف الكثير من أبناء سامراء رغم سفري عنها منذ دراستي العليا العام 1994م في الأردن وعملي في الإمارات اليوم. وكان قرب دارنا الأول جزء متبقٍِ من سور العاصمة سًرّ مَن رآى – سامراء- ويقع اليوم مقابل مدرسة الهادي الابتدائية، وقد ارتقينا تابيته" البرج"، حين كنا أطفالاً، وبعد سنوات وبسبب زيادة سكان المدينة فاضطروا لهدمه وبناء بيوتهم الجديدة خارجه وبطابوقه الفرشي العباسي! ذكرت بيتنا الأول الذي يتوسط سامراء القديمة وتحيط به المعالم التاريخية والدينية من كلّ جانب، حيث كان بيتاً واسعاً يتألف من ست غرف وفق الطراز القديم أي العِقادة، وكان يسكن مع أهلي جديّ الأشقاء لأبي وأمي وعمي علي الجزائر. وكانت ترتفع في وسط الغرفة قباب مرتفعة، ويوجد في داخل كل غرفة شباكان من الحديد على طول الباب الخشبي ذي الرزة"القفل" التي تعلو الباب، وكانت تتوزع داخل غرف البيت طاقات داخلية عبارة عن رفوف لوضع الحاجيات وأشياء البيت، بينما كانت جدران الغرف وأرضياتها مُجصَّصة ، بالجصِّ وليس بالإسمنت أو الكاشي. لأنّه عندما كانت الوالدة "رحمها الله" تُرش أرضيات الغرف والطارمات الخارجية المسقفة فتكون باردة والنوم فيها منعش وقت القيلولة صيفاً. كذلك ضمَّ بيتنا سردابين يقعان تحت الغرف، ولكل سرداب له فتحة" باب خشبي" وسط الطارمة وله رزة " قفل" لغلقه وتوضع سجادة أو "حصيرة" للجلوس عليه وسط الطارمة صباحاً أو مساءً. وعند فتح باب السرداب ننزل إلى داخله بواسطة سُلّم " دَرَج" من الطابوق والجص، وتوجد فيه فتحة" شباك تهوية صغير مغطى بسيم "شَبَك" ناعم كي لا يدخل أي شيء داخله، وهذا الشباك مطلّ على حوش الدار. ويكون السرداب على شكل مستطيل تعلوه فتحة في السقف هي فتحة البادكير" البارجيل" الذي غالباً ما يكون فوق سطح الدار وبه أربع فتحات لدخول الهواء البارد إلى داخل السرداب حين يكون مكاناً لنوم الأسرة جميعاً عند القيلولة في فصل الصيف اللاهب، حيث كانت الوالدة تفرش الحصران للنوم فوق أرضية السرداب التي لم تبلط أبداً، وهي أرضية باردة جداً حتى كنا نضطر أن نتغطى بشراشف من شدة البرد فيها. وأتذكر أيضاً في البيت الأول الحديقة التي تتوسطه حديقة زُرِعَت ببعض أشجار الفواكه والخضراوات، وكانت ثمة دجاجات تسرح وتبحث عن طعامها وسطها في الصباح وقبل المغرب. أما بئر البيت فكان عن يسار باب البيت الخشبي الكبير ذي المسامير الكبيرة وكان قفل الباب عبارة عن قطعة خشبية مستطيلة الشكل بها نتوء محفور وعند غلقه علينا أن ندخل هذا النتوء في حفرة مستطيلة أيضاً في جدار الحائط وعند إدخالها تشتبك مع الحفرة ويغلق الباب، ولا يفتح إلاّ إذا رفعنا النتوء من الحفرة وأرجعناه لليمين، في حين كانت لهذهِ الباب الخشبي مطرقة ذات شكل جميل وتحتها قطعة حديدية عبارة عن جرس المنزل، حيث ترفع باليد وتخفض للطرق وسماع نداء الطارق والضيف! كما أحتوى بيتنا الأول أيضاً على بئر ماء صافٍ يقع خلف الباب الرئيس، كنا نستقي منه الماء للطبخ والغسيل ورش الحوش، أوسقي الحديقة، وكان الجيران ينهلون منه ما يحتاجون، حيث كانت النسوة يدخلنّ وهنّ حاملات أوعية معدنية أو بلاستيكية، ويقمنّ بسحب الماء منه بنزول دلو ماء" سطل" مربوط على بكرة خشبية" مَحّالة" إلى أسفل البئر فيمتلىء الدلو، ثم يقمنّ بلفِّ البكرة فيرتفع الدلو ليصب ماءه في الوعاء. أما سطح منزلنا فكان موقعه رُكن" زاوية" في الدربونة وله تيغه" سياج عالٍ، ويتوسطه كما أشرت بادكير السردابين، وكان السطح يُرش بالماء بعيد وقت العصر، وبعد تناول طعام العشاء الذي غالباً ما يتألف من الكباب أو الكبة أو المقالي، مع وجود الزلاطة والركَي فاكهة الصيف المحببة، إذ كانت الوالدة تحك " تقشر" الركَية بالسكين لنزع جلدها السميك، وتضعها في انجانة الماء التي توضع في الحُبانة " زير الماء" ذات الكرسي الخشبي المخرّم، لكي تبرد الفواكه والخضراوات التي توضع قرب " الإنجانة" في فيء البيت. وبعد تناول الطعام نرتقي صوب السطح للنوم. وكانت شقيقاتي يصعدن لفرش أسرتنا الخشبية الموزعة قرب التيغة بعيد العصر، ووضع التُنْكَة- القُلة- على التيغة التي يغطي فمها قطعة من القماش الململ الشفاف لمنع دخول الحشرات أو التراب لكي يشرب منها من يعطش طوال الليل، وكنت أشاهد تنك الجيران على تيغ بيوتهم بمنظر فريد، وكانت الغاية من فرش أسرّة النوم في ذلك الوقت لأنه يبقى طيلة النهار ملفوفاً بجادر" شادر" ، وفرشه لكي يفقد حراراته قبل النوم فيه ويصبح بارداً، وكنت عندما استلقي على الفراش مع إخوتي كنا ننظر إلى السماء، ويطرح أحدنا على الآخر سؤالاً : كم نجمة فوقك في السماء، أو أين يقع الشكل الفلاني للنجوم ونبقى نعدّ نجوم السماء إلى أن تأخذنا سِنة من النوم ونغفو على لمعانها القصي.
البيت واحتي الوارفة التي أستظل فيها بعد تعب النهار، إذ أنا بيتوتي بطبعي لا أحبّ الخروج منه لكوني أعشق القراءة والمطالعة والكتابة، فإذا غادرت البيت يعني أنّي خسرت ساعات وأيام من التزود بالمعرفة أو إنجاز الكثير من الأفكار سواء للدراسات أو الكتب. وعندما يريد الأهل الخروج فأنا أبقى بالبيت لوحدي أستمتع بالكتب لأنها " خير جليس في الزمان" على حدّ قول عمنا المتنبي. فالبيت منذ سنين سكني وأنيسي، ولكني اليوم هنا في " أبو ظبي" ، ومنذ عشر سنين لا أبرح الدار بعد عودتي من عملي الرسمي. فإنّ مِن سُنّة الحياة التبديل والتغيير، وعدم البقاء على نمط واحد لأنّ ذلك يحدث الكسل والملل. ومنذ ولادتي عشت في بيتنا الأول، ثم انتقلنا إلى دار جديد بناه والدي رحمه الله في شارع المستشفى بسامراء اليوم وما زال هو بيتنا نعيش فيه مع شقيقي الأكبر شعبان. وترعرعت في هذا البيت وكنت في الصف الأول المتوسط، وبدأت شرارة محبة القراءة لديّ، وكان أخي شعبان يهوى كتابة الشعر والسجع حتى أنّه ألف مشروع كتاب أسماه" مقامات الأدب لابن رجب"، كما كان يهوى قراءة الروايات المختلفة ومنها روايات أجاثا كريستي. وكنت أطالع بعضاً منها لكنّ مكتبة سامراء العامة كانت هي ملاذي للقراءة، فكنت أختلف إليها بعد إنجاز واجباتي المدرسية، أما في العطل الربيعية والصيفية فكنت أدوام فيها مع الموظفين! فطالعت أغلب كتب التراث فيها والموسوعات الأدبية والشعرية، وكتب الجغرافية والتاريخ والقصص، وكان يزاملني في الدراسة في ذلك الوقت الأخ الصديق جمال عبدالرزاق شاكر البدري، وهو ابن مدير مكتبة سامراء العامة سابقاً المرحوم الشاعر عبدالرزاق شاكر البدري، وكنا نقرأ سوية ونكتب سوية، ومنذ تلك الأيام أصبحت لديّ رغبة في جمع الكتب حيث كنت أسافر أيام الجمع أو في العطلات المدرسية إلى بغداد لكي أزور شارع المتنبي لكي أشتري الكتب التي أود قراءتها ثم أعود إلى سامراء بعد غياب جدائل الشمس الذهبية. وبعد أن أنهيت الثانوية في إعدادية سامراء الفرع الأدبي العام 1976م قبلت في كلية التربية بجامعة بغداد، وهنا في العاصمة "بغداد" تغيرت مسيرتي أكثر حيث قمت بالكتابة لعدّة صحف ومجلات، ونشرت أول كتبي عن سلسلة الموسوعة الصغيرة عام 1984م وهو" علم الفلك عند العرب" عن دار الشؤون والنشر، دار الجاحظ للنشر سابقاً في وزارة الثقافة والإعلام. وكنت وقتها أزور المكتبة الوطنية بالباب المعظم، ومكتبة كُليتي، ومكتبة كلية الآداب، والدراسات العليا ، كما كنت أذهب إلى المكتبات الخاصة المنتشرة في بغداد، وإلى معارض الدار الوطنية لأشتري منها ما أشاء من الكتب وبأسعار رخيصة وأحملها معي إلى سكني عند أقربائي في محلة سوق الجديد بصوب الكرخ ببغداد، ومن ثم نقلها إلى بيتنا في سامراء لأكوِّن نواة مكتبة صغيرة سرعان ما كبرت من خلال حرصي على زيارة أي معرض سواء أقيم في بغداد أم في الموصل أو البصرة. ثم تخرجت في كلية التربية وعينت مدرساً ثانوياً في قضاء " طوزخورماتو" بمحافظة صلاح الدين، ثم نقلت مديراً لثانوية دجلة في ناحية دجلة بسامراء، وأخيراً بقيت معاوناً لمتوسطة صلاح الدين في سامراء إلى أن انتقلت لإكمال دراستي العليا في اللغة العربية، وحصلت على الماجستير في الأدب واللغة في جامعة اليرموك بمدينة أربد الأردنية، وفيها ازدادت قراءاتي في تخصصي فحاولت أثناء الدراسة أن أجمع أكبر قدر من كتب تخصصي في الأدب والنقد العربي، وكنت أجوب مكتبات اربد وعمّان، وأطالع ما تضمه مكتبة جامعة اليرموك، وكذلك مكتبة الجامعة الأردنية بعمّان، وجامعة آل البيت في المفرق، كما راسلت الكثير من الأندية الثقافية والاتحادات، والمراكز العربية للحصول على الكتب والمجلات والبحوث الأدبية. ولما كثرت كتبي كنت أثناء دراستي العليا بالأردن أرسل حقيبة مليئة بالكتب لأهلي في العراق، وكنت أنقل العديد منها أثناء كتابة رسالة الماجستير لكونها مصادر ومراجع تعينني على إنجاز الرسالة العلمية عن: التراث الشعبي في أدب التوحيدي: الإمتاع والمؤانسة أنموذجاً. أما المرحلة الأخيرة من البيوت التي عشت فيها خارج العراق هي في العاصمة أبو ظبي بدولة الإمارات العربية المتحدة، حيث وصلت قبل سبع سنوات للعمل محرراً صحفياً في نادي تراث الإمارات ومازلت أعمل فيه إلى اليوم، فسكنت أولاً في منطقة الخالدية بأبوظبي، وتعرفت على المجمع الثقافي ودار الكتب الوطنية فيه، وعلى اتحاد الكُتّاب والأدباء، ومن ثمّ " مركز جمعة الماجد للثقافة والتراث" بدبي، وبعض المراكز الأخرى في الشارقة ورأس الخيمة، فشرعت منذ وصولي بجمع الكتب أثناء إقامة معرض الكتب في الشارقة وفي المجمع الثقافي في أبو ظبي كل عام. وقد تكونت لدي نواة مكتبة خاصة تضيق بي أحياناً في البيت فأقوم بتوزيع كتبها على بعض الأصدقاء أو أرسلها للعراق ، لكني سرعان ماأعود فأجمع الكتب من جديد وهكذا، ولمني أحر من سنوات على جمع العديد من كتب التراث الشعبي المحلي والعربي لكون تخصصي في الماجستير هو النثر القديم في العصر العباسي، وأنا أتمنى أن أكمل دراستي للحصول على الدكتوراه، لكنّ مرضي يحول دون سفري خارج الدولة وحتى خارج أبو ظبي حتى ليوم واحد فقط، إذ لم أغادرها منذ أن أجريت عملية زرع كِلية تبرع بها مشكوراً شقيقي شعبان ببغداد العام 2003م، ولكن العملية فشلت فأعادني الأطباء بأبوظبي إلى غسيل الكِلى البريتوني بالجهاز الخاص كل يوم في البيت وبقيت على هذا العلاج الذي ينقذ حياتي من الخطر منذ أكثر من أربع سنين وما زلت مستمراً على ذلك الغسيل اليومي والحمد لله ربّ العالمين... وأنجزت خلال عملي في أبوظبي مجموعة كتب منذ العام 1999م وإلى اليوم، وهي: الأصايل، وأصايل الإبل، والإبل ذاكرة الصحراء، ورمضان والعيد عادات وتقاليد عن نادي تراث الإمارات، وصدر في سورية: رمضان في الحضارة العربية الإسلايمة، وأبو حيّان التوحيدي انساناً وأديباً، وسينشر لي قريباً في بغداد عن دار الشؤون الثقافية كتابي: ألوان من التراث الشعبي العراقي، وفي بيروت آياتٌ في الآفاق، وعن دار رياض الريس ببيروت كتابي : التراث الشعبي في الإمتاع والمؤانسة للتوحيدي، وعن نادي تراث الإمارات بأبو ظبي كتبي: غطاء الرأس في التراث الشعبي العربي، مرايا شعبية عادات وتقاليد عربية، وقبس من التراث العربي.
|