|
|
الكتابات المنشورة تعبر عن رأي اصحابها |
||
|
13 حزيران 2008 |
|
ولا شهرزاد ؟
كتابات - سعدون محسن ضمد
تتحدث قصص ألف ليلة وليلة عن ملك سيطر عليه هاجس ما، جعله يتزوج كل يوم إمرأة جديدة ويقتلها صباح اليوم التالي. وكان يستمر بجرائمه اليومية دون أن يتصدى له أحد من حاشيته ليقول أمامه كلمة حق يدفع بها عن أرواح العذارى البريئات ومع أن بعض الهوامش غير المنشورة من قصص ألف ليلة وليلة كانت تؤكد بأن أغلب هؤلاء الحاشية تحولوا لمسؤولين في الدولة أو نواب في البرلمان وأصبحوا محميين في مناطق ملونة ويتمتعون بحصانات دبلوماسية، ورواتب تقاعدية كبيرة في حال أن كلمة الحق كلفتهم امتيازات درجة (الحاشية). لكنهم مع ذلك كانوا يحجمون عن التصدي لشهريار وهكذا تركوه يذبح في كل يوم إمرأة جديدة.
على كل حال تستمر القصة ويستمر سقوط الضحايا إلى أن طلبت شهرزاد من أبيها الوزير بأن يسمح لها بالزواج من الملك، وبعد طول نقاش من أخذ ورد اقتنع الوزير بأن لدى ابنته خطة محكمة ووافق على زواجها من ذلك السفاح.
شهرزاد كانت لحسن الحظ أشجع من والدها وأكثر ذكاء وفطنة. فقد أدركت أن عليها أن تنجح بخطوتين. الأولى هي أن تبقي على حياتها لأطول زمن ممكن، والثانية هي أن تقدم لملكها المشورة دون أن يدرك بأنها مشورة. فقد كان واضحاً لشهرزاد بأن زوجها يعاني من حساسية مفرطة من النصائح والتسديدات. وهذه حال معظم القادة والسياسيين الشرقيين. نعم فالأعم الأغلب منهم مرضى لهذه الدرجة. ولذلك تكاد تتحول أحزابنا السياسية لغفير نـحل لا تسمع داخله إلا طنيناً متشابهاً يتكرر دون ملل. السياسي الشرقي يستبعد كل من يختلف معه في الرأي ولا يبقي بقربه إلا من يتطابق معه في الأفكار والتوجهات.
على مدار ألف ليلة وليلة تمكنت شهرزاد من أن تروي لزوجها قصصاً وحكايات اختصرت له داخل مضامينها مختلف الفلسفات والحكم والفنون والآداب، وهكذا إلى أن أعادت تأهيله وصنعت منه رجلاً ناضجاً بعد أن كان غراً يتلاعب بدماء النساء.
جدارة شهرزاد لم تكمن فقط بإعادة تأهيلها الملك. بل بتخطيها حاجز الخوف يوم قررت أن تخاطر بحياتها من أجل حماية بنات جلدتها من موت لا ينتهي إلا بنهايتهن. ولولا أنها فعلت ذلك لاستمر مسلسل القتل إلى أن تتحول مملكة ألف ليلة وليلة إلى مجزرة.
الحكمة التي تنقلها ألف ليلة وليلة هي تلك المتعلقة بجدل القائد ومجموعة المهرجين من حوله. فمن المعقول أن يخطئ القائد، لكن من غير المعقول أن يتواطأ على التسويل له كل من حوله. من غير المعقول أن يكونوا كلهم إما مغفلين أو جبناء لهذه الدرجة. أنا متأكد بأن جميع وزراء شهريار كانوا يتندرون عليه في منتدياتهم الخاصة ويعجبون من إصراره على جرائمه. وكانوا يعتقدون حينها بأنهم أبرياء. لكن في الحقيقة ان هؤلاء الوزراء كانوا أكثر إيغالاً بدماء الأبرياء من شهريار نفسه، بل قد لا يتحمل هذا القائد الطائش الكثير من الوزر، فقد كان يعاني من أزمة نفسية أولاً وأخيراً. وكان على مجموعة الملتفين من حوله أن يجمعوا رأيهم على أن يمنعوه من غيه أو على الأقل يستقيلون من مناصبهم فلا يكونوا شركاء معه في ذلك الغي.الآن يا صديقي... تلفت من حولك وستجد بأن لدينا ألف شهريار ولا شهرزاد واحدة.
|