|
|
الكتابات المنشورة تعبر عن رأي اصحابها |
||
|
13 حزيران 2008 |
|
أبحاث معرفية في ترشيد السياسة البشرية / نظرية الأخلاط - قيادة العقل
كتابات - د.علي التميمي
لقد ثبت في تاريخ الإنسانية بما لا يترك مجالا للشك إن العقل هو محطة التفكير و التأمل و النظر لتقويم الأمور و المواقف , و لكن الأمر الذي لم تتطرق إليه غالبية الدراسات هو العقل الذي يقف تجاه الأشياء مجردا من :
1- الذاتية
2- المزاجية
3- المصالح الخاصة
4- أعباء و تركة العادات و التقاليد التي لم تصنع و تفرز بناء على جهد عقلي سليم و نظر فكري يرتبك برسالة القيم .
فالعقل إذا جرد من كل الشوائب يستطيع أن يعطينا الرأي الصحيح و المسار الصالح في الحياة , و على هذه الأطروحة قامت رسالات الأنبياء و المصلحين و دارت دائرة الحق مع الباطل وأمثلة الانتصار للحق من خلال العقل و ان كانت قليلة و لكنها قوية و حقيقية و قوتها وواقعيتها هي التي تصنع حاجتنا إليها .
فبلقيس ملكة سبأ انتصرت للحق و عملت بالعقل و امرأة فرعون كذلك عملت بالعقل و انتصرت للحق و هاجر زوجة إبراهيم (ع) عملت بالعقل و انتصرت و مريم بنت عمران التي ابتليت بلاء كبيرا نجحت في ذلك الابتلاء باستعمالها للعقل بشكل صحيح و خديجة بنت خويلد و فاطمة الزهراء(ع) و زينب بطلة كربلاء و في عصرنا كانت الشهيدة بنت الهدى(آمنة حيدر الصدر) و نساء كثيرات هن النموذج الذي انتصر بالعقل. ورسالة الأنبياء هي رسالة العقل و الصالحون من الناس كان صلاحهم انتصارا للعقل و الإيمان هو رسالة العقل . و العلم و البحث العلمي للعقل فيه ريادة كبيرة و بدون العقل يتعطل البحث العلمي و تفشل رسالة العلم .
قال بعض الحكماء مشيرا إلى أهمية العلم الذي هو ثمرة العقل :
" من غرس عشرة اجتنى عشرة
ومن غرس العلم اجتنى النباهة
ومن غرس الزهد اجتنى العز
ومن غرس الإحسان اجتنى المحبة
ومن غرس الفكر اجتنى الحكمة
ومن غرس الوقار اجتنى الهيبة
ومن غرس المداراة اجتنى السلامة
ومن غرس الكبر اجتنى المقت
ومن غرس الحرص اجتنى الذل
ومن غرس الطمع اجتنى الخزي
ومن غرس الحسد اجتنى الكمد"
ومن الأمثلة العلمية و الواقعية لمظاهر نظرية الأخلاط , يقول الامام علي (ع):
" و فيهم طويل القامة قليل الهمة
و فيهم دميم الخلقة قوي الفطنة"
و ذلك إشارة تحليلية الى ما استودع في الانسان من عظيم القدرة الإلهية من خلال موهبة العقل و توزيع هذه النعمة على فضاء النفس و الروح و العقل .
يقول الأصمعي :" جلس إلي رجل تقتحمه العين, والله ظننته يجمع بين كلمتين , فاستنطقت الرجل فإذا هو نار تأجج , فقلت أتحسن شيئا من الحكمة تفيد منه ؟
قال: الرجوع عن الصمت أحسن من الرجوع عن الظلم
و العطية بعد المنع أحمد من المنع بعد العطية
و الإقدام على العلم بعد التأني فيه أحسن من الإمساك عنه بعد الإقدام عليه.
قال : فعظم والله في عيني حتى ملأ قلبي هيبة "
و هذا مما قالوا عنه : تكلموا تعرفوا و المرء مخبوء تحت لسانه.
لما مات جالينوس وجد في جيبه رقعة مكتوب فيها :
" ما أكلته معتصدا فلجسمك
وما تصدقت به فلروحك
وما خلفته فلغيرك
و المحسن حي وان نقل الى دار البلاء
و السيء ميت و ان بقي في دار الدنيا
و القناعة ستر الخلة
و التدبير يكثر القليل
و ليس لابن آدم أنفع من التوكل على الله سبحانه و تعالى "
و قيل:" سبعة لا ينبغي لذي لب(أي عقل) أن يشاورهم و هم :
1- الجاهل
2- العدو
3- الحسود
4- المرائي
5- الجبان
6-البخيل
7- ذو الهوى.
و العقل هنا هو الرأي السليم في الأمور صغيرها و كبيرها و هو( عزم الأمور) كما مر معنا في الأبحاث السابقة.
ومن هنا فإن القول بأن العقل غير ذي أهمية و ان الأهمية للعقل البطن و هو صاحب الدور المهم في حياة الناس كما جاء في كتاب خوارق اللاشعور هو قول بعيد عن التحليل المنطقي العلمي و هو أحد المآخذ على المدرسة الوضعية في التحليل النفسي و العقلي و الروحي .
و العقل نعمة و تحصيلها يتم يالتعلم و النظر في عاقبة الأمور خيرها و شرها و الإستفادة من التجارب , ففي التجارب علم المستأنف كما يقول الإمام علي (ع).
فالعقل هو حالة من التوازن النفسي تجاه الأشياء و المواقف و الرغبات و هذا التوازن قد يتعرض إلى خلل و اضطراب , و هذا يعود للأسباب الآتية :
1- إطاعة الهوى و السير في الرغبات و الشهوات
2- الحرص على الدنيا
3- الشح في المال ( البخل)
4- الرياء بالجهل
5- العجب بالنفس
أما إصلاح هذا الخلل فيكون كالآتي:
1- تعهد التربية السليمة منذ الصغر
2- تقديم القدوة الصالحة في القول و العمل
3- تعلم النظر في عواقب الأمور
4- مداومة صداقة العقل
5- الإستفادة من نصيحة الأصحاب.
و في منثور الحكم جاء ما يلي:
1 - إعجاب المرء بنفسه أحد حساد عقله
2- الحصن الحصين ضبط النفس
3- حسن اللقاء نصف السخاء
4- حلاوة اللسان بعض الإحسان
و قال إعرابي :
ما أقرب الخير من السلامة
وما أقرب الشر الى الندامة
و ما أولع الحاسد بالملامة.
قال بعض الحكماء و هو من باب إصلاح العقل نقلا عن أبي داوود السجتاني:
التقت من أربعمائة القاصدين ثم التقطت من هذه الأربعمائة أولها , قول رسول الله(ص):
1- إنما الأعمال بالنيات
2- لا يكون المؤمن مؤمنا حتى يرضى للغير ما يرضى لنفسه .
3- الحلال بيّن و الحرام بيّن , و بينهم أمور متشابهة .
4- من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه.
ومن إصلاح العقول هو اليقظو و قالوا فيها:
1- اليقظة حارس لا ينام.
2- اليقظة حاكم لا يرتشي.
3- من تدرع باليقظة أمن الإختلال
4- من حصل اليقظة أمن الغدر و الجور و الكيد و المكر .
و التعلم باب من أبواب إصلاح العقول خصوصا عند الذين يمتلكون جزئيات العبقرية و عند الذين علمهم كسبي و ليس لدني .
فالعلم اللدني هو من المواهب التي تعطى الى بعض العباد الذين يعرف الله طبيعة أخلاطهم و قدرتهم النفسية على التوازن و هؤلاء هم أصحاب العبقرية الكلية و الذكاء الكلي و العلم اللدني و هم المعصومون من البشر و هم الأنبياء و الرسل و الأئمة من آل البيت .
ومن باب إصلاح العقول الذي نحتاجه اليوم في العراق بشكل خاص أضع هذين المثالين لعالمين كبيرين و هما من أصحاب العلم الكسبي و علمهما جزئي و ذكاؤهم جزئي و عبقريتهم جزئية و هذا استقراء موضوعي لأصحاب العقول و العلم من الذين نحترمهم بعيدا عن المبالغات .
يقول وكيع: قال لي أبو حنيفة النعمان بن ثابت :
أخطأت في خمسة أبواب من المناسك بمكة فعلمنيها حجام . انظر الى تواضع أبي حنيفة حيث يقول :
و ذاك إني جئت أريد أن أحلق رأسي . فقال لي : أعراقي أنت؟
قلت : نعم.
و قد كنت قلت له بكم تحلق رأسي ؟ فقال: النسك لا يشارط فيه . اجلس فجلست منحرفا عن القبلة , فأومأ اليد أن استقبل القبلة .
و أدرت الجانب الأيسر من رأسي فقال : ادر شقك الأيمن من رأسك فأدرته, فجعل يحلق رأسي و أنا ساكت , فقال لي : كبر فجعلت أكبر حتى قمت لأذهب فقال : أين تريد , قلت : الى راحلتي , قال : صل ركعتين ثم امض.
فقلت: ما ينبغي أن يكون ما رأيت من عقل هذا الحجام إلا و معه علم.
فقلت له : من أين لك ما رأيت .
قال:أخذت هذا عن رباح بن عطية فقيه مكة الذي أخذه من علي بن أبي طالب , و أشد لابن السماك:
يا أيها الرجل المعلم غيره هلا لنفسك كان ذا التعليم
تصف الدواء من السقام لذي الفتى ومن الغنى ما زلت أني سقيم
المثال الثاني للعلامة الزمخشري صاحب كتاب تفسير الكشاف يعبر عن حيرته تجاه الآراء المذهبية فينظم هذه الأبيات :
إذا سألوني عن مذهبي لا أبح به و أكتمه كتمانه لي أسلم
فإن حنفيا قلت قالوا بأنني أبيح الطلى و هو الشراب المحرم
وان مالكيا قلت قالوا بأنني أبيح أكل الكلاب و الكلاب هم هم
وان حنبليا قلت قالوا بأنني ثقيل مجسم
وان من أهل الحديث و حزبه يقولن تيس ليس يدري و يفهم
فأقصاني زماني و قدم معشرا هم لا يعلمون و أعلم
والى اللقاء في حلقة قادمة.
|