الصفحة الرئيسية

كلمة كتابات

الكتابات المنشورة  تعبر عن رأي اصحابها

زوايـــــا

دراسات

 kitabat@kitabat.com <<<  webmaster@kitabat.com

الارشيف

كتب

11  حزيران  2008

ابحث في كتابات

 

عادل عبد الله.. في(المثقف السياسي)!!

 

كتابات - عبد الامير المجر

 

هناك مقولة (قديمة) شهيرة تقول: (اذا وجدت العلماء يقفون على ابواب الملوك، فقل بئس العلماء وبئس الملوك، واذا وجدت الملوك يقفون على أبواب العلماء، فقل نعم الملوك ونعم العلماء)!!.. وفي سياحة (ثقافية) باتجاه اعماق التاريخ، نجد انفسنا أمام صور عديدة تعزز هذه المقولة وتثبت اركانها في النفوس والعقول ايضاً، لكن في اعماق التاريخ ايضاً! وبمقدار ما يتصل منها باعتداد (المثقف) وقتذاك بنفسه واحترامه لكبريائه وانسانيته التي غالباً ما هدرها اكثر من (مثقف) وشاعر على بلاط هذا الملك أو ذاك مقابل الحصول على (عطايا) ذهبت كما ذهب الحاصلون عليها لتبقى (مواقفهم) في ذمة التاريخ!

أجد ان هذه الكلمات تصلح ان تكون مقدمة او مفتتح للحديث عن محاضرة الشاعر والمفكر عادل عبد الله في اتحاد الادباء يوم الاربعاء (2008/5/21) تحت عنوان (المثقف السياسي) والتي تحدث فيها عن ضرورة اندماج المثقف بالشأن السياسي، كسياسي وليس فقط من خلال إعمال الفكر وتوظيفه في عملية تغيير المجتمع، وبنائه، وهنا وقفنا على الاشكالية التي طرحتها المحاضرة، والاشكال الذي وقعت فيه ايضاً، فالمحاضر المعروف عنه اشتغاله في الفكر، اجتهد في رسم صورة تكاد تكون مثالية للمثقف الذي أراده مقابل صورة سلبية ولو على المستوى الاخلاقي للسياسي فأوجد ثنائية متضادة لم نجدها موفقة، اي انه جرد السياسي من جهده الثقافي واقصاه الى منطقة السلطة فقط في تبدياتها المعروفة وعاد به الى منطق المقولة القديمة التي تصدرت سطورنا هذه عن ثنائية (الملك/ العالم).

ولكي لايفوتني امر أساسي اقول ان المفكر عادل عبد الله ليس من البساطة بحيث يتجاهل حركية الثقافة، وجدليتها الطويلة التي تجاوزت بالتأكيد الثنائية القديمة تلك لاسيما وانه معروف عنه اشتغاله على مناهج الفكر الحديث التي تستبطن هماً سياسياً وقف عنده المثقفون والقراء عموماً في كتابات سارتر وغرامشي ولوكاتش وصولاً الى فوكو ودريدا، فضلاً على ما انهمك به مفكرون عرب كثيرون امثال ادوارد سعيد وعلي حرب وبرهان غليون ومطاع صفدي وهشام جعيط وحتى الجابري في اكثر من وقفة ناهيك عن الرعيل الاول من المفكرين الذين تركوا بصماتهم على أكثر من سياسي عربي لاحقاً..

وهو ما يجعلنا نتوقف عند مفهوم (المثقف السياسي) الذي طرحه عبد الله، وفيما اذا كان يقصد ادخال المثقف في اللعبة السياسية مباشرة، ام بتأثيره فيها من موقعه.. استطيع القول انه يريد للمثقف دوراً مباشراً اي ان لايخلي المثقف الساحة السياسية لـ(السياسي) وحده، كما قال، منتقداً في الوقت نفسه، ضعف بعض المثقفين الذين يلبون دعوات السياسيين الى موائدهم!..

والسؤال هو اين الاشكالية؟

ونقول، نرى انها تكمن في تجاهل حقيقة الراهن السياسي على مستوى العالم وتحديداً منذ اواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، الذي انهى ثنائية (الملك/ العالم) لاسيما بعد تبلور (الليبرالية) كنظرية سياسية ونظم حكم وقيام ثورة اكتوبر الاشتراكية العام(1917) ومن ثم ظهور الاسلام السياسي منتصف القرن الماضي ودخول العالم صراع الثقافات، الذي أذكاه التطور التقني وثورة المعلوماتية والاتصالات لتندمج الفعالية السياسية في مكان ما من العالم، بالفعالية الشعبية كل على وفق ما يؤمن به من عقيدة ليصبح صراع العقائد الذي ينطوي ضمناً على رفض كل عقيدة للعقيدة الاخرى ان لم اقل الآخر، صراعاً سياسياً، وانا هنا اجزم بان الليبرالية ايديولوجية شمولية ببرنامجها كالماركسية وكالاسلام السياسي في بعض تمظهراته لانها، اقصد الليبرالية، تتجاوز آلياتها الداخلية كالحوار واحترام الرأي الاخر، والحرية وغيرها مما تبشر به وتتحول من خلال متبنيها الى وحش كاسر، عندما تستشعر خطراً يهدد مصالحها او مناطق تمدداتها ومجالاتها الحيوية، وطبقاً لهذا الواقع وبما ان كل من الماركسية والليبرالية والدين في مختلف اشكاله حين يدخل عالم السياسة فانه له بالتأكيد منظروه وفلاسفته ومثقفوه لذا فان الصراع السياسي يغدو في حقيقته صراعاً ثقافياً في جوهره، يجتهد كل طرف بكل ما أوتي من وسائل ليطرح خصمه ويسفه افكاره، وهو ما حصل للشيوعية التي ما ان انهارت في اكبر واهم معاقلها حتى صارت توصم من قبل اعلام الخصوم بالاستبدادية والديكتاتورية وهي التي كانت بقوة (مثقفيها ومنظريها وشعرائها) تلك النظرية التي وصلتنا محاطة بهالة ملائكية لاتخترقها اعين الشيطان! تماماً كما يصور لنا الاعلام الرأسمالي (الليبرالي) اليوم العولمة التي ستملأ الارض بالديمقراطية واللبن والعسل ولا ندري ماذا سيقال عنها بعد ان يتمكن منها خصومها!!

وعليه نقول ان المثقف المعاصر الذي يندرج جهده في اطار مشروع معين هو مثقف سياسي وان لم يدخل حلبة الصراع مباشرة وان دخلها ضمن توجهاتها الفكرية الحاكمة فهو ليس بالضرورة يصبح (سياسياً) محترفاً ينبغي ان يتخندق ضده (المثقفون) ممن هم خارج السلطة، والشاعر الماركسي او القومي او المسلم المسيس او المسيحي، حين يتغنى بالمشروع الذي يتنباه هو فأنه بالضرورة يختلف اختلافاً كلياً عن المتنبي حين يمدح (كافور الاخشيدي) من اجل الحصول على (عزبة) ثم يهجوه لعدم اعطائها اياه!!..

ان المتنبي كان شاعراً (محترفاً) وان كان فطحلاً ومتفرداً اما شاعر (العقيدة) او كاتبها ومثقفها اليوم، واقصد هنا الصادقين منهم تحديداً وليس المتملقين والمتلونين، فهم اصحاب موقف وهم مسيسون اي اصحاب مشروع سياسي وهم ايضاً (مثقفون سياسيون) وفاعلون داخل (العملية السياسية) في اي مكان من هذا الكوكب وعليه فان اول ما يصطدم به (المثقف السياسي) الذي يريده المفكر عبد الله بعد ان يدخل اللعبة السياسية هو انه سيصبح (سياسياً) وسيكون له مشروع معين وفكر معين مهما كانت تسميته وعند ذاك قد يضطر من اجل انجاح مشروعه الى اقامة الموائد وسيدعو اليها المثقفين!

لندخل من جديد في الحلقة المفرغة!

 

al_majar@yahoo.com