|
|
الكتابات المنشورة تعبر عن رأي اصحابها |
||
|
10 حزيران 2008 |
|
الإسلام والماركسية
كتابات - المحامي سليمان الحكيم
صار اكتساح مفهوم العولمة لكل مناحي الحياة في عصرنا الراهن وكأنه أمر مسلّم به , وقد انصاعت له الدول والمؤسسات الإقتصادية الكبرى , وأفرز أنماطاً جديدة من الاستهلاك , وثبّت المفهوم الرأسمالي للحرية الاقتصادية باعتبارها حقاً بلا حدود وبلا ضوابط للأغنياء , وقصر دور الدولة على الجانب الأمني , والتمثيل الخارجي , وتنظيم جباية الموارد السيادية, والنأي تماماً عن التدخل بالنشاط الاقتصادي تاركة إياه لقوانين العرض والطلب , بما في ذلك ما يتعلق بالسلع الحيوية ذات الأهمية القصوى للغالبية الساحقة للناس , مثل الدواء والوقود ورغيف الخبز, ومياه الشرب والكهرباء والاتصالات . وليس من تجنّ ٍ أو تزيّد في النظر للعولمة باعتبارها الفهم الأميركي لنمط الحياة في القرن الواحد والعشرين , وهو قرن أميركي كما تدل ظاهر الأحوال , إذ انفردت الولايات المتحدة بزعامة العالم , واحتكرت قدرة الضغط الدولي , وشنّ الحروب , بعد أن غاب عن المسرح غريمها السوفييتي اللدود , وعدم استكمال القوى المرشحة للصعود إلى هرم الزعامة العالمية , مثل الصين واليابان و أوروبا الموحدة , لمتطلبات ذلك المركز . وبرغم اتساع المعارضة الشعبية في دول العالم المتقدم بالذات لنظام العولمة , فإن هذه المعارضة تفتقد للدليل النظري الذي تواجه به الفلسفة الرأسمالية بعد أن بلغت أعلى مراحلها , وفي أوج قوتها وهيمنتها . وفي ظني أن الفكر الإنساني عرف مدرستين رئيستين حملتا آمال التصدي للفكر الرأسمالي , أولهما هي المدرسة الاسلامية , وثانيهما هي المدرسة الماركسية التي أثبتت قدرتها على تقديم بديل اقتصادي واجتماعي للنظام الرأسمالي , خاصة وأنها كانت قد تنبأت له بوصوله إلى أعلى مراحله حينما يتطور إلى نظام عابر للقارات - امبريالي - فيبلغ الذروة التي يليها انحدار محتوم كما تنص قوانين التاريخ والحياة , ونظام العولمة ليس إلا ذروة تطور النظام الامبريالي . ومن جهتها فإن المدرسة الاسلامية لم تقدّم حلولا جذرية بديلة للنظام الرأسمالي , برغم محاولات جادة قام بها مفكرون إسلاميون معتبرون , مثل السيد محمد باقر الصدر , والاخواني سيد قطب . وبقي الفكر الاسلامي مراوحاً في إطار النظرة الفكر الرأسمالي , وإن حاول تلطيفه بمثاليات الزكاة , والحضّ على التعامل الإنساني مع الفقراء . وليس صحيحاً أن انهيار الاتحاد السوفييتي قد أدى آلياً إلى سقوط الفلسفة الماركسية , لأنه بالأساس وصل إلى مركز القوة الأعظم الثانية في العالم منذ منتصف القرن العشرين , بفضل منهج التحليل الماركسي , ولكنه توقف عن الإبداع النظري وعن تطوير فهمه لذلك المنهج , وغرق في انحرافات الطبقة الحزبية والإدارية التي شكلت طبقة متميزة طفيلية , وأنفق معظم ناتجه القومي في سباق التسلح , على حساب مطالب الناس واحتياجاتهم الأساسية . وإذا كان كل شيوعي ماركسياً بالضرورة , فليس كل ماركسي شيوعيا , فضلا ً عن أن الماركسية ليست كتاباً منزلا ً لا يأتيه الباطل من أمامه ومن خلفه, ولكن فيها ما ثبتت صحته , وفيها الزبد الذي يذهب جفاء . فالماركسية فلسفة تتناول بالدرجة الأساس علم الاجتماع والاقتصاد السياسي , وهي ليست عقيدة ولا شعاراً سياسياً ولا مجرّد بناء نظري واحد . وقد وضع أسسها في القرن التاسع عشر المفكر الألماني كارل ماركس بالتعاون مع مواطنه فريدريك أنغلز , وبذلا جلّ سنوات عمرهما من أجل بلورتها بأكمل جهد إنساني ممكن لتكون مؤهلة لنقض الفكر الرأسمالي الذي كان لم يكتس بعد بلمساته التجميلية والإصلاحية , بل بدا وقتها في غاية التوحش والجشع إلى درجة أشعلت معها في قلب غرب أوروبا ثورتين عماليتين , كانت أولاهما في فرنسا عام 1881عندما أقامت الطبقة المسحوقة شكلاً بدائياً لمشاعة عمالية في باريس , و اندلعت ثانيهما في المانيا حيث انفجرت انتفاضة عمال برلين في عام 1919 . وكذلك كانت الفلسفة الماركسية رداً على الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية المتردية في المجتمعات الصناعية الأوروبية في ذلك الوقت , والتي كانت طبقتها العاملة وفقرؤاها يعيشون في ظروف غير إنسانية , ويئنون تحت وطأة همجية الاستغلال الرأسمالي . وفي ظني أن الماركسية لم تكتسب أهميتها القصوى إلا في مطلع القرن العشرين حيث جرى تطبيق نظرياتها عملياً على الأرض , إذ قامت تحت رايتها ثورتان شعبيتان أصيلتان في روسيا وفي الصين , وقد غيّرتا مصير وأقدار هذين البلدين ومعهما وجه وتاريخ العالم بأسره . واستمرت هذه الفلسفة ملهمة للشعوب المضطهدة والمناضلة من أجل حريتها واستقلالها , كما حدث في مناطق عدة من قارات العالم في آسيا وافريقيا و أميركا اللاتينية , وكذلك أتى حين من الدهر كان فيه ربع الكرة الأرضية يعيد صياغة حياته على أسس المساواة وتكافؤ الفرص وعدالة التوزيع , والربع الثاني من تلك الكرة والمعروف باسم العالم الثالث, كان يكافح للحاق بالدول المتحررة والمتقدمة . ولما كانت ظروف دول العالم الثالث - بما فيها الدول العربية - تكاد تكون متشابهة في تاريخ نضالها للتحرر من الاستعمار المباشر القديم , والتحرر الاقتصادي من الاستعمار الجديد , وأمام تحديات مطالب التنمية والبناء , فإن قواه المناضلة وجدت نفسها بالإضافة إلى ذلك كله تخوض صراعاً شائكاً مع المؤسسة الدينية التقليدية المتحالفة مع طبقات النظام القديم , تماما كما سبق أن وجدت الحركات التقدمية الأوروبية نفسها في مواجهة السلطة الرجعية الكنسية . ومع أن حركات التحرر العربية لم تكن شيوعية التوجه بل حملت فكر الاشتراكية العلمية - وهو فكر يمثل الفهم العربي للماركسية - وكانت جزءاً من اليسار العالمي , إلا أن المؤسسة الدينية تصدّت بأسلحة الأرض والسماء معاً من أجل محاربة الفكر الجديد , وهكذا تحولت الماركسية التي قدمت للعالم فهماً جديداً للتاريخ يستند على صراع الطبقات , إلى صراع بين الأرض والسماء في تنظيرات المتأسلمين الذين لم يتورعوا عن خطيئة مساواة عقيدة سماوية بفكر فلسفي من نتاج العقل البشري . فالماركسية تبقى مهما علا شأنها فلسفة تتعامل مع الواقع المادي للحياة وتحاول تفسيره تمهيداً لتغييره , وأداتها في عملية التغيير هي الطبقات صاحبة المصلحة في دفع حركة التاريخ إلى الأعلى , وهي في النهاية فلسفة قابلة للنقاش وربما للنقض في بعض جوانبها , في حين أن الاسلام دين يتعامل مع الروح ومع الجوانب الأخلاقية للحياة , وأداته في التغيير هي الدافع الوجداني للفرد , ووعد الثواب والتوعد بالعقاب في العالم الآخر . وبالتأكيد فإن شروط ظهور كل منهما وأهدافهما مختلفة كلياً , دون أن يحول ذلك إمكان التقاطع بينهما في مباديء المساواة وكبح فداحة التفاوت الطبقي . وقد أخذ المتأسلمون على الماركسية أنها تنشر الإلحاد والكفر بين المسلمين , متخذين من مقولتها بأن الدين أفيون الشعوب دليلا على ادعائهم , في حين أنه ليس إلا زعماً يتجاهل الشروط التاريخية التي أنتجت تلك المقولة التي تتعلق بالدين المسيحي حصرا , فضلا عن أن الإسلام بعباداته ومعاملاته , لا علاقة له بالرأسمالية أو الاشتراكية ولا بأنماط الانتاج . وإضافة إلى ذلك فإن منهج التحليل الماركسي ليس أداة لمحاربة وحي السماء , بل هو اكتشاف مبدع انطلق من التطور الطويل الذي وصلت إليه وقتئذ العلوم الطبيعية والرياضيات والفلك والفيزياء , وتتعلق مهمة هذا المنهج بتحقيق التوزيع العادل للثروة والقضاء على أشكال القهر والاستغلال , وقد تأسست كل هذه المطالب الأخلاقية على قاعدة مادية أبدعها ذلك المنهج وتمثلت بنظرية فائض القيمة , التي حددت بدقة كيف وأين تجري عملية الاستغلال الرأسمالي لليد العاملة , وكم يبلغ مقدارها . ولقد جهد المتأسلمون لإقناع الناس بأن بشاعة النظام الرأسمالي والأمراض الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية المتولدة عنه , إنما هي قدر من الله وليس أمام الكادحين إلا الإذعان لهذا القدر حتى لا يُحتسبوا من المعترضين على المشيئة الالهية ! وقد يجد بعضهم - وهم محقون فيما أعتقد - أن الماركسية قد تجاوزت ميدانها الطبيعي و دخلت عالم المثالية , وذلك عندما جزمت وهي تصوغ قانون تطور المراحل التاريخية , بأن هذه المراحل بدأت من المشاع وستنتهي إلى المشاع حتماً مروراً بالعبودية والإقطاع والرأسمالية فالاشتراكية . ولكنها برغم هذا المأخذ - الذي يقطع بأن الماركسية ليست كهنوتاً منزهاً عن النقد - فإنها قدّمت للبشرية قانون حركة التاريخ , ونظرية فائض القيمة , وقوانين الجدل المادي . لقد قدمت منهجاً للتحليل الملموس للواقع الملموس وصولاً إلى معرفته تمهيداً لتغييره , إنها ببساطة أضافت إلى وصف الفلاسفة للعالم , أسس ووسائل تغييره . ولعل خير دليل على سلامة منهج التحليل الماركسي , أنه كان أداة التغيير في مجتمعات متباينة في تاريخها وفي تكوينها الاجتماعي ونظامها السياسي , فثورة اكتوبر الروسية عام 1917 كانت نتاج فهم قائدها ومفكرها لينين لمنهج التحليل الماركسي وتكييفه وفق ظروف روسيا آنذاك , و الثورة الصينية العظمى في عام 1947 كانت نتاج فهم ملهمها ماوتسي تونغ لذلك المنهج وتكييفه وفق ظروف الصين . وكانت معركة التحرر الفييتنامي من عدة سلطات استعمارية توالت على احتلال هذا البلد النبيل - بدءاً من الاستعمار الياباني ثم الفرنسي وانتهاءً بالأميركي - علامة مجيدة في تاريخ الشعوب المناضلة , وجرت بفهم فييتنامي للمنهج الماركسي صاغه القائد الفذّ هوشي منه . وبالمثل فإن الفكر العربي قدّم في سنوات الستينات المجيدة , رؤية سياسية واقتصادية اعتمدت منهج التحليل الماركسي , دعاها بعض المفكرين بالطريق العربي للاشتراكية العلمية , مع تكييفها وفق ظروف كل بلد عربي على حدة . وقد أثبت الواقع المعاش قدرة ذلك المنهج على تغيير شكل الحياة بالنسبة للغالبية الفقيرة من المواطنين بشكل مدهش , كما أثبتت الوقائع اللاحقة صحة تحليلاته , فالبورجوازية الكبيرة والإقطاع عملا فعلا كأدوات للاستعمار الأميركي الجديد , والبورجوازية الصغيرة نهضت بأعباء التحرر الوطني وبناء المجتمع الاشتراكي والتنمية , وتوصلت إلى صيغة عبقرية للعمل السياسي الداخلي تمثلت بتحالف قوى الشعب العامل . ولكنها في إطار صراعها مع الاستعمار الجديد الذي كانت - ولازالت - تقوده الولايات المتحدة الأميركية , تعرضت لضربة قاسية في عام 1967, أجهضت المشروع القومي الاشتراكي برمته , مما مهّد لقوى الردّة أن تنقض على كل ما جرى بناءه , وأن تسلّم سيدها الأميركي مصير الأمة وثرواتها , وترهن لديه قرارها . و لم تكن المؤسسة الدينية بعيدة عن ميدان الصراع ذاك , بل واصلت سراً وجهراً - بحسب ضمان السلامة - دورها المتآمر على فكرة التغيير , وأشهرت أسلحة الفقه والتكفير من أجل الدفاع عن مصالحها المرتبطة بتحالف الإقطاع مع الرأسمالية الطفيلية . وبرغم تفيقهات المتأسلمين , فإنه مما لايقبل الشك أن قواسم مشتركة جمعت بين الإسلام - وهو في جوهره رسالة السماء من أجل إنصاف المستضعفين ومساواتهم إنسانياً بالأغنياء وتقليص التفاوت المادي بينهما - وبين الفلسفة الماركسية , فهما معاً يؤكدان على حماية حقوق وحريات الناس الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والمدنية والسياسية , وهما معاً يهدفان إلى تحقيق العدل الاجتماعي ويحاربان الاستغلال ويبيحان حرية العقيدة , ويمتلكان قابلية هائلة للتوظيف من أجل تعبئة الوعي , ويرفضان بشدة أوضاع الفقر والتخلف , ويتحدثان بلسان الفقراء والمحرومين . ولكن الخلاف بينهما قد يقع في جذرية الحلول التي يقدمها كلّ منهما , فالإسلام لم يحرّم علاقات الانتاج الاستغلالية شرعاً , ولكنه اعتماداً على النوايا الطيبة للمؤمنين , دعا إلى تلطيفها وضبطها بالخلق الحسن وبوعد الثواب في الآخرة , في حين أن الماركسية فهماً منها لطغيان الجشع البشري وتغوّله في النفس الإ نسانية , فقد دعت إلى تقويض العلاقات الاستغلالية وإقامة المجتمع الاشتراكي . كما يبيح الإسلام الملكية باعتبارها حقاً لكل إنسان أياً كان حجمها وطبيعة علاقات الانتاج التي تحكمها , فالمهم في فقهه أن يؤدي المسلم فريضة الزكاة والخمس , بينما تفرض الماركسية عودة الملكيات الكبيرة التي تعني وسائل الانتاج, إلى المجتمع ككل . وقد أثبتت تجارب التنمية في العالم الثالث , وعلى طول عشرات السنين , أن القضاء على الفقر والمرض , والنهوض بالاقتصاد , ورفع مستوى حياة الناس , لا يمكن أن يتم إلا بتنمية مخططة تتطلب تراكماً رأسمالياً يستدعي حشد كل الموارد والإمكانات الاقتصادية , ولست أرى للدين دوراً في هذه المجالات الدنيوية التي يقودها خبراء وعلماء متخصصون وعلى أعلى مستوى أكاديمي في شؤون التخطيط والاقتصاد والزراعة والتصنيع وسائر فروع الهندسة . والأهم من ذلك كله , تتطلب قيادة سياسية طاهرة معنية بهموم وتطلعات الفقراء , الذين يشكلون الغالبية العظمى من أبناء الوطن . من المأثورات العربية ما نصّه , أن الله يزع بالسلطان مالا يزع بالقرآن , ولعله يلمح إلى قصورسلطة الدين في العصر الحديث حيث لا تتسع مهمات بناء مجتمع معافى وحيوي , للنوايا الطيبة للمؤمنين دافعي الزكاة - أما الخمس فالله وحده يعرف مآله - أو للملاّك المستعدين للنزول عن طيب خاطر عن حصة من المحصول للأيدي التي زرعته وحصدته بعرقها وشقائها . كان العدل الاجتماعي في صدر الإسلام سهل التطبيق , فلم تكن هناك طبقة عاملة ولا وسائل إنتاج تتبعها علاقات استغلالية , ومع ذلك فقد صاغ الإمام علي بن أبي طالب , أمير المؤمنين والحامل الأمين للرسالة المحمدية, عبارة حملت فهماً اجتماعياً اختصركل الجهد الفلسفي الإنساني المعذب بمطالب العدل الاجتماعي : " ما مُتّع غنيّ إلا بما جاع به فقير " .
|