الصفحة الرئيسية

كلمة كتابات

الكتابات المنشورة  تعبر عن رأي اصحابها

زوايـــــا

دراسات

 kitabat@kitabat.com <<<  webmaster@kitabat.com

الارشيف

كتب

10  حزيران  2008

ابحث في كتابات

 

وُِلد (الملحة)

 

كتابات - كاظم شلش

 

ليس الأولاد موضوعنا، بقدر ما هي الأم (الملحة)، الأولاد هم الذكور اليافعين و(الملحة) هي الأم الأنثى، الوالدة، الرءوم تلك التي أتعبتها سني الحياة القاهرة، وألبستها ثوبا فاحما من الحداد، عن عراق طرزه العنف بالقهر، وعن عراق هو ضيعة للتصارعات السياسية، والسلطوية، والحروب القبلية. لم يكن حصة الأم (الملحة) من هذا كله غير المشقة والفراق، والحزن والضنك الدائم، الأم التي نحتت سنان الشمس في وجهها المجيد، أخاديد وسواتر، ومشجوجة بالدمع المالح، ما أحال محياها إلى سبخ وتراب درسته دبابات الحروب، ولم يتبق من لونه الخمري المحمص، غير بعض تجاعيد ترسم عليه لمسة خلاسية من ذلك التعب، والمشقة حد الهتك والامتهان، حتى ميَّزتها الطبيعة باسم (الملحة)، متفوقة بذلك عن بنات جنسها، ليس كل امرأة في العراق هي (الملحة) التي ننعت، وليس كل الأولاد هم أبنائها، أنها أم لأولاد الجنوب وحدهم، لعل نساء السياسيين والباحثين عن السلطة لا يحظين بشرف هذا اللقب الذي أهدته الطبيعة لهذه (الملحة)، كما إن أُمنَا هذه لم تكن لتحظى بشرف الجوائز التي توزعها المنتديات العالمية وغيرها بمثل الباقيات غير الصالحات.

 إن شرف القبيلة وحده الذي يعطي أمنا الحق أن تأخذ من الطبيعة وكوارثها شرف جائزة اللقب. زوجها الجاثم على فوهة بندقيته والمتحدر من سلالة الحضارات القديمة وحده من يعرف سر هذه التسمية.

 في الجنوب لا يجرؤ احد أن يهدي امرأة شيئا، هداياها زجرة رجل يبحث عن تبغ له في حر الظهيرة، أو حلب بقرات يانعات يأكلهن سبع عجاف، وتحول بينهن وأبكارهن، وبحث عن أولاد في سواتر المعارك غابوا لشهور، ربما العار والثأر صفة تمنع تعاطيهن الهدايا. ثمة فرق شاسع ميز (الملحة) هذه عن الأخريات، إنها تجيد تفكيك وتركيب سلاح الحرب، وتجيد الرماية أيضا، ولذلك فأن مشاغلها الملقاة على عاتقها جد كثيرة، فهي المربية التي تسهر على راحة عيالها الممشوقين ذوي الوجوه الصفر، وهي التي تصدهم عن تعكير صفو أبيهم التتري صاحب الحروب القبلية والنعرات الجنوبية ساعة قيلولته. ومثلما ترضع طفلها فهي تشبع شاجورا بات عصيا في يد محارب أضنته سنينا من الشجار والتحارب، هي حمالة الحطب وهي خابزة الخبز وهي المولولة والمهللة أثناء الشجار، وفوق هذا فهي التي لا تغفو لها عين حتى تسبل عين آخر من في البيت.

 ونتساءل هنا من الذي أطلق تسمية (الملحة) هذه. ولا نريد أن نشد أنفسنا إلى فكرة البحث والتنقيب عن فحوى هذه التسمية، ربما ليس كل ما نتناوله يصلح للبحث والتنقيب ونعتقد أن تسمية الملحة من اختصاص العراقيين أهل الجنوب وحدهم، فليس لها اثر في قاموس اللغة الاصطلاحي، إلا في ما يقرب من الملح، والملح هذا أبيض اللون لا يُستغنى عنه في طعامنا، وأمنا (الملحة) ليست بهذا البياض كما هو الملح، لكنها محبذة وضرورية على هذا المنوال.