|
|
الكتابات المنشورة تعبر عن رأي اصحابها |
||
|
10 حزيران 2008 |
|
أبحاث معرفية لترشيد السياسة البشرية - 10 يتبع الشخصية القيادية
كتابات - د.علي التميمي
إن تلك التجارب و تلك المواقف تكشف لنا مواقف عملية في التحليل النفسي إذ كيف تصبح النفوس لا تعيش إلا من خلال تعلقها بالمطلق , و هو الله مانح كل شيء و رازق كل شيء و واهب كل شيء و صانع كل شيء . فهذه النماذج البشرية التي قدمت على مسرح الحياة إنما قدمت لتكون عبرة و مصداقا للنفوس التي بإمكانها أن تتسلق سلم الرقي و تقدم للإنسانية دورا مشهودا في البناء و صناعة العلاقات الإجتماعية التي تؤسس مناخا تنمو فيه المعرفة بالخالق و بالخلق . فليس هينا أن يقف المرء أمام تحد من الناس و الأجيال يصل إلى ألف عام من الإجحاف و النكران و المعاندة و هذا في عرف المدرسة الوضعية في علم النفس المعاصر كفيل بإظهار لهيب العمل الذي ينتهي بالإحباط و لكن نوحا عليه السلام قدم نموذج الشخصية التي تعرف رسالتها و تعرف هدفها و تعرف من حولها و تعرف مستقبلها فتظل تتمتع بالإصرار و الإستمرار و العطاء و الأمل .
هذه الأبعاد الضرورية لكل شخصية قيادية ناجحة و لكل مشروع عمل يراد له البقاء و هكذا ذهبت أمة نوح و أخذها الطوفان و ظلت مواقف نوح و مبادئ نوح و أهداف نوح (ع) من القضايا الأساسية . ومن القضايا الأساسية هنا أن نلتفت إلى أن مرحلة عهد نوح و تفاصيل ما جرى له ما كنا لنحصل عليه لولا ان السماء قد أخبرتنا بذلك عبر الملائكة الذين يشهدون تطورات المجتمع الأرضي :
" الحمد لله فاطر السماوات و الأرض جاعل الملائكة رسلا أولي أجنحة مثنى و ثلاث و رباع يزيد في الخلق ما يشاء "
ومن هنا علينا في التحليل النفسي و البحث الاجتماعي و الدراسات الفلسفية أن ندخل العامل الرباني السماوي ليس على أنه جزء من الغيب الذي يصعب على أغلب الناس إدراكه و إنما أن ندخله في كل المناهج الدراسية و في كل مجالات البحث على أنه جزء من حقائق الحياة و حقائق الكون الذي لا ننفصل عنه و لا يزيدنا إنكاره إلا مزيد من العناء و ضياع الوقت و الفرص .
إن مشكلة المعرفة الغيبية و المعرفة البشرية أي المعرفة التي يأخذها بعض الدارسين بعيدا عن توثيق السماء قد أصابها بعض الإشكال و هو الآخر معرفي و نفسي في أن واحد . فالكثرة من الناس كانت تذهب الى المعتقدات المألوفة و الآثار التي ينقلها التاريخ إليهم عبر الأجيال بعيدا عن الوعي و التمحيص و الملاحظة التي نستجمع حركة الأشياء في إطار كون مصنوع بعناية و حكمة و لقد كثرت هذه الظواهر و كثر الناس الذين يعتمدون على السلف و على الأشياء الحسية دون الأشياء الغيبية . و حالت أمور عديدة دون تقبل الوحي و الغيب على أنه مصدر صحيح في تلقي الأخبار و المعارف و سادت روح الإتكال و الخمول و الجمود و ساعدت على ذلك النماذج المترهلة التي كان الدين لعق على ألسنتها فأعطت صورة مشوهة عن الدين و عن ينابيعه المعرفية و هذا ما يجري في التجربة العراقية اليوم .
و عندما بزغت حضارات و مدنيات هنا و هناك سقطت في شراك الوضع البشري و ابتعدت عن حقائق السماء و روح الغيب.
و تواصلت مدنية الغرب على هذا المنوال فكان رجال النهضة في أوروبا على الصعيد الفلسفي و الاجتماعي و العلمي هم من هذا الصنف الذين يأخذون بالوضع و الوضعية و يهملون الغيب و لا يتطلعون الى السماء بروح علمية . و عندما تدرجت روح المبادرة بتطور الصناعة و الخبرات كانت في المقابل تذوي و تذبل جذوة البحث العلمي في العالم الإسلامي و أسبابه معروفة بانحراف الحكام و الصراع على السلطة كما يحدث الآن و اشتداد روح الخلافات المذهبية و الصراعات الجانبية مما أضعف السلطة و كشف عورات المجتمع الذي أضحى يغط في سبات عميق .
بينما كان في الجانب الآخر تنمو روح التجربة و يتحرك المجتمع نحو العمل و طبيعة الحركة تمتد في الميدان فاكتشفوا من حولهم أمة نائمة و تراثها متروك للسرقة و الإستثمار فعملوا على استمرار تأخر الأمة الإسلامية و استمرار سباتها .
و هذه الخطة لا زالت مطبقة الى اليوم لدى أهل الغرب و إذا كنا نتحفظ على مذكرات الجاسوس البريطاني (همفر ) بصحة كل ما جاءت به من المعلومات , و لكن هناك نقطة محورية و أساسية في البحث انما جاء حول عمل وزارة الخارجية البريطانية ووزارة المستعمرات هو صحيح لأن هناك شواهدا كثير على هذا المحور من العمل الجاسوسي داخل العالم الإسلامي.
و غرفة عمليات وزارة الخارجية البريطانية في تلك المرحلة و تركيز عملها على طريق التوابل و رأس الرجاء الصالح و ما يسمى بالشرق الوسط و تركيزها على العمل في اسطنبول مركز الخلافة العثمانية و في أصفهان مركز السلطة الفارسية و في بغداد و البصرة و القاهرة لها ما يفسرها كدولة تطمح الى السيطرة على العالم المتخلف .
و قيادة التجربة الأوروبية ساهمت في صناعة وهم معرفي جديد في العالم و هو الإستسلام للوضعية في الأبحاث و تفسير العالم , و بقيت نظرية الإستخلاف و نظرية الشخصية القيادية النموذج التي تمزج بين الغيب و التجربة و العمل بموضوعية واقعية فاهمة و عالمة و عارفة بغيب هذه النظريات.
وهذا الفهم طي النسيان و في زوايا بعيدة عن التأثير و صناعة الرأي العام فأصبحت الجريدة و المذياع و أخيرا التلفاز و الكمبيوتر و الانترنت هما قنوات التبليغ للعولمة الوضعية و هذه هي حصرا قنوات حركة الخبر و المعلومة .
و أصبحت الأبحاث و نظريات علم الحياة و الفسلجة و الكيمياء و الفيزياء و الآراء الاجتماعية و الفلسفية هي إعادة و ترديد للنظريات الوضعية و تكثيف لإنجازاتها حتى أصبح لدينا جمهورا من الطلاب و دارسي العلوم و المدرسين و الأساتذة ممن يرون الفكر و النظريات الوضعية هي معين الدارسين و حجة المتحاورين و هذه الإشكالات المعرفية التي حاول السيد محمد باقر الصدر صاحب نظرية التوالد الذاتي في المعرفة و الذي إليه انتقلت ريادة المعرفة البشرية بعد أن أعاد التوازن إلى فكر الأمة و العالم من خلال كتابه ( الأسس المنطقية في الإستقراء) ومن حسن القول و نحن في صدد النماذج العملية و المواقع الحركية للشخصية النموذج أن نذكر أن السيد محمد باقر الصدر من جيل الرواد الذين يستحقون أن يذكروا في عداد مدرسة الرسالة التي قادها الرسل و الأنبياء و أشرف على إعدادها ملائكة مقربون .
فالسيد محمد باقر الصدر فيلسوف و مفكر و مرجع لم يتوقف عند صناعة الفتيا و انما أسس مدرسة لصناعة العمل الحركي و أسس فكرا رائدا و مؤسسا لمفهوم العالم و فلسفته و الإيمان بالله.
وهو يستحق بجد و عناية أن يوضع في لائحة الشرف لهذه المدرسة المميزة . ومن مصاديق تجربته المعطاءة أنه قدم نفسه فداء للإسلام و الإيمان و ذهب شهيدا على يد مجرم معقد نفسيا هو صدام .و تقدم و تقدم للشهادة بوعي و هدوء و اطمئنان مثلما تقدم اسماعيل (ع) الى المذبح بوعي وصبر و جلادة تفوق التحليل النفسي و تتجاوز معايير البحث الأخلاقي أمام الأب الذي كان أمة في الناس و هو ابراهيم (ع) الذي كان رساليا و عادلا و راعيا للحرية في أدق تفاصيلها و للأمانة في أحرج مقاييسها . حيث قال لابنه :" فانظر ماذا ترى "؟ إيقاع للحرية و للرأي و للاحترام و للمسؤولية و عدم المصادرة؟
في هذا المثال المشهد يفوح بأزكى المعايير الأخلاقية و الروحية. إنها صناعة للمفهوم الغيبي في ذات التجلي السلوكي حيث يقول اسماعيل أمام هذا الخيار المدهش :" يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني ان شاء الله من الصابرين"؟
وفي هذا المشهد يكون الحضور الغيبي جزءا من الحياة حضورا مشهودا لا ينكره الواقع و لا يتخطى عنه بأرقامه الموضوعية و هو الفداء بكبش و يكون هذا الفداء أضحية يقدمها الحجيج في كل عام..
و يظل هذا الموقف ابتلاء و بلاء في شخصية القيادة النموذج لا يمكن الحديث عنه بلغة و أرقام و حجج المدرسة الوضعية و لا يمكن إبعاد هذا المشهد من حقائق الأمور وواقع حركة الأشياء في إطار الكون المخلوق بالحكمة و العناية و الموضوع للهداية و يكاد يكون هذا المشهد اختصارا لكل المواقف العملية في حركة الشخصية القيادية النموذج على مسرح الحياة.
|