|
|
الكتابات المنشورة تعبر عن رأي اصحابها |
||
|
10 حزيران 2008 |
|
عبدالرزاق الربيعي ..كائن .. حين تهب العواصف يستحضر الحب
كتابات - بدرية الوهيبي
نظمت أسرة كتاب القصة بالنادي الثقافي احتفائية بالكتاب السردي / الشعري "مدن تئن وذكريات تغرق" للشاعر العراقي عبدالرزاق الربيعي وجاءت هذه الأمسية بما تحمله من ذكرى مؤلمة شهدتها السلطنة في يونيو العام الماضي إثر الاعصار ( جونو) الذي لم تستطع الذاكرة العمانية نسيانه وتناسيه بما حمله من ألم وخراب وخسائر وغيره ،قدمت الأمسية الإعلامية باسمة الراجحية. حيث قدم مجموعة من الشباب فيلما قصيرا مدته اثني عشرة دقيقة يتناول فيها نصوص الشاعر الربيعي و بعض الصور والمشاهد التي تركها الاعصار ، الفيلم من اخراج حميد العامري وكتب السيناريو يعقوب البوسعيدي ، كما قدم الشاعر سعيد الصقلاوي ورقة انطباعية احتفائية حول المجموعة و ذاكرة الاعصار قدمتها نيابة عنه الاعلامية باسمة الراجحي .
* روح الفوضى التي تعيد الخلق في هذه الأمسية قدم القاص عبدالعزيز الفارسي ورقة نقدية بعنوان ( قراءة في : مدن تئن ، وذكريات تغرق ) فرأها عنه سليمان المعمري ، يقول في ورقته :
"طوبى لمن دخل في التجربة !! . كم مرة يشهد الانسان في حياته إعصاراً ؟ لماذا نفرط بفرصة كهذه ؟ فرصة مجابهة خطر نادر الحدوث في بلداننا كخطر الاعصار ؟ " قال ذلك عبدالرزاق الربيعي؛ الكائن الذي أرضعته العواصف من جنونها ونزقها ، لكنه رغم ذلك لم يورق إلا حباً ينثره على كل من يعرف ، وسيظل حيّاً في القلب والذاكرة ، كما عبّر عن ذلك عدنان الصائغ حين قال له: " من أعاصير الحروب إلى أعاصير المنافي والشتات ومن أعاصير المكائد والشتائم إلى أعاصير جونوكأن قدرك يا صديقي أن تظل المطارد دائما والعصي أبدا.. أحييك.. ولن أقلق عليك، فليس لمثلك أن يموت بإعصار الطبيعة " .. ولقد أثبت هو أنه يحيا بعد العواصف بشكل أجمل ، ويخرج مضمّخاً بالرغبة والحب ، ليبتسم . ذاك لأنه عاشق كبير تسلّح بتميمته الخضراء : الحب . يخبرنا شعره بذلك : حبك تميمة خضراء من حروف وزهر أحمر أعلقها على صدر حبي
* *
حبك وقاية من العواصف التي تقتلع أشجار الغابات لتزرعها في بساتين حبي * *
حبك وصفة طبية ضد الموت الزؤام الذي لا يقاوم عنفوان حبي ولأنه جرّب عواصف الحب ، وخرج ظافراً بقلبه ، وفاقداً لمدنه ! . " أليس حبك أقوى إعصار قوّض مدني الآمنة !!؟ "
إنه الكائن الذي حين تهب العواصف يستحضر الحب : "ما الذي يجعلني اكتب عن الحب في تلك الساعات الرهيبة؟ . لا أعرف ألإنه نقيض الموت ؟, أهو التشبث بالحياة ؟ ربما ..وربما أيضا انه آخر شراع لنا نلجأ إليه عندما تهب العاصفة " . إذن فالحب هو النهاية ، والحب كان البداية .. فكل المشاهد التي مزجها في هذا العمل الجميل تبتدئ بصورٍ شعرية مختلفة للحب ، واستحضار لكل طبقاته ومستوياته. الحب فن عند عبدالرزاق الربيعي يواجه به الظلام والوحشة .. الحب يفضي عنده إلى الحياة والشعر . يقول : " وإزاء الشعور بالعزلة والوحشة والظلام الذي لم يبدده سوى ضوء شمعة صغيرة عثرت عليها زوجتي كانت قد خبأتها لمناسبة سعيدة كتبت : على الطاولة شمعة تضيء اتجاه الحب تحت الطاولة عشرات الأرجل تهرول باتجاه الرغبة " ويكتب في موضع آخر : "عندما هب الاعصار رأيت السماء تنحني ورؤوس الأشجار تعانق الجذور الموت يزحف على النوافذ يشير لنا بالأصابع محييا تارة ومتوعدا .. العيون تجحظ وأنا... أحبك" إن كائناً كهذا لابد أن يخوض التجربة بوعي جديد كل مرة ، رغم كل الاعتياد الذي يصفه ، ذاك لأنه محارب شجاع .. اعتاد على الكوارث : "نحن العرافيين اعتدنا على الكوارث وإعصار كهذا هو بمثابة طبق (سلطة) إزاء كوارث عشناها وأردد: مرت عليّ مصائب لو أنها مرت على الأيام صرن لياليا " وقلبه ممتلئ لآخره بالعواصف الصديقة والعداوة ! . " لا تخافي فقلبي مترع بالعواصف منذ أن طوقته ب(طوق الحمامة )" ولقد خرج من حروب كثيرة ..و"من يخرج من موت الحروب ...تحفظه الآلهات من موت الحياة " كما أخبرنا حسن دعبل . هذا الكائن كتب عملاً جميلاً يجذبك إليه بقوّة ، وينقلك عبر ذاكرته الحية إلى مشاعر مختلفة . ذاك لأن ذاكرة المحارب لم تواجه الطبيعة سابقاً بقدر ما واجهت البشر وانتكاساتهم التي تطمح للحروب الآثمة .. مواجهاته مع الطبيعة كانت باردة في مرتين انتظر فيهما فيضاناً ولم يأت ، وكان عاشقاً للطبيعة مؤمناً بكل وداعتها : "سوى هاتين المواجهتين الباردتين مع الطبيعة لم أشهد شيئا لذا لم أتخيل أن الطبيعة الحانية على أبنائها يمكن لها أن تغضب بهذا الشكل المدمر وتحدث كل الخراب الذي أحدثته في شوارع مسقط الجميلة النظيفة التي بدت صبيحة اليوم التالي من هبوب الإعصار كأنها مدينة مهجورة فأشجارها السامقة التي كانت تحف بالشوارع سقطت مجندلة على الأرصفة وانهارت بعض الشوارع الإسفلتية وكسر تيار الماء العنيف الجاري من الأودية مئات المحلات وسحب محتوياتها ليرميها على الأرصفة وارتفعت تلال الأطيان لتصل إلى سقوف هذه المحلات التي وصل الماء فيها إلى الطابق الثاني " .. ويقول : " وأنا أرى آثاره الآثمة لم اصدق انه يمكن أن يكون بهذه القسوة وان الطبيعة يمكن لها ان تتحول برمشة عين من أم حانية على أبنائها إلى وحش كاسر ينشب أنيابه في جسد الجمال بكل شراهة وقسوة وبرودة دم. " وهذه المفاجأة الصادمة جعلته يكتب بصدق عملاً يحرك القلب .. عمل يمر بك عبر جنات العشاق ، ويقود خطاك في متاهات الذكرى واستحضار الطفولة ، وحروبه السابقة ، ويحملك عبر الكوميديا السوداء إلى مناطق خصبة من التناقضات البشرية التي تخاف الشيء وتشتهيه ." كنت مستمتعا بانشغال الناس بهذا الحدث القادم وتحضيراتهم له من باب أن الناس نسوا في زحمة هذا الانشغال بالحدث الجلل همومهم اليومية الصغيرة التي كانت تتركز حول التسابق باقتناء المواد الاستهلاكية من المعارض او مشاكل خادمات المنازل أو في أحسن الأحوال الحديث عن إجازة الصيف وأين يمكن لهم ان يقضوها!!. إنه عمل محمّل بالأساطير التي ألفناها ، وهي تعود في سياق جديد ، تختلط بالفجيعة وتجذبنا إليها في دهشة لا يصنعها إلا شاعر . إنه يتعامل مع الحزن بنديّة تستحق التقدير نقرأ له قوله : يقول دانتي " لا حزن أعظم من تذكر لحظات كنا فيها سعداء " استثقلت هذا الحزن رغم أن مارسيل بروست قال "الحزن يطور العقل " فهل جاء الاعصار بكل هذا الحزن ليطور العقول ؟ حالة الأعمار السريعة التي شهدناها في السلطنة تؤكد أن المصائب والمحن تطور قدرات الإنسان الذاتية كثيرا ومنها عقله !! قالت إحداهن " شغلنا الإعصار عن همومنا الأنثوية التي لا تنتهي !!" .. وقد برهن أن الإعصار طوّر ذائقته الفنية ، فرأيناه يقول : "لماذا لم يفكر نحات بأخذ عينات من هذا الطين لإقامة معرض تكون خامته تقتصر على طين الإعصار ؟ "
إنه عمل يستحق التقدير ، ذاك لأنه يستحضر كل المدن التي تئن داخل عبدالرزاق ، ويسجّل كل ذكرياته التي غرقت في المحنة ،ولكنها ولدت من جديد في صورة أبهى .. فنراه في نهاية المطاف يستحضر الجمال بعذوبة الطفولة :
* المبدع في مواجهة غضب الطبيعة وفي الكلمة التي قرأها محمد الراشدي نيابة عن مخرج فيلم " مدن تئن وذكريات تغرق " حميد العامري الذي جاءت في ذاكرته : (.. من ضمن الأخبار الثقافية التي نتابعها في تلك الأيام ، كانت نصوص الشاعر عبدا لرزاق الربيعي التي أرسلها للأخ يعقوب البوسعيدي ، كانت نصوصا تحمل كمية من الوجع الممزوج بالمشاعر الحقيقية نحو معاناة مبدع مع غضب الطبيعة ، معاناة من الواقع بحيث تواصلت في قراءتها كلما تصفحت بريدي الالكتروني . العودة لمسقط ، في أول حضور لنا بالجمعية العمانية للسينما بعد العودة من مصر ، سمعنا من حديث جانبي أن هناك مشاركات متعددة لفعالية الأفلام التي سجلت عن الإعصار المناخية ، وبدأت نفس الأمنية التي أبحث عنها وهي المساهمة في تقديم ما يمكننا أن نقدمه لمسقط الحبيبة تدور في مخيلة يعقوب البوسعيدي ، كانت المفاجأة التي عرضها يعقوب البوسعيدي هي فكرة الاشتغال على نصوص الشاعر عبدا لرزاق الربيعي ، هنا بدأت المسؤولية الحقيقية أمامنا هدف سامي وهو مسقط و ما يجب أن تستحقه ، كذلك أمامنا نص إبداعي لشاعر ، لن نغفر لأنفسنا إذا لم نتعامل بتلك المشاعر الإبداعية لدى صاحبها . في البداية كان لابد من لقاء الشاعر وتوضيح كل الوجهات وهي إننا نتعامل أول مرة مع الأفلام ، أول مرة مع النصوص ، أول مرة من أجهزة المونتاج ، وليس لدينا المادة و الأدوات التي هي أساس النجاح لكل عمل فني ، كانت المفاجأة الأعظم أن ثقة الشاعر في طموحنا أكبر مما كنا نتخيل . بعد الضوء الأخضر الذي منحنا إياه الشاعر بدأنا نواجه المعاناة الحقيقية التي يواجهها العاملون في المجال الفني (( المادة، المواعيد، الوقت، الأجهزة، الفنيون )) بدأت ملامح الخطط تضيع من بين أيدينا، لنعود لنخطها من جديد. قمنا بالعمل بالإمكانيات التي لدينا، والتي قدمها لنا الأصدقاء من مقاطع مصورة من واقع الإعصار، قمنا بتصوير بعض المقاطع، وقام أبنائي بعملية المونتاج. شاركت كل أسرتي في تقديم هذا العمل بحيث كان الجميع يحفظ أبيات الشاعر و طريقة إلقائه الرائعة و التي كانت ممزوجة بالحزن لمسقط و لأحاسيسه الشاعرية التي كان يفيض بها في نصوصه الابداعيه . وأخيرا نقدم هذا العمل بما يحمل من سلبيات و ايجابيات ، فلم نقدم في هذا العمل إلا الاجتهاد الذي استطعنا القيام به نحو تقديم ما نراه أفضل . أخيرا أقدم شكري للشاعر عبدا لرزاق الربيعي على الثقة التي منحنا إياها ، و ليعقوب البوسعيدي على إصراره لنجاح العمل ، ولأبنائي ( ورد و سعيد ) اللذين قاما بعملية المونتاج ، واستفادا من ذلك كثيرا ، و لكل الأصدقاء المساهمين في العمل / محمد الراشدي و سيف الكندي و إبراهيم العامري و محمد الحسني .
• يولد الابداع من رحم المعاناة
أما كاتب السيناريو يعقوب ألبوسعيدي فيقول عن تجربته في هذا العمل الانساني والوطني : ( ذلك الإبداع الذي مثل نقلا ً للتجربة القاسية التي عاشها المبدع في خضم العاصفة التي كانت قاسية ومن قسوتها أشعلت بداخله شرارة الإبداع التي جادت عليه بالشعر والنثر في آن واحد وكلاهما اجتمعا بين دفتي إصدار واحد " مدن ٌ تئن وذكريات ٌ تغرق " الذي احتوى تفاصيل اللحظات الصعبة بأدق تفاصيلها وبجميع أبطالها وبطلاتها من أناس ٍ ومن مدن عانت الأمرين ومن ذكريات غرقت تحت ركام الأنقاض ولكنها ستظل حية ً في أذهاننا ... ومَثل هذا الإصدار الأدبي توثيقا للحدث الأليم وشهادة جد صادقة من المبدع ستظل خالدة في أذهان من عاشوا الحدث ..وبما أن تجربة كمثل تجربة شاعرنا المبدع / عبد الرزاق الربيعي لن تتكرر في كل يوم باغتتني الفكرة على حين غرة رفقة صديقي العزيز / حميد العامري ..لماذا لا نحول الفكرة إلى فيلم ٍ تسجيلي قصير ؟ المهمة قد تكون صعبة ولكنها ستكون ممتعة بالتأكيد.. وبعد محاولات ٍ عدة وبتعاون فريق العمل خرج الفيلم إلى النور ممثلا ً منجزا ً إبداعيا ً قد يكون قصيرا ً في مدته وفي جودة تصويره ومونتاجه ولكن قيمته الحقيقية تكمن في أنه احتوى تجربة صادقة اشتد فيها الصراع بين الموت والحياة بين النهاية والبقاء بين المقاومة والاستسلام ...كما أنه مثل محاولة ً بسيطة للمزج بين الكلمة الشعرية المؤثرة والموسيقى الحالمة والصور المعبرة التي التقت في نقطة إلتقاء ٍ واحدة حيث مثلت المعاناة البطلة الحقيقية في تراجيديا حزينة حتى النخاع ورغم الحزن الذي يعتريها ولكنه أي الحزن مثل محطة عبور إلى ما بعد العاصفة التي جاءت من بعيد لتبعثر الأوراق أوراق الحياة وأوراق المبدع الذي أعاد لملمتها بعد رحيل العاصفة لتعود الابتسامة لترتسم من جديد على شفاه المدن التي عانت وتألمت وعلى شفاه الناس الذين سيروون تفاصيل ما كان للأجيال القادمة عديد المرات والمرات متذكرين تاريخ السابع من يونيو جيدا ً ..ذلك يوم ٌ بكت فيه المدن وغرقت فيه الذكريات ..(. --------------------
جريدة الزمن /الاثنين 9 يونيو 2008
|