الصفحة الرئيسية

كلمة كتابات

الكتابات المنشورة  تعبر عن رأي اصحابها

زوايـــــا

دراسات

 kitabat@kitabat.com <<<  webmaster@kitabat.com

الارشيف

كتب

8  حزيران  2008

ابحث في كتابات

 

السَّرْدُ والسُّخْرِيَةُ مرويات المجالس البغدادية الحديثة **

 

كتابات - ناظم عودة

 

ــ 1 ــ

صدقوني ، لا أعرف ما الذي حدث بالضبط ، لكني بعد أن كرعت كأس الجن التاسع ، شعرت بورطة حقيقية ، فالثيمة قد تشظت مثل زجاج مركبة حنين ، والقصة شيّدت على كثير من الثقوب والانفتاحات .

 

ــ 2 ــ

حكواتي الحانة وقصخونها ماضٍ في تفقيس الطرائف وقصار القصص على موائد كائنات الليل .

 

ــ 3 ــ

أنا بائع الكلام المستجاب والتمائم والأحجيات والأدعية . حلقتي لا تنفرط وصحابي لا يحزنون .

 

ــ علي السوداني  ــ

 

ــ 1 ــ

توطئة

 

عندما نجاور بين السرد والسخرية في عنوان هذه الدراسة ، فإننا نجاور بين ضرب من السلوك الإنساني القائم على الفكاهة والسخرية ، وآلة الجنس الأدبي القائمة على تخيل السرد بالمحاكاة التي تنتخب اللغة والأسلوب ووجهة النظر في سرد

 الوقائع . وحينما نوسع دائرة الافتراض ، يمكن أن نجاور بين الأدب ( السرد ) والحياة ( موضوعة السخرية ) . هذان الزوجان المثيران للجدل والصراع ، كيف يتجاوران ؟ وكيف يتحاوران ؟ . لا ريب في أنّ السرد آلة القصّ التي يرمي السارد من خلالها إلى إيجاد طريقة مؤثرة في جعل المعنى ( لائطاً بقلوب المستمعين ) ، بحسب العبارة العربية القديمة ، التي تلخص غاية استعمال الوسائل الجمالية في الأدب . فالسرد ، إذن ، وسيلة من وسائل الأدب الجمالية ، وكثيراً ما كانت ( الحياة ) ــ التي هي الوسط الذي يحيا فيه أولئك المستمعون الذين وصفت العبارة العربية الآنفة طريقة استقبالهم للمعنى المصوغ صوغاً جمالياً ــ تُعدّل من طبيعة البناء السرديّ لكي يظفر القارئ ، وهو أهم كائنات الحياة ، بالغاية الحقيقية التي يهدف إليها العمل الأدبي . إنّ السخرية ، التي هي ظاهرة اجتماعية في المقام الأول ، يصفها روبرت شولز "1 "  بأنها طريقة للخلاص من الرقابة ، وهي تتخلص في الوقت نفسه أيضاً من رقابة القواعد المعيارية للأدب . وهكذا تصبح المسألة صراعاً دائماً بين مقتضيات الأدب ومقتضيات الحياة ، إذْ اتخذ

 

 هذا الصراع أشكالاً لا حصر لها من أشكال الموازنة بين لغة الأدب ولغة الحياة أو التواصل ، وبين معنى الأدب المخيل ومعنى الحياة المباشر ، وبين أسلوب الأدب المرمّز وأسلوب الحياة الطبيعي ، وإلى ما هنالك من ثنائيات متعارضة .

بيد أنّ الغاية النهائية للأدب تظل باستمرار هي فهم الطابع الإشكالي للحياة ومحاولة تصوير هذه الإشكالية بوسيلة لغوية تختلف عن وسائل الحياة اللغوية . وطبقاً لذلك فإنّ الوظيفة الأساسية للأدب تمحورت حول الكيفية التي يتمّ بها تصوير العالم الباطني لمخلوقات هذه الحياة ، أو العالم الغُفل المهمش والمنسيّ منها .

إنّ هذه الحكايات ــ التي لم تقف دراستي عندها وحدها بل تعدّتْها إلى حكايات علي السوداني الأخرى المنشورة في مجموعاته

السابقة ــ ليست سوى نزاع ناشئ بين الأدب مُمّثَّلاً بهذه الحكايات، والحياة ممثلة بمجالسها كالحانة والمقهى والعائلة ، وما ينتج عن هذا النزاع من تصوير لشخوصٍ هم مادة هذه الحياة . لكنه في هذه المجموعة من الحكايات التي نقدم لها هذه الدراسة يخصص الكلام للحانة وحدها ، فكأنّ هذه الحكايات القصيرة جداً التي تقارب البوح الذاتي ، تريد أنْ تشكّل نصّاً واحداً لـ( مجلس الحانة ) ؛ نصّاً فيه كثير من طبيعة الشعر ، ولغته المختزلة، وصوره التخيلية .

 

ــ 2 ــ

الراوي المجلسي

 

أربع مجموعات قصصية أصدرها القاص العراقي علي السوداني ، كان يغلب عليها طابع السرد المصوِّر والمثير للضحك معاً . في العام 1993 صدرت في بغداد مجموعته القصصية الأولى ( المدفن المائي ) وهي المجموعة التي أعادت دار نشر أزمنة في عمان طبعها ثانية . وعلى الرغم من أنها لم تتخلص آنذاك تماماً من بعض التقاليد الثقيلة للقصّ ، ذات الإيقاع البطيء ، المشدودة إلى التفاصيل الوصفية المملة للمشهد إلا أنها كانت تبشر بميلاد اسلوب جديد في القصة العراقية التي غالبا مت كانت تنتخب موضوعات جادة ، موضوعات يجللها المشهد الاجتماعي المتأزم بجلاله . وهي إذ تدخل أنفها في هذا المشهد فإنها تريد أن تخلق لنفسها لغة جادة ومتأزمة ، فضلاً عن أنها لغة منتزعة من المعجم القصصي الخاص بالقصة العراقية . وإضافة إلى ذلك كله ، فهي تصف المشهد وصفاً رمزياً ؛ وأعني بالرمزية هنا انتخاب اللغة التي تنمى إلى الإرث النوعي للقصة ، وانتخاب الموضوعة المتخيلة بكل تفاصيلها انتخاباً يصنع مسافة جمالية بين ما هو واقعي وحقيقي ، وما هو متخيل وجمالي . ويخيل لي أنّ القصة العراقية كانت تخضع لمؤثر أساسيّ هو الذي يحدد الشكل وطبيعة السرد ، ويوجه كذلك الموضوع وجهة معينة، ذلك هو مؤثر المرجعية الفكرية . فالتيارات الفكرية كانت تتمثل على نحو عقائدي في مضمون القصّ ، وعلى هذا الأساس صرنا نقرأ أفكاراً أو التزامات فكرية من نمط معين مجسدة في عمل قصصي . ويعني ذلك أن عنصر الثقافة كان يتحكم في الكيفيات التي تكون عليها الأعمال الأدبية ، ولا يقلل هذا من القيمة الجمالية لتلك الأعمال ، لكنه يعمل على تنميط الرؤية ، وربما تنميط الشكل أيضاً . كما يتمثل في قصص نزار عباس فهي تحاكي المعاني الوجودية ولا تستطيع أن تتملص من الأشكال الوجودية في القصّ أيضاً . ولا يُعنى علي السوداني ، القاص الذي ينمى إلى جيل آخر في القصة العراقية نشأ في الثمانينيات ، بذلك المؤثر أو الوجّه الفني ، فهو ينتخب القصة من مشاهدات عينية حقيقية ، كأنه راوٍ من الرواة القدامى الذين يحضرون المجالس فيدونون المرويات بالطريقة التي حدثت بها فعلاً. لكنّ التدوين في هذه المرة ، يضمّن شخص الراوي بعينه في خطاب السرد ، فالقارئ يلحظ من آنٍ لآخر ذات الراوي ، واصفةً أو مساهمةً بالحدث أو ساخرةً أو مشاكسةً ، فالحكايات التي يؤلفها علي السوداني تصاحبها شخصية تشاكس وتثير السخرية والتهكم ، غالباً ما تكون هذه الشخصية هي شخصية علي السوداني نفسه ، إذْ يرد الاسم بعينه ، كما في حكاية زغب خدران ، على سبيل المثال لا الحصر . فبنية السخرية في هذه الحكايات بنية قائمة على التعارض بين نمطين من أنماط الشخصية : الشخصية الثانوية والشخصية الرئيسة أو المحورية ، فالشخصية الأولى محط التهكم والسخرية ، والشخصية الثانية هي الواصفة والساخرة . الشخصية الاولى مسلوبة اللغة والثانية هي مركز اللغة والقيم ، فمن خلال تلك الطريقة في السرد الساخر يتمّ نقد طبقة من طبقات المجتمع ، ويتولى علي السوداني نقد السلوك الثقافي لطبقة المثقفين باستمرار . ويذكرنا ذلك بما كان يفعله أبو نواس ، إذ كان يجوب الحانات ، ويصف ما فيها ، الندماء والخمرة والساقي ، ولم يكتف بذلك ، بل يتأمل ويقارن بين ضربين من ضروب الثقافة الأدبية السائدة في عصره : الضرب الأول الذي يعبر عن وعيه بالأشياء وعن إحساسه بها برؤية تاريخية ، كالشعراء الطلليين الذين عاشوا في زمن أبي نواس واتخذوا الماضي رمزاً لحنين ينشأ في الحاضر . وأبو نواس كان يعي تلك الفجوة الروحية التي تفصل الشاعر في القرن الثاني الهجري عن موضوعه ، لذلك فهو ينتقد هذا الحنين الزائف انتقاداً ساخراً . والضرب الآخر يقوده أبو نواس نفسه ، ويتمرد على تلك الفجوة التي كُرِّسَتْ عُرفاً من أعراف الشعر المحافظ على الأصول التقليدية للشعر العربي ، التي اصطلح عليها نقاد الشعر القدامى

بـ " عمود الشعر " . فهو يريد أن يبتدع لغة واقعية وموضوعات واقعية أيضاً ، أكثر اقتراباً من الروح ، فالنبذ الذي يهتدي به أبو نواس هو نبذ قويّ لكل ما هو مثاليّ ورمزيّ ، الطلل رمز مثاليّ زائف لديه . نظير ما يعتقد به علي السوداني بأنّ القصة لابد أن تكون حكاية حقيقية مضمنة وجهة نظر مخصوصة ، ولذلك تراه يقول في أوّل حكاية تمثال 2  : " تلك حكاية حقيقية " . تحاول حكايته أنْ تتخلص من رقابة الرمز الموروث لجنس القصة ، الذي يقتل الإبداع فيها . وكما أنّ الراوي عند علي السوداني لا تذهب الخمرة بعقله تماماً ، إذْ يملك القدرة اللغوية على الرواية والوصف والتدوين، فإنّ أبا نواس أيضاً لا تذهب الخمرة بعقله تماماً ، إذْ يملك القدرة اللغوية على النقد والتهكم والسخرية اللاذعة . وثمة مفارقة من نوع ما بين النزوع الفني بين أبي نواس وعلي السوداني ، فالأول ينظم الشعر ( المحدث ) الذي لا يتقيد بالأعراف الموروثة ، ويهزأ من بعض أشكال الشعر العربي القديم ، ينظم معظم قصائده بلغة متداولة ، قريبة من الفهم الشعبي ، وتتضمن كثيراً من عناصر الأدب المكشوف . وينزع علي السوداني هذا المنزع أيضاً:

[ الشحاذة الغجرية التي تطحن مؤخرتها فوق أحضان السكرانين بعد الكأس السابع ... حكاية : نادل ] ، إذ يقصّ حكاياته بطريقة ليست بينها وبين قواعد القصّ الموروثة كبير علاقة . فهو يضمّن تعبيراته ألفاظاً شعبية ، وكلمات سوقية فيها كثير من العهر والتهتك والمجون ، ويكثر فيها أيضاً الوصف المثير للاشمئزاز كالضراط والفسو والخراء والمراحيض والدم الفاسد والدورة الشهرية وما شاكل ذلك . ويستخدم أسماء حقيقية ، وأماكن حقيقية ، ووقائع حقيقية ، لكنه يؤلف بين تلك الحكايات أحياناً ، أو يوجهها ناحيةً يقصدها .

 

ــ 3 ــ

السرد الحكائي

 

ما يكتبه علي السوداني لا يمكن أن يدخل في باب الكتابة القصصية بالمفهوم المتعارف عليه في فن القصّ ، ويرجع عدم الإمكان ذلك إلى طائفة من الأسباب :

1.            إنّ السارد للأحداث والمشترك فيها هو القاصّ نفسه ، أي علي السوداني بشحمه ولحمه ، دونما مواربة ، وهو يعلم بذلك ويرتضي به ، ويكرس كلّ شيء من أدوات الفن التي ينتقي بعضها ويَسْخَر من البعض الآخر ليؤلف حكاياته .

2.            إنّ معظم الأحداث التي يرويها هي أحداث حقيقية غير متخيلة ، تُسند إلى شخوص حقيقيين ، يعرفهم هو ، وأعرف معظمهم أنا ، ويعرف معظمهم القارئ أيضاً ، فثمة قائمة طويلة تتضمن أسماء لمثقفين عراقيين وعرب وأجانب يحضرون باستمرار على هيأة شخوص تُسند إليهم مهمات في داخل الحكاية . وهكذا تضمنت حكاياته عدداً كبيراً من أصدقائه ومعارفه المثقفين ، راوياً ما تيسر من سيرهم الشخصية بطريقة تُحرف الأصل وتتلاعب به باستمرار .

3.            لا تتقيد القصة التي يؤلفها علي السوداني بالشكل المعياري ذي الأعراف المتوارثة في فن القصّ ، فهي تتشكل على وفق ثلاثة أنماط :

النمط الحكائي ، فهي ذاكرة عامة تجمع المتناقض والمنسجم من الأحداث ، وتصف وتدون كما المؤرخ ، ولكن بإسناد وظيفة جديدة للتاريخ ؛ تؤرخ للعام من خلال الخاص ، وتعطي للخاص قدرة البوح الدرامي الخالي من تزويقات التخيل الموروثة ومن زركشات المعنى المزيّف ، ولذلك فقد عبّرت كثير من حكاياته عن وجهة نظر حقيقية من الحرب ، هي الخوف من الموت :

      العريف يصيح وأنا معاند كالبغل

       ـــ تحرك يا جبان يا رعديد ، يا ابن من لا صامت ولا صلّت ،

       ـــ ادخل الخيمة ربما تجد هذه المرة أختك

      أنا بغل أصيل ، لا أتحرك حتى لو ( نيكت ) كل عشيرتي  . ص36

أوراق مستلة / مجموعة الرجل النازل .

ولذلك فإنّ حكايات علي السوداني مكتوبة بلغة فيها مجازات غريبة وجديدة ، وغير مألوفة في الأساليب البلاغية للسرد القصصي ، التي شاعت في الأدب العراقي الحديث [ شال المعلم اللحاف عن نبوءته وقال ... ص 104 / باعة المشاوي يشمون رائحة الثلج فيشوهون ما تبقى من شرف اللحم البلدي ... ص 73 / حبات البخور الهندي تأكل بعضها البعض ... ص 87 ] 2 وبمقتضى هذا التشكل الأسلوبي ، فإنّ علي السوداني لا يكتب قصة وإنما حكاية ، يتقمص دور الحكواتي بدراية ، فهو بين الفينة والفينة يربط بين الحكايات من خلال محادثة مع القارئ ، لأنّ ذاكرة هذا القارئ مؤثثة بالفحوى وبالنمو المنطقي للأحداث القصصية التي اعتاد على قراءتها وانتظار الأفق الذي تتشكل به تفاصيلها وأفعالها ، فكأنه يشعر بحرج القارئ في هذه المسألة فيسعى إلى التنويه :

[ حان الآن حسب توقيتاتي أوان عودتكم إلى رحم الثيمة ...      

ص 71 / أعدكم بشرفي أن أرجع ثانية لإكمال جميع النواقص وترميم المتون والهوامش والإضاءات حتى منتهى الفيلم ومبتدأ المدينة .... ص 83 / السطور عتبات والنصّ سلالم والمفردات ألغام تعيق الرجوع ، هناك قبل عشرة سطور تحديداً ثمة ... ص 7 ] 3 .

النمط التجريبي ، فالقصة تتهندس كالمكان ، فيها استثمار للشعر ، مقتبس من عبد الأمير جرص أو من عبد الخالق كيطان أو من حسين علي يونس أو من شعراء آخرين ، وفيها استثمار للأرقام وللبياض وللفقرات الجميلة . فهذه الحكايات تكشف عن رغبة في الخلوص من قيود القصّ الموروثة .

النمط الحقيقي ، سارد حقيقي وأسماء حقيقية وأماكن حقيقية وشواهد حقيقية . لكن ثمة احتيال في طريقة القصّ ، وعنصر الكذب هو الذي يطبع السرد بطابعه ، فكأنّ الراوي المعاصر في هذه الحكايات يناظر الكذابين من الرواة القدامى ، الذين ملأوا الكتب بمرويات كاذبة مثيرة للجدل ، لكنها مشوقة بالمقياس الفني للحكاية .

 

ــ 4 ــ

الحكاية المجلسية

 

ذهب اللغويون العرب إلى أنّ ( المجلس ) يعني تارة : المكان ، ويعني تارة أخرى ( جماعة المجلس ) ، ويتكون المعنى النهائي منهما معاً، إذْ يعملان على الإثارة التي يتطلبها العمل الحكائي عادة . وتستثمر الحكايات التي يكتبها علي السوداني عنصر التشويق الذي يتوفر عليه الحكي المجلسي ، ولذلك تفرعت حكاياته المجلسية إلى ثلاثة تفريعات :

حكايات ( مجلس الحانة ) وحكايات ( مجلس المقهى ) وحكايات ( مجلس العائلة ) . وسوف تُعنى حكايات هذه المجموعة بتصوير أحوال ( مجلس الحانة ) حصراً ، ومن خلال تلك الصور سنعرف بعضاً من شرائع الحانات ، وأخلاق روادها ، والسلوك الغريب لبعضهم ، وبعض المفارقات التي تحوط بعض جلساتها ، والخصومة التي تندلع بين الفينة والأخرى بين الندل والرواد . إنّ هذه الحكايات المجلسية ، التي أتقن علي السوداني صنعتها عبر مجموعاته السابقة ، تغرينا بالمقارنة بين المجالس القديمة والمجالس الحديثة التي تدور فيها الأحداث المكثفة لهذه الحكايات . لقد كان ( المجلس ) ــ عبر المرويات العربية التي وصلتنا ــ يحظى بغزارة الأحداث المقترنة به ، وبغزارة المضامين ، وبغزارة التصنيفات أيضاً. فثمة مجالس للعلم كمجالس ثعلب ، ومجالس الشريف المرتضى ، ومجالس أبي عليّ القالي ، فهذه المجالس يضبطها ضابط الإصغاء والتملية والمسافة الفاصلة بين أستاذ المجلس والجلاس بقراطيسهم ويراعهم ودواتهم . وثمة مجالس للأنس يعقدها الخلفاء والوزراء والأمراء كمجلس الوزير ابن سعدان وزير صمصام الدولة الذي كان يحضره الشاعر الماجن بن الحجاج وأبو حيان التوحيدي ، أو مجلس الوزير المهلبيّ الذي عُرفت فيه أصول الحكاية المجلسية وتقاليدها ، كما يدون ذلك أبو منصور الثعالبيّ في كتابه يتيمة الدهر 4 . ويبدو أنّ الحياة البدوية أو المحاذية لها أو الحياة البدائية تزدهر فيها المجالس ، لأنّ الأواصر الاجتماعية قوية ، وروابط القربى والدم تصنف تلك المجتمعات إلى قبائل ، يتزعمها زعيم تجتمع حوله كلمة القبيلة ، فهوة رمز السيادة والقوة ، وتحتاج السيادة إلى مجلس ، ويحتاج المجلس إلى خطاب لغوي ؛ يشرعّ ، ويفسر ، ويثير الحمية ، ويهذب الإحساس الروحي ، وينمي القدرات العقلية على التحليل والاستنباط . هكذا نشأ المجلس صرحاً للسيادة والثقافة ، ويدون العرب في مروياتهم أنّ القصّ نشأ أصلاً في المجلس ، إذ كان الوعظ الديني في مجالس البصرة يكوّنّ أولى قواعد السرد العربي الجديد بعد التغيرات في البنية الاجتماعية والثقافية والسياسية على أثر ظهور الإسلام واتساع دائرة الانتماء إليه . كان الماورديّ والنظّام والأسواري يشكلون حلقات مجلسية في الجوامع ليوفّقوا بين الحكاية والموعظة أحسن توفيق ، وقد أعجب الجاحظ من القدامى وعبد الفتاح كليطو من المعاصرين بالقدرة  البارعة للأسواريّ في تصريف حكاياته 5 . إنّ المشابهة بين تلك المجالس القديمة والمجالس الحديثة تكمن في أنهما مجالان ينشأ فيهما الحكي ، وتنوع الخطاب اللغوي ، وتنوع أمزجة التلقي ، وتنوع طرائق السرد وتبدله باستمرار ، ليتضمن الخطاب الحكائي قدرة التأثير على تنوع الأذواق التي تقعد في المجلس لتتلقى الحكاية ومضمونها . وثمة صفة مشتركة بين المجلسين ، القديم والحديث ، هي صفة اللغط والنفاق الثقافي والاجتماعي والسخرية والتهكم ووجود شخص يملك وحده القدرة اللغوية على تصريف شؤون المجلس الوعظية والترفيهية ، فهو يتصف بمهارة لغوية يستخدمها في إنتاج استعاراته الغريبة وكناياته وملحه ، ويستغل عنصر المفارقة اللغوية التي تنتج معنيين فيهما تورية تنشرح لها نفس المتلقي وتطيب . هكذا كان أبو القاسم البغدادي الرجل المجلسيّ الداهية في قدرته على محاكاة الأصوات والسلوكيات ، وقدرته اللغوية الفائقة في التنقل بين موضوعات شتى ، من موضوعات دينية متزمتة إلى موضوعات ماجنة معربدة وبذيئة . وهكذا هو حال راوي حكايات علي السوداني ، البذيء الماجن العربيد [ أشعل سيكارة مُعَلّمَة بنقطة حمراء ، وبلّل مرشحها بلعابه ثم قربّها من فمي المفتوح كفرج هاوية ، في النَفَس الأول ، كان السجن ما يزال سجناً ، في النَفَس الثاني كانت يده تعبث في مكان ما من جسدي الطائر ، في الثالث ، كانت شهوتي قد عرفت طريقها إلى نقرة الزعيم ، في الرابع ، استللت سيف شهوتي المتوتّر من ظلمة الغمد ، وطششت حيامني ، كل حيمن عرّش على رأس . كرنفال من الصراخ ، هاجت معه دودة الزعيم ، ترجّل من عرشه وأمرني بالحلول محله ، ثم فتح فمه وقبض على رأس السيف وبدأ فصل الحركة .. ص 34،35 أوراق مستلة / الرجل النازل ] .

قديماً كان المجلس هو الجامع ودار الإمارة ودار القبيلة وبعض الدور الخاصة والحانة ، أما في العصر الحديث فإنّ المقهى والحانة ودار العائلة وبعض الصالونات الثقافية وأماكن الدراسة والنوادي المهنية هي الوجوه الجديدة للمجلس . فما المجلس إذن ؟

فسّر اللغويون العرب المجلس ، كما أسلفنا ، بـ : المكان أو موضع الجلوس ، كما أشار ابن منظور مؤلف لسان العرب ، ويعني مرة أخرى ( جماعة المجلس ) ، كما أشار إلى ذلك عالم اللغة( اللحياني ) ، ويتكون المعنى النهائي منهما معاً ؛ أي الموضع والجماعة ، إذْ يعملان على الإثارة التي يتطلبها العمل الحكائي عادة .  وعلى هذا الأساس نشأت ( المقامة ) ، تلك الحكاية المتطورة عن الحكاية المجلسية في أطوارها الأولى ، فالأصل اللغوي للمقامة هو ( المجلس ) ، ومن هنا كان بديع الزمان الهمذانيّ يلتفت إلى ما في ذلك من إثارة كبيرة للقارئ ، فأطلق على حكاياته اسم المقامة . ويُعرِّف الباحث المغربي سعيد يقطين( المجلس ) بـأنه : فضاء جماعي متميز ، له زمانه الخاص ، وشخصياته المتميزة ، وعوالمه الخاصة ، ولكل طبقة أو جماعة ، أو فئة اجتماعية مجالسها الخاصة ، ويمكن حسب نوعية المجلس تَبيّن طبيعة الكلام والمتكلمين وعوالمهم 6 . وتستثمر الحكايات التي يكتبها علي السوداني عنصر التشويق الذي يتوفر عليه المجلس ، فهو كما أبو الفتح الاسكندراني أو أبو القاسم البغدادي يسلق ظهور شخوص مجلسه بكلمات بذيئة وماجنة ، تجعل الخزي يلاحقهم أنّى حلّوا .

 

ــ 5 ــ

المجالس العراقية العصرية

 

تقتبس حكايات علي السوداني تقنيات كثيرة من تقنيات الحكي في المجلس الشعبي الذي ينتشر في البيئة العراقية . فالثرثرة الكلامية في حكاية ( نساء ) بين النساء الرائدات تلك الحانة تشبه كثيراً ثرثرة ما يسمى بـ ( مجالس القَبول ) الخاصة بنساء الطبقات الثرية في العراق ، وهي ثرثرة تتضمن عناصر مشتركة من الرغبات والمشاكل والكلام الذي تجري عليه تعديلات كثيرة ليتفق ، ولو بالنفاق ، مع كلام النساء المجلسيات الأخريات ، إذْ العبرة تكون أحياناً في الكلام الفارغ أيضاً ، فقديماً طُلب من أحد الشعراء أن يصف مشهداً مجلسياً ، والماء يحوط بالجلاس ، فقال :

كــــــــأننا والماءُ من حــــــــــولنا

قـــــــــــــومٌ جلوسٌ حــــــــــــولهم مــــــــــاءُ

 

فلم يتعد الوصف ما كانوا عليه ، لكنه كان يشي بمعارضة ضمنية لشاعر يتبصر لا جدوى المجلس أصلاً ، فهو الراوي الذي نقل إلينا تلك اللاجدوى .

لقد تعددت المجالس العراقية العصرية بتعدد الأماكن التي كانت وعاءً لها ، وظل الاقتران قائماً بين تلك المجالس والحكايات ، وانتعشت الحكاية المجلسية في ظل النمو السكاني ، وفي ظل نمو المجالس أيضاً . إنَّ المجلس هو الذاكرة الشعبية التي تأخذ وتعطي باستمرار ؛ تأخذ حكايات جديدة لتخزنها ، وتعطي حكايات قديمة ليتم تداولها وتأويلها أو الإضافة إليها أو لإعادة تأليفها مرة أخرى . ومع الوقت ، صار المجلس ركناً أساسياً في البنية الاجتماعية العراقية ، فلكل طبقة اجتماعية مجلس أو مجالس متعددة ، تلتقي جميعها في مزية واحدة هي الحكي الذي يتم في إطار لغة أسلوبية ذات بلاغة محددة . وثمة غاية ثقافية تقف وراء كل مجلس من تلك المجالس ، تتمثل في نشر بعض الأفكار المعينة، بيد أنّ بعض المجالس لا تتبنى نشر أية فكرة معينة ، لكنها تكون فضاءً للكلام والأفكار المختلفة معاً . وهكذا تنوعت تلك المجالس :

1.            المجالس الحسينية بأنواعها الخاصة بالرجال ، أو الخاصة بالنساء ، التي تنشأ أصلاً لرثاء الحسين بن عليّ عليه السلام وآل بيته الذين قتلوا معه في الكوفة وكربلاء . وفي هذه المجالس ثمة خطاب لغوي مخصوص ؛ خطاب مأساوي تخشاه السلطة كثيراً ، لأنه مبطن بالهموم الاجتماعية التي تبيح الدعوة إلى التمرد والثورة . وقد جعلت هذه المجالس الخطاب الأدبي يكتسي بلو&