|
|
الكتابات المنشورة تعبر عن رأي اصحابها |
||
|
8 حزيران 2008 |
|
العراق والتيار القومي
كتابات - رحيم الحلي
الفكر القومي هو احد انماط التفكير البشري الذي تحركه المشاعر والعواطف البشرية المرتبطة بالغرائز الفطرية ، فالاعتزاز بالذات والانتماء هو أمر طبيعي ولكن الغلو والتطرف يعكس حالة احباط وتأزم ، وقد مرت المنطقة العربية بازمات كثيرة نتجت عن الاحتلال العثماني البغيض ، الذي تسبب في تكريس حالة من التخلف والتمزق ، الذي وصل نحو الذروة بعد اتفاقية سايكس بيكو والتقسيم الاستعماري الجديد التي قسمت المنطقة العربية إلى مناطق ودويلات نفوذ متعددة ، وزرعت دولة إسرائيل كدولة دينية عنصرية التي دشنت مرحلة الحروب الدينية والقومية ، وتأسس النظام الملكي في العراق عند بداية تشكل الدولة العراقية حاملاً شعارات الثورة العربية كأحدى مشاريع الفكر القومي ، حاملاً تحت ابطه ساطع الحصري ، احد دهاقنة الفكر القومي الرجعي ، وظهرت إشكالات الحكم الملكي في ارتباطه بالمشاريع الاستعمارية ، وحمله لبذور المذهبية التي لم يعرفها الواقع العراقي ائنذاك ، حيث بدأ ساطع الحصري بالتحريض على بعض الاوساط الشعبية واتهامها بالعمالة على خلفية انتماءها المذهبي حين بشر بالدعوة إلى تهجيرها لإيران ، وتأسست الدولة العراقية على أسس مذهبية ، ولم يستطع الفكر القومي بكل تياراته أن يتخلص من هذه النزعة ، مما تسبب في اضعاف الوحدة الوطنية وانتشر الفكر القومي في بعض المناطق الحدودية النائية المتخلفة وبتأثير وبدعم خارجي ليس منعزلاً عن المشروع الغربي والمصالح الاستعمارية ، هذه الاوساط التي حاولت أن تجعل من القومية حصان يحمل نزعاتها المذهبية المرضية ، وكان هذا التيار ينظر للوطن كجزء صغير يمكن نحره وتقديمه قربان على اقدام الامة ، لذا حمل التيار القومي في احشائه اسباب هزيمته حين نسف الأرض التي يقف عليها ، إضافة إلى تحالف زعامات التيار القومي مع المشروع الغربي في مكافحة الأفكار الثورية المدافعة عن الفقراء والمحرومين ، فوجد الإقطاع والرأسمالية البدائية في الفكر القومي كسلاح فكري بوجه الفكر الثوري الذي يجتهد للقضاء على استغلال الإنسان لأخيه الإنسان رغم تبنى بعض أطراف التيار القومي للاشتراكية كشعار من اجل سحب البساط من تحت اقدام الفكر الثوري ولتضليل الناس وخداعهم ضمن خديعة فكرية متقنة اشرف عليها دهاقنة الفكر الرأسمالي الاستعماري ، ثم تم استخدام الفكر الديني كسلاح أخر يبرر الواقع الظالم ولتكفير دعاة الفكر الثوري ، وحين وصل القوميون إلى السلطة عام 1963 بعد انقلاب دموي اطاح بزعيم وطني شعبي أحبته كل الاوساط الشعبية وعشقه الفقراء وهو الشهيد عبد الكريم قاسم ، مما تسبب في كره الناس لهم ، إضافة إلى اعتمادهم على الشقاوات وغلاط القلوب في احكام قبضتهم على السلطة وعلى الضباط من ذوي الاصول الريفية من انصاف المتعلمين ، وقد دشنوا حكمهم بالغدر والقتل والعنف المفرط مبتدئين مرحلة من العنف افضت إلى إنهاء العراق كدولة موحدة قوية ، وحين خرج صدام من السلطة كأخر الزعامات التي تبنت الفكر القومي كان العراق مجزءاً ومحتلاً ومدمراً ، وتسبب ليس في تدمير العراق وشعبه بل سدد ضرب قاضية للفكر القومي حيث تسبب في نفور الناس وكراهيته لهذا الفكر ، وهنا أرجو أن لايفهم مني كراهيتي لهذا الفكر ، فهو في حدوده الطبيعية مشاعر وعواطف بشرية ايجابية ، لكن إحدى اشكاليات التيار القومي اعتماده على العسكر والعنف واهماله للثقافة ، وقد لمسنا ضعفاً واضحاً في المقدرة الثقافية لعناصر هذا التيار، فقد إعدوا لأن يكونوا حربة في مشروع مكافحة الشيوعية ، ولااريد أن يفهم القارئ بان هذا الفكر لايملك مبررات مشروعة لوجوده ، فقد كانت دولة إسرائيل العنصرية هي إحدى مبررات وجوده ، وملابسات موقف الشيوعيين من دولة إسرائيل رغم أن الحزب الشيوعي العراقي قد أسس عصبة مكافحة الصهيونية وكان بعض مؤسسيها من اليهود العراقيين ، وحاولت القوى الرجعية أن تفهم الناس بان الشيوعيين مؤيدون لوجود دولة إسرائيل العدوانية مستغلين اعتراف الاتحاد السوفيتي المبكر بدولة إسرائيل الذي تسبب بحالة من الذهول والالتباس في اوساط الشيوعيين ، وهذا ما تسبب في انحسار شعبيتهم خاصة في الدول العربية التي تعرضت للعدوان ، حيث استغلت هذه القضية القوى الدينية والقومية في محاربة الشيوعية ضمن المشروع الاستعماري المعروف ، فقد دعمت الدول الغربية الاستعمارية القوى القومية في العراق للوصول للسلطة ، في الوقت التي تتبنى وتحمي دولة إسرائيل الدينية العنصرية وتتحالف مع بعض انظمة الحكم الرجعية التي ترعى الأفكار السلفية المتطرفة ، أن هذا التناقض الظاهري يشير إلى حقيقة الحروب الاستعمارية الدينية والقومية التي حركت مصانع السلاح الغربية كواحدة من اكبر المشاريع الرابحة ضمن النظام الرأسمالي الاستعماري العدواني . كانت إحدى معضلات التيار القومي اهماله للفقراء خاصة أبناء المدن الذين وجدوا في الزعيم عبد الكريم قاسم حلماً واملاً اضاعه القوميون ، ولم يتمكن الحكم القومي أن ينهض بالواقع الزراعي ولا في احوال الفلاحين الفقراء ، وخاض حربين مجنونتين ، وعرض العراق لحصار طويل أكل الأخضر واليابس وتسبب في حالة من الفقر لم يمر بها العراق ربما منذ عدة قرون كل ذلك تسبب في انتشار الجهل والتخلف وانحسار التعليم والثقافة ، وساعد دهاقنة الفكر الديني المتطرف من استغلال حالة الفقر والتخلف في مشروعهم الارهابي الدموي وفي تأسيس المليشيات الدينية الاجرامية التي حاولت أن تشعل نيران حرب أهلية دينية مذهبية . وفي الواقع تسبب اعتماد القوميون على العنف والاعتماد على البلطجية في وصول صدام إلى سدة السلطة ، الذي أضاع فرصة للتيار القومي في انشاء دولة وطنية ديمقراطية ناجحة ، أن خسارتهم للسلطة اقترنت ببغض الناس لهم متذكرين حجم المأسي التي عاشوها ، لذا يمكن القول أن صدام قد اضعف إلى حد كبير الفكر القومي أن لم يكن قد أماته ، دون أن ننسى أولئك القوميون الشرفاء الذين حركهم وجدانهم للدفاع عن الاوطان التي تعرضت للعدوان ، والقوميون الزاهدون المحبون للفقراء من أمثال الشهيد عبد الخالق السامرائي والشهيد عدنان الحمداني والمفكر الكبير حسن العلوي الذي قام بدور مشرف في نفض التراب عن الفكر القومي وقدمه بأبهى واجمل صورة وطنية مشرفة تستحق كل التقدير والاحترام ، هذا المفكر جعلنا نحترم الفكر القومي حين اوقفه على قدميه وعلى ارضية حب الوطن وبالضد من الفكر الديني الطائفي مهما كانت وجهته ومنطلقاته مدافعاً عن الإنسان ، وحين يدخل التاريخ معتزاً لايدخله بأعتداد الجاهلين بل يدخله واعياً متمكناً تنير دربه معرفة عالية ودراسة مستفيضة تكاد أن تستحضر التاريخ كاشفاً الحقائق مفنداً للفتن والأكاذيب المغرضة التي أرادت أن تشغل الناس وتفتنهم ، حيث قدم أجمل صورة للوطني الشجاع والقومي النبيل . وقد اعجبت التجربة النازية وعدائها لليهود بعض أطراف التيار القومي في حين أثبت التاريخ إن التجربة النازية سببت كارثة للبشرية وللشعب الالماني ذاته وتسببت في تقسيم المانيا وتدميرها ، لذا لم يكن التطرف الا تعبيراً لاحباط وممراً نحو احباطات وهزائم جديدة . وبعد تعرض العراق للاحتلال الأمريكي على خلفية نظام دموي جعل العراقيون يتجرعون السم ويتقبلون أسوأ الخيـارات مقابل نهاية مرحلة الجوع والظلم والظلام ، أرتكب التيار القومي خطيئة أخرى حين باركت بعض رموزه دخول الارهابيين القادمين من الدول العربية تحت ذريعة تحرير العراق ، ولم يحمل هؤلاء الارهابيون فكراً وطنياً تحررياً بل حملوا فكراً دينياً طائفياً متخلفاً حمل الحقد والضغينة لجزء من شعبنا يبلغ تعداده سكان خمسة دول عربية . يمكن القول أن التيار القومي لم يستطع حمل هموم المواطن العراقي ولم يقترب من معاناته وتركه يتخبط في اوجاعه يبحث عن حلول وبدائل أخرى ، وظهرت في الساحة قوى دينية متطرفة إستغلت حلة البؤس والحرمان والبطالة التي يعيشها المواطن العراقي مستعينة بالاموال التي بين يديها ، والتي حصلت على معظمها من دول إقليمية متدخلة بالشأن العراقي ، فقد حصلت هذه القوى الظلامية على فرصة ذهبية للتوسع والانتشار تحت شعارات كاذبة حيث استفادت من مرحلة الحكم الصدامي المظلمة والتي كانت نهاية مرحلة حكم التيار القومي في العراق .
|