|
|
الكتابات المنشورة تعبر عن رأي اصحابها |
||
|
8 حزيران 2008 |
|
أبحاث معرفية في ترشيد السياسة البشرية - 8 العبقرية بين الجزئية والكلية
كتابات - د.علي التميمي
في إدارة الدولة و المجتمع نحن بحاجة إلى العبقرية في الحالتين , و لكن حاجتنا في العبقرية الكلية هي الأهم و الدوم و الأبقى و الحسن . و في القرآن الكريم دلالة على ذلك :" الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه"
"يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله و قولوا قولا سديدا "
ومن سداد القول و أحسن المقالات أننا يجب أن نأخذ بالعبقرية الكلية التي تغطي مساحة واسعة من ضرورات الحياة و مساحة المسؤولية كبيرة وواسعة و شاملة , وهذه المساحة تواجهنا مفرداتها في أكثر من محطة من محطات الحياة . فنحن نحتاج المسؤولية في المعاملات اليومية و في التربية و التعليم و في الزراعة و التجارة و في الصناعة و في الحكم و في السياسة . والإخفاقات التي نواجهها اليوم في العراق في إدارة شؤون الدولة و المجتمع نابعة من فقدان ذلك الغطاء و تلك المواصفات التي تضع الأمور في نصابها . لأن هذه الحالة أي إدارة الدولة سياسيا تفرض علينا مواجهة واقع الحاجة أينما كانت وواقع الناس أينما كانوا و الملاكات و الطاقات و القابليات يجب أن تؤخذ بلحاظ هذا المفهوم.
ومن هنا ندرك أن الانجاز العبقري هو توليد للقادة و للقيادة و ان القيادة لا بد لها من ملاكات العبقرية و الذكاء و القيادة هي الأخرى تتجسد في أكثر من ميدان من الشؤون الاجتماعية الصغيرة مثل الأسرة و المدرسة و مرافق المجتمع الأخرى.
و المجتمع كله و الدولة و القيادة بحاجة الى مواصفات العبقرية لأن هذه تتبلور بشكل تلقائي عبر الممارسات و تظهر جزئية في كثير من مفردات الميدان.
فالمزارع و المهندس و الطبيب و المعلم و التقني يبلورون شيئا من العبقرية , و تبدو الحاجة الى العبقرية الكلية و القيادة الكلية على مستوى المساحات الواسعة مثل الحكم و شؤونه و الجيش و خصوصياته و الادارة العامة و العبقرية الجزئية هي نصيب العلماء في كل العلوم التطبيقية و الانسانية و أرباب المهن و الحرف . و العبقرية الكلية هي خصوصية أصحاب الرسالات و وزرائهم و نوابهم و كل من يتصدى لأمر من أمور الدنيا و الآخرة و هذا هو الجامع المشترك في العبقرية الكلية و هي نصيب كل من آدم و حواء (ع) و شعيب (ع) و نوح(ع) و ابراهيم (ع) و كل الأنبياء الى موسى و عيسى ثم خاتم الأنبياء محمد(ص) و هنا لا ننسى الخضر(ع) و لقمان و الذي عنده علم من الكتاب و هو آصف بن برخية و آسية بنت مزاحم و مريم بنت عمران و بلقيس العالمة التي تنازلت عن عرش الملوكية لصالح الرسالة الإيمانية و آمنت بالأدوار الصالحة في الحكم و تداول السلطة لصالح الكفاءة و الأصلح و خديجة بنت خويلد و فاطمة الزهراء و زينب بطلة كربلاء و خولة بنت الأزور و رابعة العدوية و السيدة نفيسة .
وقبل ذلك كانت العبقرية محطة لتجسيد المسؤولية و إقامة الحجة لدى علي بن أبي طالب(ع) و أبنائه من بعده , و العبقرية عند هؤلاء القادة هي من النوع الكلي الذي لا يغادر تفاصيل الحياة إلا و أضاء مساحة المسؤولية فيها و حدد أبعاد الانجاز و العمل الصالح و هذا ما تحتاجه الحياة .
و التلكؤ الذي تعاني منه البشرية الذي يجعلها بحاجة الى مفهوم العبقرية الكلية و العبقرية الجزئية .
فأصحاب العبقرية الكلية لا يمتلكون الذكاء في جزء من العلوم و انما يمتد ذكاؤهم الا كل العلوم لأن علمهم (لدني) و ليس علما (كسبيا) كما هم باقي الناس.
وهنا علينا أن نتذكر أن الناس الذين يحصلون على العلم الكسبي اذا وفقوا للذكاء أو للعبقرية فيكون ذكاؤهم و تكون عبقريتهم جزئية لأن علمهم هو من النوع الكسبي الذي لا يحصل الا بالتعلم و التحصيل و المتابعة . وهذه قضية مرتبطة أساسا بنظرية الأخلاط التي ينصب هذا البحث عليها و على تفاصيلها و نتائجها في حياة الناس.
و تلك الأخلاط هي العناصر المبثوثة في التراب و الماء لا يعلمها الا الله و هو الخالق:
"وهو الذي خلق من الماء بشرا فجعله نسبا و صهرا وكان ربك قديرا" الفرقان -54
" و بدأ خلق الانسان من طين"
و الطين الذي بدأ منه خلق الانسان هو على نوعين :
1-طين لازب
2-حمأ مسنون
و تفاصيل و كمية و نوع العناصر و هي الأخلاط من طبقات الأرض حين الخلق و الايجاد لا يعلمها الا الله وحده. فمن تلك العناصر و الطبقات ما هو منتج خصب للنماء و منه ما هو غير منتج و لا يصنع الا القوم البور"قوما بورا".
و الإنسان البور و هذا رمز للسباخ من الأرض الذي لايستخدم العقل استخداما صحيحا و هو على الأقسام الآتية في الحياة :
1- المنافق
2- الشرير
3- الحسود
4-الأناني
5- الجبان
6- البخيل
7- الشحيح
8- الكذوب.
وكمية الأملاح و السباخ و الحديد و الكالسيوم موجودة في جسم كل إنسان ففي جسم كل واحد من البشر ما يعادل 7 مسامير حديد. ومن عجائب القرآن الكريم أن صورة الحديد في القرآن رقمها 57 و رقم صورة الحديد بين المعادن هو 57!
و العبقرية الكلية مستثناة من الانسان البور بينما موجودة عند صاحب عزائم الأمور . فغالبية الناس لا تستطيع استخدام العقل استخداما صحيحا في كل مسارات الحياة . بينما تلك الشخصيات العبقرية بحق و هي التي عرفها خالقها بأن لها القدرة على استخدام العقل و توليف تلك العناصر و حركتها بان جعلت للعقل الخيار و السلطة على حركة و ميكانيكية العناصر و الأخلاط فأصبح تلقيها للعلم اللدني قابلا للمسؤولية و قابلا للانجاز و الترشيد و العمل.
فأصبح انفتاحها على الإلهام صفة من صفات تكوينها بعد التوليف. فالعلم اللدني هو منحة ربانية جاهزة و موجودة لانجاز الحسن و للحاجة في الدنيا , وهذه العقول و النفوس التي عملت و وفقت للتجاوب و الاستقامة و البناء الجيد و الصحيح هي التي انفتحت و اقتربت من آفاق العلم اللدني فجعلها الله منشورة و مضاءة بآفاق ذلك العلم لإتمام رسالة المسؤولية التي هي الحجة على الناس ومن هنا كما قلنا سابقا لا يجوز إطلاق اصطلاح الحجة بشكل جزافي على بعض الناس ما لم يكونوا يمتلكون مواصفات العبقرية الكلية.
و هكذا نفهم كيف أصبح هؤلاء يمتلكون العبقرية الكلية و كيف أصبحنا نحن إذا وفقنا للعلم و للعمل لا نمتلك إلا العبقرية الجزئية.
إن تلك المواصفات التي تتناول كل المواقف و المعاملات و الحالات الشعورية و النفسية ما هي إلا نتاج عقل واع لكل قضية من القضايا على ضوء الأوامر و النواهي الإلهية فهي عقول منفتحة على السنة الإلهية شديدة الاهتمام بنفسها و شديدة المعرفة بربها و هي بالتالي لا يمكن توافرها الا لأصحاب العبقريات الكلية و يبقى لأصحاب العبقريات الجزئية نصيبا كبيرا أو صغيرا منها سواء في باب المعاملات أو العلاقات أو في باب التفكير و التدبر بأمور الدين و الدنيا و هي كثير .
و لعل انجازات علم الفضاء و علم الطب في DNA و الاستنساخ و الجينوم هي بعض من العبقريات الجزئية.
ومن هنا فإن تحليل مكونات العبقرية لا بتوقف عند صفة من الصفات و لا عند جانب من جوانب الحياة فالدهشة و الإعجاب يجب ن يمتدا من المنطق و الحديث و الكلام بكل أنواعه من الإنشائية و الخطابية و التبليغية و الوعظية و العلمية الى المعاملات و المواقف و الأخلاق و الأسرار و النوايا لن كل هذه إنما هي ما يعتمل في نفوس الناس منها أشياء كثير و ما تحمله أيديهم و أرجلهم منها أكثر و ما تجليه مواقفهم للناس و للحياة هو الآخر أمر في غاية الأمية.
والى اللقاء في حلقة قادمة للتطبيقات العملية للشخصية النموذج-ان شاء الله.
|