الصفحة الرئيسية

كلمة كتابات

الكتابات المنشورة  تعبر عن رأي اصحابها

زوايـــــا

دراسات

 kitabat@kitabat.com <<<  webmaster@kitabat.com

الارشيف

كتب

7  حزيران  2008

ابحث في كتابات

 

ليلى وسلمى وحرب الفلافل

 

كتابات - حسين عبد الخضر

 

    عندما تمر الأوطان في ظروف عصيبة ، ومنها الاحتلال ، يقف الأدباء والفنانون والمثقفون في طليعة المدافعين عن أوطانهم ، ويكرسون كل قدراتهم الفكرية والفنية من اجل الدفاع عن الوطن كقضية تتراجع أمامها كل هموم الإنسان الأخرى . هذا هو الأمر الطبيعي الذي نجده لدى كل شعوب العالم ، ففي فيتنام ، اقرب الأمثلة إلينا ، وقف الشاعر والمغني والمسرحي ليلقي قصائده وأغنياته ويقدم عروضه في ساحات القتال وتحت لهيب المعركة ، فكان يسقط شهيدا إلى جاب المقاتل ، لأن القضية قضية وطن ، وهكذا يكون المثقف الذي يملك القيمة الحقيقية للثقافة ويشعر بالمسؤولية الأخلاقية تجاه شعبه ووطنه بكل ما يعنيه الوطن من قيم إنسانية وحضارية ، لكن الوضع في العراق مختلف جدا ، فلأسباب عديدة تخلى المثقف عن دوره وآثر الصمت ، وتطوع آخرون ليصبحوا أبواقا للاحتلال بسبب هزيمتهم النفسية أمامه أو بسبب زيف وعيهم وخواء رؤوسهم ، فهم يرون في المحتل الذي يدنس أرضهم ويقتل شعبهم ، الوجه الممثل للحضارة الإنسانية ! بينما ترك آخرون ارض الواقع الدامي وحلقوا مع أوهامهم يقبلون ليلى النائمة على وسادة الحرير والشراشف الأرجوانية ! ويركعون تحت أقدام سلمى لتنعم عليهم بكلمة حب تطبب جروح نفوسهم المريضة . . المريضة حقا . ولم نر أو نسمع من رفع قضية الوطن إلا نادرا . وحتى هذه الـ ( نادرا ) لم تتعرض لفضح الاحتلال مباشرة ، بسبب الخوف الذي يقبع في النفوس من رصاصة طائشة لأحدهم تعبر مسارات الليل لتستقر في  الرأس .

    في ظل هذا الواقع الثقافي المسوّد ، أطلت علينا جماعة الناصرية للتمثيل بعرض مسرحي بعنوان  ( حرب الفلافل ) لتفتح كوة في جدار الظلام ، وتخطو أولى الخطوات باتجاه وضع المسرح في الاتجاه الحقيقي بدلا من الهرب إلى وهم الجرأة بنقد الواقع الاجتماعي وتجاوز القيم السائدة .

    تتكرس حبكة العمل الدرامية في متابعة رحلة الجندي الأمريكي ( جونا ) الذي جسد دوره الممثل عمار سيف ، إلى ارض أوروك ، موهوما بتحرير شعبها من حكم الطاغية . وجونا( يريد أن ينام ! ) إنسان بسيط يحلم أحلاما بسيطة ، وذو ثقافة متواضعة ، فهو لم يسمع باسم أوروك من قبل ولا يعرف أين تقع ، وهذه هي حقيقة أغلبية الجيش الأمريكي ، وليس كله .

    تبتعد المسرحية في عرضها للاحتلال عن المظهر الواقعي وتجوس فيما وراء الواقع ، لتلقي بالمسؤولية على قوة غامضة تتحرك من خلال أدوات مموهة ، مثلها العرض في ( طائر الطنان ) وهو من اصغر الطيور في العالم ، وقام بتجسيد هذا الدور الممثل حسن عبد الرزاق ، و( البحار ) الذي جسد دوره الممثل القدير عبد الرزاق سكر ، و ( بابا  نوئيل ) الذي قام بتجسيد دوره الممثل كريم عبد  جابر . تربط بينهم إشارات ترميزية ( الحذاء الأسود والأبيض و الدولار ) ، ومن خلال هذه الإشارات يدرك جونا ، كما يدرك المتلقي ، انتماء ( الحاكم ) الذي جسد دوره الممثل الموهوب عمار نعمة ، إلى نفس المنظمة السرية . فيكتشف جونا  حقيقة اللعبة وزيف الشعارات التي أشعلت من اجلها الحرب ، لينهي رحلته بنداء إنساني يدعو إلى الابتعاد عنها . هكذا انتهت المسرحية التي اختارت أن تتحرك في الفضاء المعرفي والإنساني ومناقشة الأطر العامة دون أن تدخل في التفاصيل المأساوية للاحتلال بإهمالها ما كان سيمثل أهم مكون من مكونات العرض ، كما هو أهم مكون في ( مسرحية ) الاحتلال الواقعي ، وهو الإنسان العراقي الذي يعاني أكثر مما عانى جونا . وبهذا الإهمال فقدت المسرحية قدرة التأثير في المتلقي بما يخلق استجابة حقيقة لديه ، لأنها نظرت من زاوية بعيدة عن الواقع والمتلقي العراقي . . عرضت أثار الحرب على الجندي الأمريكي ، فتحركت في فضاء ثقافته الخاصة والغريبة عن ثقافتنا ، مما جعل المتلقي حاضرا في القاعة وغائبا عن الخشبة ، لم يجر التماس معه إلا في البيان الذي ألقاه الحاكم المنتمي إلى الجانب الآخر . وبذلك تكون المسرحية قد اكتفت بالجانب التثقيفي من جهة علاقتها بالمتلقي .

    اعتقد أن قراءة الخطاب المسرحي ، أو أي خطاب آخر ، مع غض النظر عن تأثير العوامل الخارجية في صياغته ، سوف يقودنا إلى الإجحاف بحق هذا الخطاب ، وستكون القراءة معبرة عن وعينا أكثر مما هي تفصيلا لقصديات الخطاب الذي يجب أن تشارك كل مكونات العرض في صياغته عبر ارتباطها ببعضها في عملية خلق جمالية يقوم بها المخرج ، وهذا ما بحثه نقاد آخرون . ويتوفر خطاب مسرحية حرب الفلافل للكاتب محمد الجوراني  على عدة عوامل تنأى به عن ( حملة ) أبواق الاحتلال ، كما يؤدي غرض الجماعة في بيان موقفها الرافض للاحتلال ( وهذا ما ذكرته في كلمتها ) ، فآثرت إرسال هذا الموقف على لسان شخصية تنتمي إلى الاحتلال نفسه مستغلة الصفات النوعية لهذه الشخصية الغارقة في همومها الذاتية والمولودة في عالم مزيف تقوده قوة غاشمة وغامضة في الوقت نفسه تعتمد على الخطاب الأسطوري والملتوي لتشويه وعي أتباعها وزجهم في مواقف لا تخدمهم بقدر ما تخدم أهدافها الايديلوجية والسياسية .

    أن الإقدام على تقديم مثل هذا العرض في ظل واقعنا الثقافي المهشم والغارق في فوضى القتل       ( الخلاقة ) يعتبر خطوة مباركة يشكر عليها المخرج ياسر البراك ، الرجل الذي عودنا أن يكون جريئا في أطروحاته ، ونتوقع أن نشاهد عرضا آخر أكثر قربا ( للخطوط الدموية ) في وقت آخر يرتقي في مستواه إلى ما في رصيد البراك من عروض مدهشة في جرأتها مثل قضية ظل الحمار ، الواقعة ، من البلية ، كوميديا الأيام السبعة .

 

Hussaen73@hotmail.com