|
|
الكتابات المنشورة تعبر عن رأي اصحابها |
||
|
7 حزيران 2008 |
|
مذكرة التعذيب
كتابات - ميادة العسكري
كنت اشاهد مقابلة مع حامد الجبوري من على قناة الجزيرة ، حيث تكلم الرجل عن الفترة التي كان فيها وزيرا ابان حكم البعث في العراق، وتكلم فيما تكلم عن مؤامرة ناظم كزار. وتحدث الجبوري عن تلك الحقبة التي اسميها حقبة الرعب العراقية، والتي اشبهها في مخيلتي بسطح بركة هادئة، سرعان ما تخرج منها كائنات مخيفة تحيل البركة الى عالم اشباح وجن ومصاصي دماء وزومبيز وشياطين .. باختصار فلم رعب "تالي الليل والبيت فارغ والمتفرج خوّاف درجة اولى" .. كرر الجبوري اكثر من مرة "ما كنا نعرف اي شيء عن مجريات الامور" و "تسربت الاخبار" و " لم تتم محاكمة ناظم كزار بل اعدم لكي تموت القصة معه" .. وكل ما قاله الجبوري صحيح وبتفاصيله الدقيقة حتى انه اعادني الى تلك الاجواء برائحتها وحرها وبردها ، النهر وثيل الحديقة وسياج الدار والاشجار والارجوحة الكبيرة بالقرب من النهر والضفة الاخرى وجسر الصرافية وسويرات دجلة وماء الطين وخبز الماء و ....اخ على عراق وايام عراق مضى ولن يعود ابدا .. اعادني الى طفولتي وبداية نهاية عراق كنا نترك فيه ابواب المنازل مفتوحه في الليل من دون خوف او قلق .. ولست في معرض الحديث عن حزب البعث ... والذي اصاب بغثيان عندما اتذكره او يذكر امامي، ولا عن تداعيات تلك الحقبة،، الا ان كلام الجبوري بقي في ذهني طويلا بعد ان انتهى، ذكرني بالتعتيم الاعلامي، والسير في الظلام ...ذكرني بفلم الايام الطويلة والذي ما خلصنا من رؤيته في كل مناسبة وطنية، الا بعد ان قتل بطل الفلم واخيه، ومع احترامي لكل ابطال مسلسل حافات المياه، ربما كان لزاما ان يصبح لينغ شونغ من معارضي البعث ايضا " ليفكوا ياخة " هذا المسلسل عنا كلما تصاعدت ازمة او دق طبل الحرب او القصف .. يا لها من ايام غريبة .. كنا لا نعرف اي شيء .. كنا نسير وفق الخطوط المرسومة لنا، وان حدنا عنها ، اوشكت رقابنا ان تحيد عن اكتافنا... لم تكن الحالة في تلك الايام افضل من حال العراق اليوم، في تلك الايام كان البعث يجلس في الدوائر الامنية والمخابراتية ويقتل الناس، واليوم صار البعث "قاعدة" و "متطرفين" و"اصوليين" يلهون برقاب الشعب، ولكن اعود واقول ان هذا ليس موضوعي اليوم، بل تلك الوثيقة التي اكدت لي بان اللواء ستون، امر السجون الاميركية في العراق لم يكن صادق تماما معي عندما قال بان حالات التعذيب التي وقعت في "ابو غريب" كانت حالات منفصلة، لم تستند الى اوامر رسمية من جهات رسمية اميركية.. كتبت عن لقائي مع اللواء ستون هنا في كتابات في مقالتين بعنوان - ليتها تتوقف عند "ابو كراب" - الرابط بين الموضوعين هو التالي: حكمنا من قبل نظام اطبق قبضته الحديدية على رقابنا 35 عاما من الدموع والدم والالم ..اغلق الابواب والنوافذ علينا، ربطنا بصحافة مكبلة، كل شيء عندنا كان ممنوع.. ونتيجة لظلم ذاك النظام، جاء من هو اظلم منه واقتلعه لنا .. الا ان هذا البديل الاميركي الذي يحكم العراق اليوم على علاته وكل مساوئه، هو في الواقع مُعرّض الى الافتضاح من الداخل في اية لحظة ان لم يؤدي دوره بشفافية تامة. اذ ان هناك حالة موجودة لدى الاميركان، يسمونها انفسهم بصافرة الحكم، وكنتيجة لها رأينا صور الاذلال في "ابو غريب" منشورة على الانترنت، وغيرها كثير. اي ان ما يحصل لدى اميركا خلف الستار غالبا ما يتحول الى فضيحة. وهذا ما حصل فعلا عندما نشرت مذكرة صارت تعرف "بمذكرة التعذيب"، كتبها استاذ في جامعة بيركلي اسمه يوو، كان في فترة كتابة المذكرة مساعد وكيل وزير العدل الاميركي. والمذكرة عبارة عن مجموعة الاراء القانونية التي قدمت لوزارة العدل خلال إدارة بوش اثناء تمتع الاستاذ يوو بإجازة من بيركيلي من 2001 الى 2003. ومعروف عن يوو، المحافظ في اتجاهاته السياسية بأنه وضع ايضا الاسس القانونية لبرنامج التنصت على المكالمات الهاتفية من دون الحصول على امر قضائي في امريكا. نشرت إدارة بوش جزء من "مذكرات التعذيب" في اذار/ مارس الماضي، فقلب النقاد العنوان فوراً الى "مذكرات أبو غريب". وقد تناولت المذكرات الاساليب القاسية والمذلة التي استخدمتها وكالة المخابرات المركزية الاميركية في استجواب العسكريين في العراق وأفغانستان. وجاء في المذكرة "خلصنا إلى أن الاسس المختلفة في تفسير المستندات تشير إلى أن القوانين الجنائية المطبقة عامة لا تسري على التحقيقات العسكرية مع مقاتلين غرباء غير شرعيين محتجزين في الخارج". و بهذا النص القانوني منحت وزارة العدل البنتاغون الكثير من السلطة التي سبق ومنحتها لوكالة المخابرات المركزية (سي أي أيه) أمريت سينغ المحامي لدى اتحاد الحريات المدنية الأميركي قال إن مذكرة يو تمنح المحققين تأييدا مطلقا لاستخدام أي طريقة لاستخلاص المعلومات من المعتقلين، وأشار إلى أنها كانت دعما قانونيا للإساءات التي وقعت بعدها بأشهر في معتقل أبو غريب في العراق. بعد احداث الحادي عشر من سبتمبر، أصبح يوو عضوا في مجموعة صغيرة من المحامين الكبار الذين اطلقوا على أنفسهم اسم "مجلس الحرب" . وفي كتابه" رئاسة الإرهاب" الذي نشره في 2007، كتب جاك غولد سميث ان هذه المجموعة غالبا ما كانت تجتمع "لتخطيط الإستراتيجية القانونية للحرب على الإرهاب". وقد وضع يوو ايضا القاعدة الاساسية لبرنامج الإدارة الاميركية للتنصت على المكالمات الهاتفية من دون الحصول على امر قضائي. وقد صرحت مذكرة يوو في أكتوبر/تشرين الأول 2001 بأن منع البحث والحجز بدون الحصول على امر قضائي من قبل القانون والدستور الاميركي يجب ان "لا يطبق في العمليات العسكرية المحلية" في الحرب على الإرهاب. وبعد كل هذه المقدمة، لنقرا سوية، ما هو التعذيب من وجهة نظر يوو وغيره في نفس الادارة.. تتنوع اساليب التعذيب التي يستخدمها المحققين الاميركان بين ستة تكتيكات حصل المحققون على تفويض باستخدمها، وتشمل تكتيكات التعذيب اساليب "جذب المعتقل من ملابسه للفت انتباهه"، بحيث يقوم المحقق بجذب المعتقل من ملابسه من الرقبة ويقوم بهزه بقوة. كما تشمل أيضا "صفعة جذب الانتباه"، بحيث يوجه المحقق "صفعة بكف مفتوح" تستهدف "إثارة الألم والخوف" لدى المعتقل، اضافة الى اسلوب "الصفعة على البطن"، وهي صفعة قوية بكف مفتوح على المعدة، والهدف منها هو التسبب في ألم دون حدوث إصابات داخلية. اما التكتيك الرابع فيتمثل في اسلوب "الوقوف لساعات"، ويوصف هذا التكتيك بأنه من ضمن التكتيكات الأكثر فاعلية، وفيه يجبر المعتقلون على الوقوف مكبلي الأيدي، وأقدامهم مربوطة بأوتاد حديدية في الأرض لأكثر من 40 ساعة؛ ويؤدي التعب والحرمان من النوم إلى إجبار المعتقلين على الاعتراف. والتكتيك الخامس يتمثل باسلوب "المعاملة الباردة"، وفيه يترك المعتقل عاريا في زنزانة لا تزيد درجة حرارتها عن 10 درجات مئوية، ويتم إغراقها بالماء البارد بصورة مستمرة. أما التكتيك السادس فيُربط خلاله المعتقل على لوح من الخشب، ويتم وضع غطاء من البلاستيك على وجهه ويصب على وجهه ماء، أو يتم إغراق رأسه في حوض مليء بالماء، ولا يتمكن المعتقل في هذه الحالة من احتمال أكثر من بضع ثوان. اجمالا، هذه هي الاجراءات العنيفة لانتزاع الاعترافات، وقد يؤدي بعضها الى الموت، ولكن في واقع الامر، ومقارنة باحواض تيزاب اخو هدلة ، والكهرباء، وغيرها كثير من اساليب تعذيب تلك الايام ، تبدو هذه الاجراءات العنيفة وكأنها لعبة اتاري.. على اية حال، ان كان الاميركان يعتبرون هذه الاساليب عنيفة وسيئة وادت الى ان تتحول سجونهم في العراق الى وداعة بوكا وكروبر، فليكن. قال لي اللواء ستون، انا من المارينز، الا ان الجنرال بترايوس طلب مني ان اعدل حال السجون الاميركية في العراق.. ضحكت في سري وكنت على وشك ان اقول له، لقد اختارك بترايوس ربما لطيبة قلبك يا ستون، فقد قال لي احدهم بان القيادة الديمقراطية المعارضة في مجلس الشيوخ الاميركي قدمت قائمة بأسماء القادة العسكريين ومنهم الجنرال ديفيد بترايوس، من الذين يؤمنون بأن التعذيب سلوك خاطئ ويخفق في الحصول على معلومات حقيقية!! اختارك لانه كان يعلم بانك ستعامل العراقيين بما يستحقونه من احترام، وقد اقسمت بان لو ما حصل من انتهاك في سجون ابي غريب كان في وقت انت كنت مسؤول فيه عن ذلك السجن، لكان عقاب المسيئين كبير جدا .. وانا اصدقك .. تماما
|