|
|
الكتابات المنشورة تعبر عن رأي اصحابها |
||
|
5 حزيران 2008 |
|
العراقي... ومعطيات التأثـُّر والتأثير
كتابات - مهند الديراوي
صياح بصوت عال، وتلويح بالايدي يصل حد الضرب، وشتائم مما سمع الطفل في صغره ومما لم يسمع، ووعود بالاساءة والانتقام، وتقريع وتنديد وتهديد بالطلاق، وعدم اكتراث للمتفرج الصغير الباكي الخائف وهو يقف مذعورا كسيرا وعيونه شاخصة الى ضخامة الموقف نسبةً لادراكه، تتناهبه الدموع والعبرات والايدي المتشاجرة بين الحين والحين، عندما يحاول بجهده الصغير ان يحول دون وقوع كارثة ما، متعاطفا بصورة ملحوظة مع امه التي حشت رأسه بان أباه هو مصدر الاساءة الدائم.
هذا المشهد ألفه الكثير منا في صغره، ونشأنا وقد اعتادت حواسنا عليه، ولكأننا نشأنا بين حشاشين دائمي العراك او ما شابه. وقد تغذت انفعالاتنا على انفعالاتهم، وبذلك اختلط العنف واختلطت العصبية في ذرات نمونا، وابتنى الحقد على المحاسن كلها والملذات ( لافتقادها ) مكانا في انفسنا خطيرا اشد الخطر، ومؤثرا اعظم التأثير على لبنات المجتمع الجيدة الاخرى، سابق يؤثر بلاحق ... وهكذا، حتى امتلأ العراقيون بقيح التوتر والانفعال الاضطراب، من اي شئ، ولاي سبب، فوصلنا الى عدم احتمال احدنا للاخر، توتر لما لا يدعو الى التوتر، وطفحت انفعالاتنا هذه عن طابع سئ قبيح ترك آثاره الجريئة على جميع مفاصل العلاقات الاجتماعية في البيت والعمل والشارع، وتعدى ذلك الى ان بلغ مفاصل العلاقات الدينية والسياسية بل وحتى الفكرية، اجبرك على اتباع ديني، وافرض عليك سياستي فهي الصحيحة والمسلّم بها شئت ام أبيت، وكذلك فكري!! وهذا بالضبط ما يرفضه المنطق رفضا لا جدال فيه، وينفي العقل البشري السوي صحة مأخذه.
أما لو نظرنا من جهة اخرى فاننا سنصطدم بالفاقة غير المبررة في العراق، والتي اتعبت الفرد العراقي ايـّما تعب، وقهرته فجعلته ذليلا أمام غيره، ودفعت بصغيره الى تحمل مسؤولياتٍ يشقى بها الكبار، ودفعت بكبيره الى الاحساس بالعجز المطلق امام اهله. فهو عاجز عن تسديد نفقات ترفيه عائلته لمساء واحد! بل هو عاجز عن توفير ما يكفيهم شبعا وسترا، فكيف بالترفيه؟! وكل شئ مكلف قياسا بدخله. هذا هو الواقع المؤلم الموجع الذي يجبر الرجل العراقي على تفريغ معاناته على الفراش ونسيانها ساعة واحدة على اكثر تقدير، فالجنس هو العزاء الوحيد له، والشئ الجميل الاوحد الذي يستطيع الحصول عليه مجانا ... وبكثرة!! ما يبرر لنا كثرة عدد النفوس في الاحياء الفقيرة قياسا بغيرها الراقية والمرفّهة. نحن نرى امرأة تمشي وامامها عربة طفل فيها رضيع علقت عيناه في السماء، تدفعها بيد، وفي اليد الاخرى تحمل طفلا اكبر من الرضيع بسنة، ينظر بحقد الى الرضيع الذي استحوذ على العربة بعد ان كان هو صاحبها الشرعي! وعلى الارض ثالث يمشي وهو يمسك ثوب امه راجيا اياها ان تحمله بدلا من المحمول عديم الفائدة!! وربما لو سألت المرأة هذه لأجابتك بانها تركت واحدا او اثنين لابنتها الكبرى تتولى رعايتهم!!! ما هذه المأساة؟ واي رعاية تربوية تستطيع مثل هذه المرأة ان تعطيها لاحد اطفالها وسط هذا الكم من الغيورين الحاقدين؟! واي امومة؟ واي مقدرة مادية بامكانها ان تعيل هؤلاء بانصاف؟ واعود لاقول بان هذه الظاهرة غير موجودة الا عند الفقراء. ولِصِغر بيت الفقير وكثافة النفوس فيه، ولعدم احتمال الأم ضجيج اطفالها في البيت، وخوفها على قطع الاثاث البسيطة فيه من الكسر... تدفعهم الى الخروج.. لتتركهم الى الشارع. من هنا تبدأ رحلة الانحراف، ومن هنا يبزغ سؤال مهم يجب ان نأخذ به ونضعه ضمن اهتماماتنا: كيف يعقّ المرء والديه ووطنه، وكيف ينشأ عقوقه اصلا؟ ان هؤلاء (العاقين) هم في الحقيقة ضحايا ظروف قاسية ترعرعوا تحت وطأتها، وضحايا الوالدين وتصرفاتهم الفوضوية وغير المسؤولة تجاه هذه المخلوقات الصغيرة الناعمة السريعة التأثر بمحيطها، واخفاقهم في تقويم ابنائهم وفي توفير حضن رغيد لهم، لينشأوا اصحاب فكر او فن او علم يخلد اسمهم، فالفوضى والمشاكل واللاطمأنينة تطمس المواهب، وتغطي العقل بغطاء من البلادة وبطء الفهم والادراك، وتحصره في زاوية سوداء سلبية يعمها الشر والانتقام لشعور النقص فيها، ويسودها الغباء وانعدام الرأي فيقتنع برؤى غيره بسهولة لا برؤاه، وبأي طروحات مسؤولة تتيح له تعليق سلبياته عليها. وتجد الامثلة الحية الكثيرة عن هذا المعنى في العالم العربي عامة، وفي المجتمع العراقي خاصة.
وبرغم هذا كله، فاننا لا نستطيع الالقاء باللائمة كلها على الاباء والامهات حصرا، فثمة سبب عظيم يستحق اللائمة الكبير حقا، وهو المؤثر السلبي الاعظم الذي يلقي بهم في البرك الآسنة من التصرفات التي شرحناها، وستلقي بأبنائهم في نفس البرك عندما يتأهلون ليصبحوا آباء وامهات. هذا السبب هو الحروب التي اتلفت اجيالنا كماً ونوعا، وستتلف! ولا يلوح في الافق ان للعراق استقرارا ما، فمن حرب دولية الى مذهبية الى حزبية الى ... الى ... والاجيال تفسد، ولكم ان تفحصوها.
تمت
alderawi.wordpress.com
07703170370 07802182317
|