|
|
الكتابات المنشورة تعبر عن رأي اصحابها |
||
|
5 حزيران 2008 |
|
مطارحات في الإصلاح الوطني - 6
كتابات - ياسر عبد الحسين
قد يكون مفهوم الإصلاح في بنية اجتماعية ما، وهي تأثره بعوامل الداخل والخارج التي يدور السجال حولها حامياً في هذه الأيام، في رأينا أن الإصلاح أي إصلاح يعبر في الأساس عن حاجةٍ داخلية عميقة في أي مجتمع، ولكن هذا الداخل أي داخل لا يعيش خارج التاريخ وهو موضوعياً ليس بمعزلٍ على الإطلاق عن خارجٍ يؤثر فيه موضوعياً.
وتأثير الخارج يتناسب مع جدل تفاضل تناقضات الداخل وتفاضل تناقضات الخارج. هذا التفاضل بين القوى الخارجية والداخلية لا يمكن تغييره بمقولة (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ورباط الخيل..) وإنما يتعلق الأمر بقدرة هذا الداخل على الإصلاح وإعادة التشكيل في العلاقات السياسية والاجتماعية وطبعاً القدرة على إصلاح الفكر بما فيه الفكر الديني.
تقف الأمم الحية على الدوام أمام إشكالية الاستقامة والاستدامة، باعتبارها القضية الجوهرية في نقدها الذاتي وتأمل تجاربها التاريخية، إذ ليست الاستقامة والاستدامة في الواقع سوى التاريخ بمكوناته الماضية والمستقبلية. فالواقع هو محك الحاضر ومقياسه، كما أن الحاضر هو المستقبل لا غير، وهي صيغة لها رمزيتها في المنطق والبيان والعقل والوجدان بأقدار متساوية، وكما أن المرء ينظر في المرآة لتأمل تجاعيد الزمن وفي الآفاق لرؤية المجهول، فان الفكر الفلسفي ينظر فيهما لتأمل تجاعيد التجربة التاريخية للماضي ورؤية الآفاق ولكن من خلال مطابقة الجهل مع المجهول بوصفه الباعث الجوهري في البحث عن الحقيقة. وهي المقدمة الفلسفية والعقلية لكل محاولة جريئة لتذليل القواعد الجاهزة والتامة في تأمل المستقبل. ومن ثم هي المقدمة الضرورية لكل رؤية إصلاحية. فمن الناحية المجردة ليس هناك أمرا اسهل من الماضي، لأن حوادثه واقعة وجلية كما انه قابل للاجتهاد غير المتناهي. أما المستقبل فانه الأكثر تعقيدا لأنه عادة ما يحرج التكهن والتأمل والظن والتوقع. والأعقد من ذلك هو صنعه. فصنع المستقبل هو رؤيته الفعلية أما حقيقته فتقوم في الحاضر. وهو الأمر الذي يعطي لفكرة الإصلاح بحد ذاتها قيمة عملية غاية في الأهمية. إذ ليست حقيقة الإصلاح في الواقع سوى إدراك الحاضر والتخطيط لآفاقه الإيجابية. وهو الأمر الذي يجعل من إزالة الترفع والتعالي والتقليد والمحاكاة والتأسيس لفلسفة واقعية في الإصلاح جوهر الرؤية الواقعية لفلسفة الإصلاح المستديم.
إذ ليس الإصلاح المستديم سوى البديل المنظومي المتراكم من خلال دراسة وتحليل الواقع وإشكالياته الكبرى. وهو إصلاح مستقيم بالضرورة. إذ ليست الاستقامة سوى السير مع البدائل بما يتطلبه الحاضر والمستقبل فإذا كان الفكر في السابق عادة ما يلزم الحاضر بتأمل الماضي والخضوع لمقاييسه وقيمه ونماذجه "الرفيعة".
أما الصيغة السياسية لتجسيد فكرة المستقبل، بوصفها الصيغة غير المباشرة لهموم الإصلاح، فقد أدت في جميع دول العالم الثالث إلى نتائج متشابهة، أي إلى فشلها الذريع في تحقيق مضمون المعاصرة المستقبلية باعتبارها الصيغة السياسية للإصلاح الشامل. وهو أمر يعطي لنا إمكانية القول، بأن كافة تجارب ونماذج الإصلاح في العالم المعاصر تبرهن أما على فشلها الذريع وأما على عدم جدواها أو ضعفها البنيوي، من هنا فإنها لا تصلح للإصلاح بتاتا! لكن تاريخ الأمم جميعا هو ميدان تجلي الممكنات، ومن ثم فان الإصلاح أمر طبيعي فيه. والمهمة الكبرى الآن تقوم في كيفية رفع هذا المستوى الطبيعي إلى مستوى الإدراك التاريخي – السياسي لتحقيق إصلاح شامل. وهو أمر يجعل من كافة الأساليب والأشكال أدوات معقولة في حالة استجابتها لمنطق وحقيقة الإصلاح، بوصفه بديلا منظوميا يتمثل بصورة فعالة المعاصرة المستقبلية وإشكالياتها الواقعية في ميدان بناء الدولة والمجتمع والثقافة. وبما أن البدائل الحقيقية تفترض على الدوام الانطلاق من إشكاليات الواقع ورؤية مقدمات أزمته البنيوية، من هنا ضرورة الرؤية العملية والواقعية فيما يتعلق بفلسفة الإصلاح في العراق ، وقد شكلت مرحلة الديكتاتورية المظلمة من سيطرة الراديكاليات السياسية والعسكرية والحزبية الضيقة محاكاة من حيث عواقبها بالنسبة للدولة والمجتمع والثقافة ، ومن ثم فإن الصيغة الأمثل بالنسبة له هي الإصلاح المستديم المستند إلى رؤية فلسفية تاريخية ذاتية، أي فلسفة النسب المثلى التي يمكن أن تجمع بطريقة معقولة ومعاصرة ومقبولة التقاليد العقلانية والانتماء الثقافي من اجل توليف حقيقة الاستقامة والاستدامة في الإصلاح. والمقصود بفلسفة النسب المثلى هي فلسفة البدائل العقلانية القادرة على صنع منظومة المرجعيات القادرة على رفع إدراك القوى السياسية والاجتماعية إلى مصاف الرؤية الثقافية.
|