الصفحة الرئيسية

كلمة كتابات

الكتابات المنشورة  تعبر عن رأي اصحابها

زوايـــــا

دراسات

 kitabat@kitabat.com <<<  webmaster@kitabat.com

الارشيف

كتب

5  حزيران  2008

ابحث في كتابات

 

الرحيل

 

كتابات - يوسف يلدا

 

الى روح الفقيد م . م

 

كان يزوره كل يوم، وذلك بحكم طبيعة عمله. وغالباً ما كان يعتقد بأنه، لربما، يلتقيه ويتحدث إليه لأكثر من ثلاث ساعات يومياً، مما يعني أنه يمضي معه وقتاً أكثر من أفراد عائلته، الذين قد تكون مشاغل الحياة اليومية والوظيفية، تمنعهم من الجلوس الى جانبه والتحدث إليه، كما يفعل هو منذ أكثر من عام ونصف العام تقريباً. لم يفكر قط أن ما يفعله أو يقوم به من زيارات يومية، صباحاً ومساءاً، تدخل ضمن نطاق عمله، أو قد فرض عليه القيام بواجبه كجزء من المهام التي يؤديها كل من يعمل في دائرة ما. فهو الذي إختار هذا التوقيت، وهذه الساعات التي أراد من خلالها أن، يحمل وإن كان جزءاً يسيراً من العبأ الثقيل الذي وضعته زوجته على كاهلها منذ أكثر من خمسة عشر عاماً، من دون أن تقول آه!

منذ عدة سنوات كان المرض قدشلّ حركته، رغما عنه، وألقى به في مساحة محدودة من البيت لا يمكنه تجاوزها. ومنذ سنوات عديدة وهو لا يقوى على الحركة، إلاّ القليل، ولا يقوى على الكلام، إلاّ عن طريق حركات شفاه مبهمة وأصوات لا يمكن فك رموزها بيسر. أما هو فقد إعتاد عليه، في كل شئ، ولم يعد هناك ما يمنعه من تلبية أغلب طلباته والتي لا تتعدى القائمة اليومية المعروفة لديه ولدى أفراد عائلته.

كم كانت المفاجأة كبيرة، بالنسبة له، عندما علم يوماً أن الإنسان الذي أمامه، والذي يخدمه كما يخدم والده، كان محباً للموسيقى وعازفاً على آلة الساكسفون، ومنتمياً، في حينها، الى فرقة موسيقية معروفة في البلد. ومنذ أن علم بذلك، لم يتوقف، أبداً، عن طرح الأسئلة المتعلقة بالموسيقى والأغنية والفرق الفنية عليه، بلغة  توصلا كلاهما إليها، للتفاهم من خلالها كلما أرادا الدخول في حديث ما. وكثيراً ما كان يسأله عن الفنان المرحوم "بيبا"، الذي كان قد إعتلى عرش الأغنية في الوسط الفني لجاليته قبل أكثر من ثلاثة عقود ولسنوات طويلة، وبدون منازع، إلاّ أنه لم يكن بمستطاعه أن يترجم كل ما في داخله من إحترام و كلام جميل عن "بيبا"، و كان يكتفي بالبكاء وذرف الدموع تعبيراً عن محبته وحزنه الشديد عليه. البكاء كان يلازمه‘ في أكثر الأحيان، وبصورة خاصة، حينما كان يدور الحديث عمن حواليه، أو معه، أو عن أصدقاء وأحداث عايشها ورافق ظروفها. كثيرا ما طرح على نفسه السؤال التالي: هل يعود السبب في سرعة إستجابته للذكريات والمواقف المحزنة ،ومن ثم بكائه، الى كونه  موسيقياً، إنطلاقاً من مقولة أن الفنانين يمتلكون حساً مرهفاً؟ مهما كان الرد على سؤاله فأن الصدفة قد جمعت بين من يحب الموسيقى ويمارسها وبين من يتألم بسرعة كلما واجه حالة مشوبة بالحزن، لأن في داخله كبت كل أحزان العالم، إثر إصابته بالمرض الذي لم يمنحه الفرصة الكافية للتمتع بالحياة، أو لأسعاد الأخرين بما كان يتمتع به من حب كبيرلهم.

ومنذ ذلك اليوم وبيته لا يخلو من زيارات الأصدقاء والأحبة، وهو الذي كان يشغل وظيفة جعلته يتبوأ منصباً قريباً جداً من الناس، البسطاء منهم والمحتاجين إلى خدماته . وكثيراً ما دارت الأحاديث عن طيبته وإنسانيته ومدى سعة قلبه وعطفه على الآخرين، ومساعدته لهم، كلما طرقوا بابه، وهو المعروف بتشعب علاقاته وخبرته في مجال عمله، الأمر الذي دفع بكل من عرفه ولم يعرف أن يطلب العون منه، ومن دون مقابل.

عندما أخبروه أن عليه أن يرافقه الى الدار الخاصة بإستراحة المرضى، أو دار النقاهة، إن جاز ذلك، لم يتردد في الرد بالإيجاب، وإن أحس في أعماقه أنه سوف لن يراه لأكثر من إسبوع، وعلى وجه التحديد، عشرة أيام، بنهاراتها ولياليها. حينها شعر بمسحة من الحزن تغلّف وجهه. ولأنها لم تكن المرة الأولى التي التي يغيب فيها عنه لأكثر من إسبوع، وإنما، ربما كانت المرة الثانية، فلم يكترث كثيراً للأمر، وإكتفى بتحديد الموعد لليوم التالي، على أملأن يقلّه في سيارته الى دار النقاهة.

لم يتأخر عن الموعد ولا دقيقة، ولا يدري لماذا‘ وهو المعروف عنه تأخره دائماً عن مواعيده، ليس بسبب من عدم إحترامه لها، أي المواعيد، لكن، في كل مرة يحاول أن يكون دقيقاً في مواعيده، يواجه مواقف تحول دون ذلك، وتمنعه من تحقيق رغبته في الوصول الى مكان موعده في الوقت المحدد، ولو لمرة واحدة في حياته. في صباح اليوم التالي، وصل وركن سيارته أمام منزلهم، لتظهر زوجته التي وقفت الى جانبه، وفي محنته، طوال الخمسة عشر عاماً الماضية، ولم يبدر منها ما يوحي الى التذمر أو الإرهاق، رغم أنها هي الأخرى تعاني من أمراض تطرحها أحياناً كثيرة في السرير لأسابيع عدة، الأمر الذي يدفع بإبنتها للإهتمام بوالدها، وإن كانت الأم ، وفي قرارة نفسها، لا ترغب في أن ترى إبنتها التي تجاوزت العشرين سنة تحل محلها، لأنها تعتقد بأن إبنتها لا تقوى على ذلك، غير أن الأمر، في بعض الظروف يكون خارج إرادتها.

حمله في سيارته الى المكان المطلوب نقله إليه، والذي سيمكث فيه عدة أيام بسبب من سفر أفراد عائلته جميعهم الى ولاية أخرى، مضطرين، وهم المعروف عنهم عدم رغبتهم في مفارقته، حتى للحظة واحدة، غير أن أحكام الحياة لا تأتي كما يشتهيها البشر. كانت زوجته ترافقه وهي التي شكرته على خدمة نقل زوجها في سيارته، وتمنت أن يلتقيا مرة أخرى بعد العودة من السفرة القصيرة، والتي كما يبدو، أنها لا تتجاوز العشرة أيام. حينذاك ألقى أخر نظرة على صاحبه مودعاً إياه بالطريقة التي يفهمها كلاهما.

طيلةالوقت الذي مكث فيه في البيت كان يعد الأيام ويقتطع كل يوم من شجرة أيام الإسبوع، كما لو كان يقتطع وريقة وريقة من زهرة جميلة آخذة في الضمور. مرت الأيام العشرة ثقيلة على قلبه، فقد كان قد إعتاد على نمط الحياة التي رسمها الزمن له برفقة صاحبه، وهو المحب للوقوف الى جانب كل ما يدفع الإنسان الى حيث الأمل والحياة. وفي اليوم التالي، وبعد مرور أكثر من عشرة أيام، فكّر في الإتصال بزوجة صديقه الغائب عنه لمدة أكثر من عشرة أيام، والتي بدت مملة في الكثير من أوقات النهار، وخصوصا، أوقات زيارته له، في الصباح والمساء. غير أنه تخلى عن فكرة الإتصال بها تلفونياً على أمل أن تتصل هي به، لتعلمه بعودتهم ورجوع صاحبه الى البيت ثانية، لأنه يدرك جيداً أنها سوف لن تتردد في الإتصال به حالما يعود الجميع من السفر، وصاحبه من دار النقاهة.، لأنهم في حاجة إلى خدماته.

كان عقارب الساعة تشير الى حوالي الثامنة مساءاً، عندما رن جرس هاتفه النقال، وكم تمنى لو لم يرد على الطرف الأخر، وليبقى هكذا من دون أن يسمع شيئاً . كان الصوت نسائياً خافتاً، لم يستطع التعرف عليه في بادئ الأمر، غير أن ذلك لم يدم طويلاً، فقد كانت إبنة صاحبه الأخرى والمتزوجة من شاب كثيراً ما ساعدهم هو الأخرفي تقديم ما بمقدوره لرجل البيت المريض. وبعد أن أعلمته بأنها إبنة صاحبه، قطع كلماتها مستفسراً عما إذا كان والدها قد عاد الى البيت أم لا، ويبدو أنها لم تتحمل طويلاً وراحت تجهش في البكاء قائلة أن والدها قد توفي في دار النقاهة قبل يوم. أما هو فلم يتفوه بكلمة واحدة في البداية، إذ لم يستطع مقاومة الموقف وإكتفى بالقول أنه آسف جداً لسماع الخبر، وتلك ليست إلاّ مشيئة اللّه التي لا نستطيع أن نفعل شيئاً حيالها، ومن ثم ودّعها على أمل أن يزورهم في البيت ليقدم تعازيه لوالدتها وبقية أفراد العائلة. حالما أغلق خط هاتفه النقال، أسئلة كثيرة وثقيلة إنهالت، مرة واحدة، كالمطرقة على رأسه. لم يعد بمقدوره تحمّل وقع الخبر المفجع والأليم ، وإكتفى بصمت عميق دام طويلاً. وفي تلك الليلة لم ينم حتى بزوغ الشمس في صباح اليوم التالي.

 

سيدني – استراليا

ibrahimyousif@hotmail.com